“زرياب” فنان الأناقة والإتيكيت، كيف كان سبباً في سقوط حكم المسلمين بالأندلس؟

زرياب
9 أكتوبر 2020
شارك المقالة

بقلم: أ. آسيا بلمحنوف.

لم يكن إسحاق الموصلي وهو مغني بغداد الشهير ونادم الرشيد والمأمون والمعتصم والواثق يعلم أن تلميذه أبو الحسن علي بن نافع الملقب بزرياب والذي كان يُعلمه فنون الموسيقي سيتفوق عليه وهو في رحاب أمير المؤمنين هارون الرشيد، وبالمقابل لم يكن زرياب وهو الشاب الأسمر الفقير يعتقد أنه سيحضر مجلس الرشيد يوما، لكن يشاء القدر أن يجمع بين السيد والعبد، فما الذي حصل بينهما؟

زرياب في حضرة الرشيد

  اشتاقت نفس الرشيد إلى سماع ما تطرب له الأذن، فدعا إلى مجلسه نادمه إسحاق الموصلي الذي رأى أن يأخذ معه تلميذه المتفوق زرياب وهكذا ينال رضا الخليفة وتزيد مرتبته عنده فيغدق عليه بالهدايا والعطايا والأموال، ولمّا حضر المعلم وتلميذه بلاط الخليفة سأل الرشيد زرياب: هل تُجيد الغناء؟، وقد أجاد الفتى الأسمر الإجابة عندما قال: نعم، أُحسن منه ما يُحسنُه الناس، وأكثر ما أُحسِنُه لا يُحسِنُه الناس، ممّا لا يُحسّن إلاّ عِندكَ، ولا يُدّخرُ إلاّ لكَ، فإن أذِنتَ غنيّتُكَ ما لم تسّمع أُذنٌ من قبل ؟ 

  تحمّس الرشيد لسماع زرياب خاصة وأنّه لمس في ردّه حسن الأدب وفصاحة اللسان، فطلب منه أن يغني ويعزف على عود أستاذه، لكن زرياب استأذنه ليعزف على عوده الخاص، وبعد أخذٍ ورد سمح له الخليفة بالعزف على عوده الخاص الذي صنعه زرياب بنفسه وكان أخف من عود أستاذه، أما أوتاره فقد صنعت من الحرير الذي لم يغزل بماء ساخن، أخذ زرياب عوده وراح يغني بصوت عذّبٍ:

يا أيها الملك الميمون طائره هارون راح إليك الناس وابتكروا

  طربت مسامع الحاضرين وبُهت الرشيد في صوت الفتى الأسمر الذي لم يكن أحدٌ غير معلمه يعلم أنه يملك ذلك الصوت العذب، وبعد أن أنهى زرياب مقطوعته الموسيقية وقف الرشيد مُبديا فرحته بالصوت الشجيّ الذي أطرب مسمعه وراح يوصي الموصلي بتلميذه خيرا، فهل عمل الموصلي بوصية الخليفة؟      

غيرة المعلم

  تحركت في قلب الموصلي نوازع الشرّ وهبت رياح الغيرة قوية خوفا أن يأخذ زرياب مكانته عند الخليفة، فطلب من تلميذه مغادرة بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، وأن يمضي إلى الغرب يلتمس حظه هناك، وإن لم يفعل كان مصيره الموت، فخاف زرياب على نفسه وما كان له سوى الهروب متجها نحو بلاد الأندلس.

  شمس زرياب تسطع على ديار الأندلس

  جاء زرياب الأندلس فارًا من تهديد معلمه الذي خيّره بين مغادرة بغداد سالمًا وبين المكوث فيها وانتظار الموت في أية لحظةٍ، ولأن يد إسحاق كانت طويلة في بغداد لم يكن لزرياب وهو الغلام الأسود إلاّ أن يفرّ على عجل، وهو في رحلته مرّ بالكثير من الأمصار وفي كل واحدة منها كان يترك أثره الفني هناك حتى قرر أن يراسل أمير قرطبة “الحكم بن هشام” ويخبره برغبته في دخول بلاد الأندلس التي ستكون فاتحة خير لمواهبه، وقبل الأمير قدوم زرياب وأوفد له رسولا مُرحبًا به، ولمّا كان زرياب في طريقه إلى قرطبة أتاه خبر وفاة الحكم فقرر العودة من حيث أتى لكن رسول الحكم نصحه بمواصلة الطريق وأن يقصد ابن الحكم الأمير عبد الرحمن الأوسط الذي كان مولعًا بالثقافة والفن، وفعل زرياب ما نصحه به الرسول فتبسّم الحظ له ولقي القبول من ابن الأمير بل إنّه خرج لاستقباله بنفسه عندما وصل ديار الأندلس، وهناك نشر زرياب كل ما كان بحوزته من فنّ وموسيقى، خاصة بعد أن أنشأ معهدا خاصا للموسيقى يستقبل فيه الطلاب من كافة أنحاء الأندلس، وقد أدخل على فن الموسيقى إضافات جديدة أهمها إضافة الوتر الخامس للعود بعد أن كان أربعة، وإضافة مقامات لم تكن معروفة قبله، وامتد تأثيره ليشمل أنماط الحياة الاجتماعية وفنون الذوق العام، حيث علّم الناس الشرب في الأواني الزجاجية بدل الأواني المصنوعة من المعادن الثمينة، كما نقل إليهم تسريحات الشعر الخاصة بالرجال والنساء، وعلّمهم طريقة خاصة في تقديم الطعام وهو ما يسمى اليوم “الإتيكيت”، وهكذا يكون زرياب قد نقل إلى الأندلسيين أوجه كثيرة من الحياة الحضارية للمشارقة.

زرياب العبقري

   لم يكن زرياب مجرد فنان يعزف على العود ويغني في حضرة الملوك والأمراء فقط، بل كان موسوعة ثقافية وعلمية متنقلة، إذ لم يشغله ولعه بالموسيقى عن تعلم بقية العلوم والفنون، ويروي المؤرخون أن زرياب كان عالمًا بالجغرافيا شغوفًا بمواضع الأمصار خاصة وأنّه قد قطع مسافات طويلة من بغداد وصولا للأندلس، كما كان له باع في علم الفلك إذ كان عالمًا بالنجوم ومواقعها، إضافة إلى إحاطته بعلم العربية وإتقانه بحور الشعر جميعًا حتى برع في نظمه.

لعنة زرياب تطيح بالمسلمين في الأندلس   

  يعتقد الكثير من المسلمين أن زرياب كان بمثابة لعنة أصابتهم هناك، فبعد أن جاء الأندلس كثر المغنون والمغنيات هناك، وأصبح معهده يضم الكثير من المغنيات، وولع الناس بمجالسه الطربية حتى افتتنوا به، وكثر إقبالهم عليه، وظهر إلى جانب الغناء الرقص وكثرت مجالس الطرب واللهو، وقد صرفت حكايات زرياب عن الأمراء والملوك والأساطير الناس عن سماع قصص الصحابة والخلفاء وأمجادهم، بل وصرفهم حتى عن مجالس العلم وحلقات القرآن الكريم، بل إن النساء وفدن من خارج الأندلس ليتعلمن ضروب الغناء على يد زرياب، وقد ذكر صاحب “نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب” مجموعة من هؤلاء القادمات ومنهن عابدة المدنية وكانت جارية سوداء من رقيق المدينة، والجارية البغدادية قمر وكان فصيحة اللسان حسنة الصوت بارعة الجمال، كل هذا اعتبره كثير من المسلمين أسبابا قوية أدت إلى ضعف المسلمين في قرطبة والأندلس جميعًا، حيث أدى انشغالهم بمجالس السهر والسمر إلى ضعفهم وتفككهم، وبهذا يكون زرياب بالنسبة لهؤلاء الرجل الذي أسقط حكم المسلمين في الأندلس بالموسيقى.   

تابعون على صفحاتنا

اترك تعليق

التسجيل ليس ضروريا



بكتابتك للتعليق انت موافق على سياسة الخصوصية

اشترك في نشرتنا الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية

انضم إلى قائمتنا البريدية لتلقي آخر الأخبار والتحديثات من فريقنا.

لقد اشتركت بنجاح، راجع ايميلك باستمرار لتصلك اخر الاخبار