آخر الأخبارشؤون إسبانية

لماذا علّقت المحكمة العليا الإسبانية حق التصويت للمسجلين بموجب «قانون الأحفاد»

أصدرت المحكمة العليا الإسبانية قراراً يقضي بالتعليق الاحترازي والمؤقت لحق التصويت بالنسبة إلى أحفاد وأبناء الإسبان الذين حصلوا على الجنسية الإسبانية بموجب ما يعرف على نطاق واسع باسم «قانون الأحفاد». وجاء القرار بعد يوم واحد فقط من الجلسة القضائية التي طلب خلالها كل من حزب فوكس (Vox) ومنظمة Iustitia Europa اتخاذ إجراءات احترازية، محذرين من احتمال حدوث «آثار لا رجعة فيها» على السجل الانتخابي الإسباني.

ويأتي هذا القرار في وقت يثير فيه ملف الحصول على الجنسية الإسبانية عن طريق قانون الذاكرة الديمقراطية جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً، خصوصاً في ظل ارتفاع عدد طلبات الجنسية المقدمة من أبناء وأحفاد الإسبان المقيمين خارج البلاد.

المحكمة العليا تشترط إثبات صفة المنفى للتسجيل الانتخابي

قررت الغرفة الثالثة، المختصة بالقضايا الإدارية في المحكمة العليا الإسبانية، أن تسجيل الأشخاص الذين حصلوا على الجنسية الإسبانية في سجل الناخبين المقيمين خارج إسبانيا (CERA) سيكون مشروطاً بتقديم شهادة تثبت أنهم أبناء أو أحفاد أشخاص إسبان تعرضوا للمنفى لأسباب سياسية أو أيديولوجية أو دينية أو بسبب التوجه الجنسي، وأن هؤلاء الأشخاص فقدوا الجنسية الإسبانية أو تخلوا عنها.

وبموجب القرار، يتعين على اللجنة الانتخابية المركزية الإسبانية (JEC) مطالبة المسؤولين عن السجلات القنصلية بالحصول على هذه الوثائق والشهادات قبل استكمال عملية إدراج المستفيدين في السجل الانتخابي.

ويعني ذلك عملياً أن الحصول على الجنسية الإسبانية بموجب القانون لا يكفي وحده، في الوقت الراهن، لضمان التسجيل في سجل الناخبين المقيمين خارج إسبانيا، إذ يتعين إثبات استيفاء شروط محددة مرتبطة بصفة المنفى.

المحكمة
المحاكم

تعليق التسجيل الانتخابي إلى حين صدور الحكم النهائي

اتخذ قضاة الغرفة الثالثة القرار بأغلبية خمسة أصوات مقابل صوت واحد. وينص القرار على أنه بالنسبة إلى الأشخاص الذين حصلوا على الجنسية الإسبانية ولم يتم تسجيلهم بعد في السجل الانتخابي، ستستمر الإجراءات الإدارية المتعلقة بملفاتهم حتى نهايتها.

لكن بعد انتهاء إجراءات الجنسية، سيتم تعليق التسجيل الانتخابي بصورة احترازية إلى حين تقديم الشهادة المطلوبة التي تثبت استيفاء شروط القانون المتعلقة بالمنفى.

وينطبق الإجراء نفسه على الأشخاص الذين حصلوا بالفعل على الجنسية الإسبانية وأكملوا جميع الإجراءات اللازمة، لكن تسجيلهم الانتخابي لم يُحسم بصورة نهائية وفق الشروط التي حددتها المحكمة.

ومن المقرر أن تظل هذه التدابير الاحترازية سارية إلى حين صدور الحكم النهائي في القضية التي تنظر فيها المحكمة العليا.

ما هو «قانون الأحفاد» الإسباني؟

يعود ما يسمى بـ«قانون الأحفاد» إلى أحد أحكام قانون الذاكرة الديمقراطية الذي دخل حيز التنفيذ في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2022. ويسمح هذا التشريع لأبناء وأحفاد الإسبان الأصليين بالتقدم للحصول على الجنسية الإسبانية، شريطة استيفاء مجموعة من الشروط التي حددها القانون.

ومن بين هذه الشروط أن يكون مقدم الطلب قد ولد خارج إسبانيا، وأن يكون والده أو والدته أو جده أو جدته إسبانياً بالأصل، وأن يكون هذا الأصل الإسباني مرتبطاً بحالة من حالات المنفى بسبب أسباب سياسية أو أيديولوجية أو دينية أو بسبب التوجه الجنسي.

وقد فتح القانون الباب أمام أعداد كبيرة من أبناء وأحفاد الإسبان المقيمين في مختلف أنحاء العالم للتقدم بطلبات الحصول على الجنسية الإسبانية.

تشكيل الحكومة في إسبانيا

الخلاف حول تعليمات الحكومة الإسبانية

بعد أسبوع من إقرار القانون، اعتمدت الحكومة الإسبانية تعليمات إدارية نصت على أنه يمكن افتراض صفة المنفى بالنسبة إلى جميع الإسبان الذين غادروا البلاد خلال الفترة الممتدة بين عامي 1936 و1955.

وهذه النقطة تحديداً أصبحت محوراً رئيسياً للخلاف القانوني الحالي. فبينما اعتبرت التعليمات الحكومية أن مغادرة إسبانيا خلال تلك الفترة يمكن أن تكون قرينة على وجود حالة منفى، ترى المحكمة العليا، في قرارها الاحترازي الحالي، ضرورة التحقق من استيفاء الشروط التي ينص عليها القانون.

وبعبارة أخرى، يشير قرار المحكمة إلى ضرورة أن تثبت الملفات أن المستفيدين من الجنسية ينحدرون من أشخاص تنطبق عليهم حالات المنفى والاضطهاد التي حددها القانون، بدلاً من الاعتماد فقط على التفسير الواسع الوارد في تعليمات الحكومة.

أوامر للمجالس الانتخابية ومكتب السجل الانتخابي

لم تقتصر إجراءات المحكمة العليا على تعليق التسجيل الانتخابي، بل تضمنت أيضاً مجموعة من التعليمات الموجهة إلى الجهات الانتخابية المختصة.

فقد أمرت المحكمة مكتب السجل الانتخابي الإسباني بفصل ملفات طلبات التسجيل التي تستند إلى حالات المنفى المنصوص عليها مباشرة في القانون عن الملفات التي تمت الموافقة عليها استناداً إلى التفسير الذي قدمته تعليمات الحكومة.

كما طلبت المحكمة من اللجنة الانتخابية المركزية الضغط على مكتب السجل الانتخابي من أجل إرسال التقرير الكامل الذي كانت قد طلبته في 16 يوليو/تموز الماضي.

ويتعلق التقرير بطريقة تطبيق «قانون الأحفاد»، إضافة إلى التصويت عبر البريد بالنسبة إلى الإسبان المقيمين خارج البلاد.

كما طلبت المحكمة إعداد تعليمات تتضمن معايير دقيقة لتحديد البلدية التي يجب أن يُسجل فيها الناخب انتخابياً، وهي مسألة لها أهمية خاصة بالنسبة إلى المواطنين الإسبان المقيمين خارج الأراضي الإسبانية.

أكثر من 2.5 مليون طلب للحصول على الجنسية الإسبانية

تكشف أحدث البيانات الرسمية عن الحجم الكبير للطلبات المرتبطة بـ«قانون الأحفاد». فقد تقدم نحو 2.5 مليون شخص بطلبات للحصول على الجنسية الإسبانية بموجب القانون.

ومن بين هؤلاء، تمت الموافقة بالفعل على طلبات الجنسية الخاصة بنحو 544,722 شخصاً، في حين تم تسجيل حوالي 306 آلاف شخص بالفعل كمواطنين إسبان، وفق أحدث الأرقام الرسمية المتاحة.

وتفسر هذه الأرقام جزئياً سبب تحول القضية إلى موضوع سياسي حساس، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الإسبانية، إذ إن آلاف المواطنين الجدد المقيمين خارج إسبانيا يمكن أن يصبحوا مؤهلين للمشاركة في الانتخابات بعد استكمال إجراءات تسجيلهم.

الحكومة الإسبانية تنتقد قرار المحكمة العليا

في المقابل، أعربت الحكومة الإسبانية عن أسفها لقرار المحكمة العليا، في وقت تؤكد فيه المعارضة أن تطبيق «قانون الأحفاد» بالشكل الحالي يمكن أن يؤثر في تركيبة السجل الانتخابي.

ويأتي الخلاف في ظل اتهامات متبادلة بين الحكومة والمعارضة بشأن الدوافع السياسية وراء القانون وطريقة تطبيقه، ولا سيما ما يتعلق بسرعة معالجة الطلبات ومدى التحقق من استيفاء الشروط القانونية.

حزب فوكس يحتفل بقرار تعليق التسجيل

من جهته، رحب حزب فوكس (Vox) بقرار المحكمة العليا، بعدما كانت قيادته قد طالبت باتخاذ تدابير احترازية ضد تطبيق الإجراءات محل النزاع.

وقالت المتحدثة باسم الحزب في البرلمان، بيبا ميّان (Pepa Millán)، إن حزبها نجح في «إيقاف هدف بيدرو سانشيز»، في إشارة إلى رئيس الحكومة الإسبانية، متهمة إياه بالسعي إلى التأثير في الانتخابات المقبلة.

كما وجهت ميّان انتقاداً ضمنياً إلى الحزب الشعبي الإسباني (PP)، معتبرة أن فوكس تحرك أمام المحكمة، في حين أن الحزب الشعبي اكتفى، بحسب تعبيرها، بالتحذير من القضية دون اللجوء إلى المحكمة العليا.

فيخو يقول إن قرار المحكمة يثبت صحة تحذيراته

أما زعيم الحزب الشعبي، ألبرتو نونييث فيخو (Alberto Núñez Feijóo)، فقد سبق أن اتهم رئيس الحكومة بمارسة ما وصفه بـ«الهندسة الانتخابية» من خلال «قانون الأحفاد».

وكان فيخو قد أشار إلى أن أكثر من مليوني طلب للحصول على الجنسية الإسبانية كانت تتم معالجتها «بسرعة» ومن دون ضمانات كافية، بحسب موقفه السياسي من الملف.

وبعد صدور قرار المحكمة العليا، اعتبر فيخو أن التطورات الأخيرة تثبت صحة تحذيراته السابقة، قائلاً، وفق ما نقل عنه، إنه «كان على حق».

رئيس الحكومة
رئيس الحكومة الإسبانية

الحزب الشعبي يتحدث عن «ضربة قضائية» للحكومة

من جانبها، رحبت ألما إسكورا (Alma Ezcurra)، نائبة الأمين العام للحزب الشعبي لشؤون التجديد المؤسسي، بقرار المحكمة، ووصفته بأنه «ضربة من القضاء» لمحاولة الحكومة، بحسب تعبيرها، «تغيير الانتخابات العامة بشكل صارخ» بهدف ضمان استمرار سانشيز في السلطة.

وأكدت إسكورا أن قرار المحكمة يظهر، من وجهة نظر حزبها، وجود مشكلة تتعلق بالضمانات القانونية قبل بضعة أشهر من الانتخابات.

كما دافعت عن موقف الحزب القائل بأن الجنسية الإسبانية ليست أمراً يمكن منحه من دون تحقق، مؤكدة أن الجنسية، بحسب تعبيرها، «شرف لا يُمنح مجاناً».

ماذا يعني القرار للمستفيدين من قانون الأحفاد؟

لا يعني القرار، في هذه المرحلة، إلغاء «قانون الأحفاد» أو إلغاء الجنسيات الإسبانية التي مُنحت بموجبه. وإنما يتعلق الإجراء أساساً بالتسجيل في السجل الانتخابي للمقيمين خارج إسبانيا (CERA)، إلى حين حسم النزاع القضائي بصورة نهائية.

وبالتالي، سيستمر النظر في ملفات الجنسية التي لم تنته إجراءاتها، لكن التسجيل الانتخابي للأشخاص المعنيين سيظل خاضعاً للتعليق الاحترازي وفق الشروط التي حددتها المحكمة العليا.

وتبقى القضية مفتوحة إلى حين صدور الحكم النهائي، الذي سيحدد بصورة حاسمة مدى قانونية تطبيق التعليمات الحكومية المتعلقة بافتراض صفة المنفى، وما إذا كان يتعين إثبات هذه الصفة بشكل فردي في كل ملف للحصول على حق التسجيل الانتخابي والمشاركة في الانتخابات الإسبانية.

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى