آخر الأخبارمن عبق التاريخ

جسر عربي يعبره الزوار في إسبانيا.. ما الحكاية التي تحتفظ بها حجارته؟

لا تزال آثار الحضارة الأندلسية حاضرة في عدد من المدن الإسبانية، ليس فقط في القصور والمساجد القديمة، بل أيضاً في المنشآت التي ساهمت في نشأة المدن وتطورها. ومن بين هذه الشواهد جسر «هيناريس العربي» في مدينة غوادالاخارا، بمنطقة كاستيا لا مانتشا، وهو معبر حجري يعود أصله إلى القرن العاشر، ويعكس الأهمية الاستراتيجية التي اكتسبتها المدينة خلال العصر الإسلامي.

ويقع الجسر فوق نهر هيناريس، بالقرب من الطريق المؤدي من محطة القطار إلى المركز التاريخي للمدينة. وتدرجه بوابة السياحة الرسمية في كاستيا لا مانتشا ضمن معالم غوادالاخارا التراثية، مشيرة إلى أن الجسر خضع لأعمال تدعيم وتوسعة وإعادة بناء على امتداد قرون، بعدما كان ممراً أساسياً لعبور النهر والوصول إلى المدينة.

مدريد

جسر ارتبط بنشأة غوادا لاخارا الإسلامية

يرتبط تاريخ الجسر بتطور غوادالاخارا خلال الفترة الأندلسية، حين عُرفت باسم «وادي الحجارة». وقد ساعد موقع المدينة على الطرق التي تصل وسط شبه الجزيرة الإيبيرية بمناطق أخرى في منحها أهمية استراتيجية، فيما أتاح الجسر عبور نهر هيناريس بصورة أكثر استقراراً من الاعتماد على المعابر الطبيعية.

وبحسب بوابة التراث الثقافي في كاستيا لا مانتشا، يرجع تاريخ البناء الأصلي إلى القرن العاشر، خلال العصر الخلافي في الأندلس. وتربط المصادر التاريخية إنشاءه بتعزيز موقع المدينة ضمن المنطقة الوسطى من الأندلس، وبالحاجة إلى تأمين الطريق الرئيسي المؤدي إلى سرقسطة ومراقبة عبور النهر.

ولا ينبغي النظر إلى الجسر باعتباره بناءً بقي على هيئته الأولى؛ فالمعالم التي تظهر اليوم تمثل طبقات متعاقبة من أعمال البناء والإصلاح التي فرضتها الحاجة إلى استمرار استخدامه ومقاومة الفيضانات.

برج دفاعي تجاوز ارتفاعه 20 متراً

من التفاصيل اللافتة في تاريخ الجسر وجود برج دفاعي في وسطه، كان ارتفاعه يزيد على 20 متراً. وتشير المعلومات المنشورة في بوابة السياحة التابعة لبلدية غوادالاخارا إلى أن البرج اختفى في القرن الثامن عشر، بعد تعرض المنطقة لفيضانات متتالية ألحقت أضراراً بالمنشأة.

وفي عهد الملك كارلوس الثالث، أُعيد بناء الأقواس المركزية باستخدام أحجار جديدة، وفقاً للمعلومات البلدية التي تشير إلى وجود نصب تذكاري يوثق أعمال إعادة البناء.

وتوضح هذه المرحلة كيف تغيرت وظيفة الجسر وشكله عبر الزمن؛ فقد بدأ بوصفه منشأة مرتبطة بطرق المدينة في العصر الأندلسي، ثم استمر استخدامه بعد تغير السلطة السياسية، وخضع لتدخلات معمارية متعددة للحفاظ عليه.

سياحة
سياحة

لماذا يتمتع الجسر بأهمية تاريخية؟

تكمن أهمية الجسر في كونه شاهداً على تطور الهندسة المدنية في الأندلس، وعلى الدور الذي لعبته البنية التحتية في نشأة المدن وتوسيعها. فالمعبر لم يكن مجرد وسيلة لعبور النهر، بل ساعد على تنظيم الحركة بين المدينة ومحيطها، وربطها بالطرق التجارية والعسكرية في المنطقة.

وتشير مؤسسة الثقافة الإسلامية (FUNCI)، في مادتها التعريفية عن الجسر الخلافي، إلى أن طوله يبلغ نحو 117 متراً، وأنه من المنشآت التي أُقيمت في وادي الحجارة خلال القرن العاشر. وتوضح المؤسسة أن بعض الباحثين نسبوا الجسر في السابق إلى العصر الروماني، قبل أن تدعم دراسات لاحقة فرضية أصوله الأندلسية.

أما شكله الحالي، فهو نتيجة أعمال متعاقبة شملت إصلاحات وتعديلات وإعادة بناء، خصوصاً خلال القرن الثامن عشر. ولهذا فإن قراءة الجسر اليوم تتيح التعرف على مراحل مختلفة من تاريخ المدينة، لا على حقبة واحدة فقط.

إشبيلية
إسبانيا

زيارة مجانية بالقرب من مركز المدينة

يقع الجسر في ممشى محطة القطار بمدينة غوادالاخارا، عند العنوان: Paseo de la Estación, s/n. وتذكر بوابة السياحة الإقليمية أن الوصول إليه مجاني ومفتوح، ما يجعله محطة مناسبة للزوار المهتمين بتاريخ الأندلس والعمارة القديمة.

ويمكن دمج زيارته ضمن جولة في المدينة، مع التوقف لمشاهدة الأقواس الحجرية وموقع الجسر فوق النهر، والتعرف على دوره في ربط غوادالاخارا بالطرق التاريخية المحيطة بها.

لكن ينبغي الانتباه إلى أن مسار الوصول يتضمن انحداراً، وفق المعلومات المنشورة على بوابة البلدية، وهو أمر قد يهم الأشخاص الذين يحتاجون إلى مسار مهيأ أو يواجهون صعوبات في الحركة.

ويقدم الجسر مثالاً على استمرار بعض المنشآت الأندلسية في تشكيل المشهد الحضري الإسباني بعد مرور أكثر من ألف عام. فبين أحجاره وآثاره المعمارية، يمكن قراءة جانب من تاريخ غوادالاخارا، المدينة التي تطورت حول طرق العبور والنهر، وظلت تحتفظ بشواهد من ماضيها الإسلامي.

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى