fbpx
من عبق التاريخ

داماسكينو طليطلة روح دمشق فوق إسبانيا..

أخبار إسبانيا بالعربي – في مدينة طليطلة العرب المعروفة باسم توليدو في إسبانيا، تفوح رائحة الأصابع التي تعرف كيف تصنع ما يدخل الدهشة والألفة معاً إلى الروح. الرائحة تترجم بمجموعة من المنحوتات التي تنتشر في أغلب محلات ومتاجر المدينة، وهي المنحوتات التي تصنع هوية هذه المدينة: الـ”داماسكينو”، وهي عبارة عن خيوط نحاسية أو مذهّبة تُنحت على أوانٍ معدنية.
لن يفهم أهمية هذه المنحوتات إلا السوري الذي يقضي أيام منفاه الاختياري في إسبانيا. الرائحة نفسها تقودك إلى سنوات سابقة إلى الشام ورائحة القيمرية ورائحة مدحت باشا.

بحثاً عن الشام
في الطريق إلى المعمل حيث تُنحت الـ”داماسكينو”، كل شيء يعيدنا إلى دمشق، خصوصاً الحارات الضيقة الأليفة، حيث يتحاور الورد بين شرفاتها مثلما يتحاور الياسمين بين شرفات باب توما. في المشغل لا يختلف الوضع: غرف كبيرة لها شباك يطل على حديقة صغيرة، شباك عريض كشبابيك جامعة دمشق القديمة، على حيطان الغرفة عدد كبير من قطع النحاس المعلّقة التي حوّلتها أيادي الرجال الثلاثة الجالسين كل إلى طاولته، إلى تحف مذهلة يتجاور فيها الأصفر الذهبي مع النحاس العتيق مع الفضة الناعمة ضمن نقوش وزخارف عربية، وضمن كلمات مثل “لا غالب إلا الله” و”أدين بدين الحب”. أحد الرجال الثلاثة، وهو أكبرهم سنًا، يمسك الإزميل الصغير ويدق به على قطعة النحاس الطويلة أمامه، ليحولها لمقبض سيف، وهو السيف الدمشقي الشهير، ثم يقوم بالحفر بمنتهى الدقة وبصبر وهدوء كأنه يصلي.

الرجل الثاني، والذي يضع على طاولته العديد من لفافات ذهبية اللون هي لفافات خيط الذهب الحقيقي، يقوم بتنزيل خيوط الذهب على قطع النحاس المحفورة باليد بعناية لا تصدق، أما الثالث فيقوم بتنزيل الفضة حول الرسوم التي نزّل الذهب عليها مسبقاً ليعطي قطعة المعدن هذه هدوءاً وتوازناً إبداعياً لا يمكن أن يقتله الزمن يوماً.

السوري دائماً مرحّب به
صاحبة المحل تحتفي بزوارها بشكل خاص، خصوصاً عندما تعرف أنهم سوريون. كذلك الأمر بالنسبة للرجال الثلاثة الذين ينظرون بعين جميلة ومرحّبة بالزوار السوريين. ترحيب فيه الكثير من الحبّ والحنين والكثير من الحزن في الوقت نفسه. يرفض هؤلاء إلقاء السلام على الزوار العرب إلا باللغة العربية “السلام عليكم” يقولون، مع ضمّة كبيرة وعاطفة أليفة. ويقول هؤلاء حكاياتهم مع دمشق: عن أجدادهم الذين قدموا من العاصمة السورية، واستقروا في إسبانيا، توليدو تحديداً، خلال الفتح العربي إلى طليطلة وقد بنوا هذا المشغل “ليصنعوا فيه جمالا يصل لكل العالم”. يتحدّثون بكل فخر أنهم دمشقيو الأصول، لكن، “مع كل الأسف، لم أستطع زيارتها”. وهم يعرفون فقط أن أجدادهم منذ أكثر من ألف عام كانوا يعيشون فيها قبل أن يأتوا إلى طليطلة، والتي لم يزالوا يتوارثون فيها صناعة الداماسكينو إلى هذا اليوم، ويحفظون القسم الدمشقي “إن حرفتك هي مثل أرضك وبلدك لا تتنازل عنها”، وبأنهم عاشوا وما زالوا يعتاشون من هذه الصنعة التي لم تزل تحتفظ بقيمتها الفريدة وتباع بسعر جيد. إذ إن طلب السوق الإسبانية أكبر من حجم قدرتهم عن الإنتاج. فصناعة الداماسكينو هذه تغزو وجهات مدينة طليطلة، ومنها إلى مدريد العاصمة، وإلى مدن الجنوب الأندلسية مثل إشبيلية، وغرناطة. ويختم أحدهم الحديث بالقول إلى ضيفه السوري: “يا بني دمشق تعيش في اسمها، وأنت لا بد أن تستمر”، في محاولة لكسر جليد الغربة، وآلاف الأميال التي تفصل السوري عن بلاده، عن حياته، وعن دمشق.

دمشق في طليطلة
هي دمشق تحفر اسمها على كل روح سكنتها مطرزة بخيوط الذهب أو الفضة لتصير هذه الروح في منتهى الرهافة والجمال الأنيق الدائم، ربما لم يعرف التاريخ البشري مدينة تعطي اسمها لما تصنعه ويبقى هذا الاسم عالقاً بمنتجاتها العريقة التي تمتاز بجمالية ذوقية وحسٍ لا مثيل لهما، مثل مدينة دمشق. وهذا يدل، في ما يدل، على المستوى الرفيع الذي وصلت إليه الحضارة في هذه المدينة الساحرة، وكيف توارثت الأجيال هذه الصناعات الطاعنة في قدمها وفي قدرتها على إثبات نفسها برغم كل هذا التقدم الصناعي، وبرغم حضور الآلات المتطورة جداً والحديثة التي توفر الوقت والجهد، ولكن على ما يبدو أن طعم اليد التي تقوم بدق النحاس وحفره، والتي تطرز المعدن باللون، وتحوّله من معدن أخرس إلى لوحة حية ناطقة بلغة لم تنضب، يبدو أن هذا الطعم لا يقاوم، ولا شيء يستطيع أن يعوّض عنه.

مدينة العرب
لكن صناعة الـ”داماسكينو” ليست علاقة السوريين الوحيدة مع وطنهم في هذه المدينة الإسبانية. ففي هذه المدينة يقام كل عام مهرجان “أصوات حيّة من المتوسط إلى المتوسط”، التي يشارك فيها شعراء عرب. كما أن الكثير من تفاصيل المدينة تذكّر بفترة الحكم الإسلامي، إن كان من الناحية الهندسية أو جدران المدينة، أو الكتابة العربية التي لا تزال موجودة حتى الساعة على بعض المتاجر، لذلك غالباً ما يشعر الزائر العربي، بالألفة في إسبانياً عموماً وفي مدينة طليطلة بشكل خاص.

المصدر: العربي الجديد / موقع إسبانيا بالعربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

قد يعجبك ايضا
زر الذهاب إلى الأعلى