Advertisements
شؤون إسبانية

قبيلة أنجرة.. أندلسيون تمسكوا بثقافتهم بعد 5 قرون من التهجير

أخبار إسبانيا بالعربي – عندما سقطت غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس، وسيطرت الكنيسة الكاثوليكية على كامل شبه الجزيرة الإيبيرية، ارتكبت الفظائع من تعذيب وقتل واضطهاد في حق المسلمين من قبل محاكم التفتيش، والتي انتهت بتهجير كامل للسكان أصحاب الأصول المسلمة “الموريسكيون“، الذين تفرقوا في بلاد المسلمين وسكن غالبيتهم شمال أفريقيا، ليمتزجوا ويختلطوا مع عادات وثقافات المسلمين في تلك المناطق، والتي لا تختلف كثيرا عن ثقافتهم الإسلامية، إلا أن بعضهم آثر التمسك بصفاء ونقاء هويتهم وثقافتهم الأندلسية والتي تروي حضارة عظيمة أنارت أوروبا لقرون عديدة.

طالع أيضا: جولة في رحاب الأندلس… تأملات في ماضٍ متخيل وحاضر ماثل

على طول الشواطئ الجنوبية لمضيق جبل طارق تنتشر عشرات القرى الصغيرة التي تتوزع منازلها المتواضعة البيضاء بين الجبال، وكأنها أجرام صغيرة لامعة، يسكنها أناس يختلفون في طباعهم ولهجتهم وملامحهم الشقراء وعيونهم الملونة، إنهم قبيلة “أنجرة” أندلسية الأصل الذين ظلوا على حالهم وطبيعتهم الثقافية والعرقية والاجتماعية منذ أكثر من 500 عام، عندما هاجروا من الأندلس بعد اضطهادهم وطردهم على يد الصليبيين.

أصل سكان قبيلة أنجرة

FB IMG 1639950333367
لباس قبيلة أنجرة من أصول أندلسية

ينتمي معظم أفراد قبيلة أنجرة إلى العرق الأندلسي بدرجة صفاء شبه كاملة، وغالبيتهم ينحدرون من أصول أوروبية، أو اختلاط بين أوروبيين وعرب أندلسيين، فالذين طردوا من الأندلس كانوا خليطا من الأجناس العربية والأوروبية، فـ 800 عام من الوجود الإسلامي في الأندلس، أوجد الاختلاط العربي بالإيبيري والأوروبي والتركي والفارسي، وصب كل ذلك في بوتقة اسمها الإنسان الأندلسي، ويتحدث أفراد القبيلة لغة “الألخميادو”، وهي اللغة التي ابتكرها المسلمون في الأندلس بعد حظر التحدث بالعربية، ودونوا بها تاريخهم ومأساتهم، وكتبوا بها القرآن الكريم، والسيرة النبوية، وبعض كتب الفقه، كما أنهم يتحدثون العربية.

طالع أيضا: خونة الأندلس.. خونة خلدهم التاريخ ورفع من شأنهم رغم عمالتهم للعدو!

منذ أن جاء أفراد قبيلة أنجرة من الأندلس إلى شمال أفريقيا (المغرب) قبل مئات السنين، وهم لم يختلطوا كثيرا بباقي مناطق البلاد، حيث ظلوا منغلقين على أنفسهم بين الجبال، ويتزاوجون فيما بينهم ويعيدون إنتاج خلاياهم الأندلسية جيلا بعد جيلا، ولا يزالون كذلك إلى اليوم، حتى أنهم شيدوا منازلهم بطريقة معمارية شبيهة بتلك التي تركوها في الأندلس.

ومازالت الكثير من قراهم تضم منازل قديمة أسطحها بنيت بشكل ثلاثي الأضلع كالمنازل التي تبنى في المناطق الثلجية، كون أن أولئك الوافدين على بلاد المغرب جاؤوا من مناطق يتساقط فيها الثلج بكثرة مثل غرناطة، وكانوا يبنون منازل معدة للثلج لاعتقادهم أن الثلج يتساقط على أنجرة كذلك، كما أنهم بحثوا عن مناطق تشبه المناطق التي تم تهجيرهم منها لذلك اختاروا الاستقرار بين هذه المناطق الخضراء في أنجرة التي لا تختلف في شيء عن سهول وهضاب غرناطة وإشبيلية ومناطق أخرى في الجنوب الإسباني.

FB IMG 1639950338732
بلدة تغيرامت بقبيلة أنجرة الأندلسية بالمغرب

فقد بحث المهاجرون المسلمون من الأندلس (الموريسكيون) في بلاد شمال أفريقيا عن أماكن تشبه أو تتماثل أحيانا مع المناطق التي هجروا منها، حيث يشعرون بأنهم يمكن أن يعوضوا موطنهم الأصلي الضائع في الأندلس بآخر ولو أقل قيمة في أشياء كثيرة، ومنحت منطقة شمال المغرب الكثيرين من هؤلاء طبيعة خلابة جعلتهم يستطيعون التعايش معها والبقاء محتفظين بموروثهم الثقافي والحضاري والاجتماعي، دون أن يفقدوا حريتهم وحياتهم بفعل تلك الكراهية الصليبية الرهيبة التي شردت شعبا كبيرا في كل الاتجاهات.

وكان أجداد هؤلاء الأندلسيين يعتقدون أنهم سيستقرون في هذا المكان لفترة قصيرة ثم يعودون إلى ديارهم القريبة بعد تحريرها، كما كان يحدث من قبل، إلا أن التغيرات على أرض الواقع كانت مخالفة لذلك، ومرت السنوات والعقود بل والقرون دون أي تغير، وفقد بعض منهم مفاتيح منازلهم الأندلسية وراح جيل بعد جيل، وصار الحلم الأندلسي يغيب شيئا فشيئا حتى صار نسيّا منسيّا.

طالع أيضا: هجرات الأندلسيين إلى منطقة الريف شمال المغرب و أشهر العائلات الأندلسية فيها

ويشير د. راغب السرجاني، الباحث في تاريخ الأندلس، إلى أنه بعد سقوط غرناطة وهروب أميرها أبو عبدالله الصغير، أصبح المسلمون رهينة لدى الكنيسة الكاثوليكية، والتي أقامت محاكم التفتيش للبطش بالمسلمين، والضغط عليهم إما لتغيير ديانتهم إلى المسيحية أو طردهم خارج البلاد.

وهو ما كان مصير غالبية المسلمين التهجير من موطنهم الأصلي الأندلس، ما جعلهم يتفرقون على بلاد المسلمين في المشرق والدولة العثمانية وشمال أفريقيا، موضحا أن الآلاف من الأندلسيين استقر في شمال المغرب على سواحل وجبال وسهول قبيلة أنجرة، وهكذا توارثوا تلك المنطقة، وآثروا العزلة عن باقي العالم، ما مكنهم من الاحتفاظ بنقاء عرقهم الأندلسي.

فهم يمثلون أحد أكثر الأعراق الأندلسية صفاء وثقافة واجتماعا، مشيرا إلى أن هولاء الموريسكيين الذين يقطنون هذه القرى هم من أكبر المنسيين في تاريخ الهولوكوست الأندلسي الذي شرد ملايين الأندلسيين وأحرقت وقتلت الكثيرين منهم قبل وبعد سقوط غرناطة، حيث ضاع منهم التاريخ والهوية، وأصبحوا يريدون فقط أن يعيشوا ويحافظوا على دينهم وثقافتهم وتقاليدهم ولهجتهم.

طالع أيضا: من هم بنو الأحمر (بنو نصر) آخر السلالات التي حكمت غرناطة في الأندلس؟

ويتراوح تعداد أفراد قبيلة أنجرة بين بضعة آلاف، جلهم من الأندلسيين بدرجة صفاء شبه كاملة، فهم منذ قدومهم إلى شمال المغرب يعيشون في عزلة، ولا يختلطون بغيرهم فيتزوجون من بعضهم البعض، ويحافظون على ثقافهتم وعاداتهم وتقاليدهم الأندلسية، حتى أن بعضهم مازال يحتفظ بمفاتيح منازلهم في غرناطة وإشبيلية حتى الآن.

ويوجد أفراد تلك القبيلة في القرى والبوادي الممتدة من حدود مدينة طنجة شرقا إلى حدود تطوان وامتدادا حتى مدينة شفشاون، كلها تقريبا تنتمي لتلك القبيلة الأندلسية الكبيرة، وهي أكبر قبائل جبالة على الإطلاق، ولا يزال نفوذها يمتد إلى مناطق واسعة من مناطق جبالة في شمال المغرب.

تابعو آخر أخبار إسبانيا على تطبيق جوجل نيوز

المصدر : وكالة الصحافة العربية / موقع إسبانيا بالعربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى