من عبق التاريخآخر الأخبار

فاطمة بنت الأحمر: كيف أصبحت امرأة حلقة حاسمة في استمرار سلالة حكام غرناطة؟

لم تكن فاطمة بنت الأحمر مجرد أميرة من العائلة الحاكمة في غرناطة خلال العصر الأندلسي، بل كانت إحدى أبرز الشخصيات النسائية التي مارست نفوذاً سياسياً في تاريخ الدولة النصرية. فقد أسهمت في وصول ابنها إسماعيل الأول إلى الحكم سنة 1314، وواصلت التأثير في شؤون المملكة خلال عهدي حفيديها محمد الرابع ويوسف الأول، في مرحلة اتسمت بالصراعات على السلطة وتهديد استمرارية السلالة الحاكمة.

وتعيد سيرة هذه السلطانة، التي وثقتها الباحثة الإسبانية بربارة بولويكس غاياردو في مادة علمية نشرها مجلس الحمراء وجنّة العريف في مارس/آذار 2025، تسليط الضوء على دور النساء في الحياة السياسية داخل القصر، بعيداً عن الصورة التي تحصر وجودهن في الفضاءات الخاصة أو في العلاقات الأسرية وحدها.

خريطة الدولة النصرية

أميرة من صلب الأسرة الحاكمة

وُلدت فاطمة بنت الأحمر، على الأرجح في غرناطة، نحو عامي 1260 و1261، وهي ابنة الأمير محمد الثاني، الذي حكم الدولة النصرية بين 1273 و1302، وأخت السلطان محمد الثالث، كما كانت أختاً غير شقيقة للسلطان نصر من جهة الأب.

وكان انتماؤها العائلي مهماً في تاريخ المملكة؛ إذ تنحدر من نسل محمد الأول، مؤسس الدولة النصرية، ما جعل أحفادها يمثلون امتداداً مباشراً لخط السلالة الحاكمة. وقد أشارت المصادر التاريخية التي درستها بولويكس غاياردو إلى مكانتها الرفيعة داخل الأسرة، وإلى ما تمتعت به من ثقافة ومعرفة، مستفيدة على الأرجح من البيئة العلمية التي نشأت فيها في عهد والدها.

ولا تتوافر معلومات دقيقة عن تاريخ ميلادها أو عن جميع تفاصيل تعليمها، لكن الدراسة تشير إلى اهتمامها بالمعرفة، ولا سيما بالكتابات التي تجمع سير العلماء وتراجمهم، وهو ما يعزز صورة امرأة لم تقتصر حياتها على موقعها الأسري داخل البلاط.

زواج ربط السياسة بالعائلة

تزوجت فاطمة من ابن عمها أبي سعيد فرج، الذي كان يتولى السلطة في مالقة، إحدى المدن المهمة في المملكة النصرية. ولم يكن الزواج مجرد ارتباط عائلي، بل أدى أيضاً وظيفة سياسية، إذ عزز صلة الحاكم المحلي بمحمد الثاني.

ماذا تعني كلمة الأندلس
غرناطة

وأنجبت فاطمة ولدين، أولهما إسماعيل، الذي أصبح لاحقاً السلطان إسماعيل الأول، ثم محمد. وخلال إقامتها في مالقة، ظلت على صلة بما يجري في غرناطة، خصوصاً بعدما دخلت الأسرة الحاكمة مرحلة من التنافس الحاد على الحكم.

كيف ساهمت في وصول ابنها إلى الحكم؟

بدأ دور فاطمة السياسي يظهر بوضوح بعد الإطاحة بأخيها السلطان محمد الثالث وسجنه سنة 1309 على يد أخيها غير الشقيق نصر، الذي تولى الحكم بعده.

وبحسب إعادة بناء الأحداث التي تقدمها الدراسة الأكاديمية، تعاونت فاطمة مع زوجها أبي سعيد فرج في وضع استراتيجية أنهت حكم نصر، مستفيدة من حالة الاستياء لدى قطاعات من المجتمع الغرناطي، إلى جانب دعم من المرينيين والقشتاليين.

وفي 14 فبراير/شباط 1314، دخل ابنها إسماعيل الأول غرناطة وأُعلن أميراً، منهياً حكم خاله نصر. ولم يكن هذا التحول مجرد انتقال للسلطة من أمير إلى آخر، بل مثّل أيضاً مرحلة مهمة في استمرار السلالة النصرية عبر فرعها المرتبط بفاطمة.

وتوضح الباحثة أن انتقال الحكم عبر هذا الفرع العائلي أتاح استمرار النسب الحاكم بعدما توفي محمد الثالث ونصر من دون أن يتركا ذرية تواصل خطهما المباشر. وهكذا أصبحت رابطة الأمومة والنسب التي جمعت فاطمة بأحفادها جزءاً مهماً من تاريخ انتقال السلطة في غرناطة.

نفوذ سياسي استمر بعد مقتل ابنها

لم ينته دور فاطمة بوصول ابنها إلى الحكم. فقد قُتل إسماعيل الأول سنة 1325 في حادثة اغتيال داخل المملكة، وخلفه ابنه محمد الرابع، الذي كان لا يزال في العاشرة من عمره.

في تلك الظروف، برز دور فاطمة في حماية حكم حفيدها القاصر، بالتعاون مع أحد القائمين على رعايته، رضوان. وتورد المصادر التي اعتمدت عليها الدراسة الأكاديمية رواية عن مقتل الوزير ابن المحروق سنة 1328، بعدما حاول الاستئثار بإدارة شؤون المملكة مستفيداً من صغر سن السلطان. وترتبط فاطمة بهذه الحادثة في الروايات التاريخية، لكن تفاصيل مسؤوليات الأطراف ينبغي فهمها في سياق ما نقلته المصادر الوسيطة، لا باعتبارها وقائع موثقة بمعايير التحقيق الحديث.

وفي عام 1333، قُتل محمد الرابع أيضاً، لتجد فاطمة نفسها مجدداً أمام تحدي حماية استمرار الحكم. وهذه المرة، انتقل العرش إلى حفيدها يوسف الأول، الذي اعتلى السلطة وهو في الخامسة عشرة من عمره. وتذهب الدراسة إلى أن خبرتها السياسية الطويلة جعلتها شخصية مؤثرة في السنوات الأولى من حكمه، أحد العهود التي تعد من الفترات المهمة في تاريخ الدولة النصرية.

الحمراء لم تكن فضاءً للرجال وحدهم

تطرح سيرة فاطمة سؤالاً أوسع بشأن موقع النساء في الحياة السياسية داخل قصر الحمراء. فعلى الرغم من أن المصادر العربية الوسيطة لا تقدم تفاصيل كاملة عن الأماكن التي عاشت فيها السلطانة أو عن كل نشاطاتها، فإن الروايات المتعلقة بمشاركتها في إدارة شؤون الحكم تشير إلى أن حدود الفضاء الخاص والفضاء السياسي لم تكن منفصلة تماماً.

وترجح الباحثة أن فاطمة قضت قسماً كبيراً من حياتها في الحمراء، مع انتقالها لفترة إلى مالقة عقب زواجها. كما تشير إلى احتمال مساهمتها بصورة غير مباشرة في البيئة السياسية التي شهدت مشاريع عمرانية داخل القصر في عهد يوسف الأول، ومنها قصر كوماريس، لكن هذه المشاركة تظل فرضية تاريخية وليست حقيقة محسومة بوثيقة مباشرة.

وبهذا المعنى، تساعد سيرة فاطمة على تصحيح تصور شائع يختزل دور النساء في الأسرة النصرية في الحياة الداخلية للقصر. فقد أتاح موقعها العائلي وثقافتها وخبرتها، في لحظات انتقال السلطة، المشاركة في قرارات كان لها أثر على مصير المملكة.

قصر الحمراء
قصر الحمراء

وفاة السلطانة التي وصفها ابن الخطيب بـ«جوهرة السلالة»

توفيت فاطمة بنت الأحمر في غرناطة يوم 26 فبراير/شباط 1349، بعد أن تجاوزت تسعين سنة قمرية بحسب الرواية التاريخية التي اعتمدت عليها الدراسة. ودُفنت في الروضة، المقبرة الملكية النصرية داخل الحمراء، بالقرب من والدها محمد الثاني وابنها إسماعيل الأول.

وحظيت جنازتها بتكريم رفيع، وألقى لسان الدين ابن الخطيب مرثية من واحد وأربعين بيتاً رثاها فيها وأشاد بمكانتها. ومن بين الأوصاف التي أوردها عنها تعبير «الجوهرة المركزية في عقد السلالة النصرية»، وهو التشبيه الذي اختارته الباحثة عنواناً لدراستها، في إشارة إلى الدور الذي أدته في ضمان استمرار العائلة الحاكمة عبر أجيال متعددة.

ولا تكمن أهمية فاطمة بنت الأحمر في كونها ابنة سلطان وأم سلطان وجدة سلاطين فحسب، بل في أنها كانت شخصية سياسية فاعلة في مرحلة اضطربت فيها قواعد الخلافة وتعرض فيها عدد من الحكام للخلع أو الاغتيال. ومن خلال دورها في تثبيت حكم ابنها ومساندة حفيديها، ارتبط اسمها باستمرارية الدولة النصرية وبمرحلة مهمة من تاريخ غرناطة الإسلامية.

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى