اشترك في قناتنا على الواتساب
انقر هنا
من عبق التاريخ

فرناندو الثاني ملك أراغون: من سقوط غرناطة إلى التنكيل بالمسلمين في الأندلس

عند الحديث عن نهاية الأندلس وسقوط غرناطة عام 1492، لا يمكن تجاهل اسم فرناندو الثاني ملك أراغون (1452–1516). فهو، إلى جانب زوجته إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة، عُرف بلقب الملكين الكاثوليكيين. لكن وراء هذا اللقب تختبئ واحدة من أكثر الحقبات مأساوية في تاريخ المسلمين واليهود بالأندلس. فبينما يُنظر إليه في الذاكرة الإسبانية الرسمية باعتباره “موحّد إسبانيا”، يُذكر في الذاكرة العربية والإسلامية كشخصية ارتبط اسمها بالقمع الديني، محاكم التفتيش، وسياسات التهجير والتنصير القسري.

نشأة فرناندو الثاني وصعوده إلى الحكم

ولد فرناندو الثاني في 10 مارس 1452 بمدينة سوس دل ري كاتوليكو في مملكة أراغون. نشأ في بيئة سياسية مضطربة، وشهد منذ طفولته صراعات على الحكم. هذا الجو صقل شخصيته وأكسبه دهاءً سياسيًا مكّنه لاحقًا من إدارة الممالك الإسبانية بقبضة حديدية.
عام 1469 تزوج من إيزابيلا الأولى في زواج سياسي هدفه توحيد المصالح بين أراغون وقشتالة، وكان هذا الزواج البداية الفعلية لمشروع بناء “إسبانيا الموحدة”.

سقوط غرناطة ونهاية الحكم الإسلامي

بعد سنوات من الحروب، وجّه فرناندو وإيزابيلا تركيزهما نحو مملكة غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس. قاد فرناندو حملات عسكرية متواصلة انتهت باستسلام السلطان أبو عبد الله الصغير وتسليم مفاتيح المدينة في 2 يناير 1492.
في البداية، وُقّعت معاهدة تضمن للمسلمين حرية العبادة وحماية ممتلكاتهم ولغتهم وثقافتهم. لكن سرعان ما أُهملت هذه الوعود، وبدأت سياسات الضغط والتنصير القسري، ليتحوّل سقوط غرناطة من حدث عسكري إلى بداية فصل طويل من التنكيل بالمجتمع المسلم.

إيزابيلا الأولى
إيزابيلا الأولى

التنصير القسري للمسلمين

لم تدم فترة السماح بحرية العبادة طويلًا. خلال سنوات قليلة، بدأت السلطات بفرض قيود صارمة على المسلمين:

  • منع ارتداء الزي التقليدي الأندلسي.
  • إجبار المسلمين على التخلي عن لغتهم العربية.
  • فرض الضرائب العقابية على من رفض التحول للمسيحية.
  • تشجيع الزواج المختلط للذوبان الثقافي.

تحت هذه الضغوط، اضطرت آلاف العائلات إلى إعلان اعتناق المسيحية ظاهرًا، وأطلق عليهم اسم الموريسكيين. لكن كثيرًا منهم حافظ على إسلامه سرًا، ما جعلهم عرضة لمحاكم التفتيش.

محاكم التفتيش ودور فرناندو الثاني

كان فرناندو وإيزابيلا وراء تأسيس محاكم التفتيش الإسبانية عام 1478، لكنها اشتدت وطأتها بعد سقوط غرناطة. هذه المحاكم استهدفت المسلمين واليهود وحتى الموريسكيين، للتحقق من “صدق” تحولهم للمسيحية.
التهم الموجهة كانت غالبًا:

  • أداء شعائر إسلامية أو يهودية سرًا.
  • الاحتفاظ بمخطوطات أو كتب بالعربية أو العبرية.
  • الامتناع عن أكل لحم الخنزير أو شرب الخمر.

العقوبات تراوحت بين الغرامات، مصادرة الممتلكات، السجن، وأحيانًا الإعدام حرقًا. هكذا تحولت إسبانيا في عهد فرناندو إلى دولة بوليسية دينية.

طرد اليهود وتأثيره على المسلمين

عام 1492 صدر مرسوم ملكي عرف بمرسوم الحمراء نص على طرد اليهود من إسبانيا. كان ذلك رسالة واضحة: “لا مكان لغير الكاثوليك”. ومع أن القرار استهدف اليهود مباشرة، إلا أنه مهّد لاحقًا لسياسات مشابهة ضد المسلمين.
المنطق الذي حكم القرار كان يقوم على فكرة أن التنوع الديني يهدد وحدة الدولة. وهكذا أصبح المسلمون هم الهدف التالي لسياسات فرناندو المتشددة.

مرسوم الحمراء Décret de l'Alhambra
مرسوم الحمراء Décret de l’Alhambra

دوافع فرناندو الثاني: سياسة أم عقيدة؟

يتساءل المؤرخون: هل كان فرناندو مدفوعًا بإيمان ديني متشدد أم براغماتية سياسية؟

  • من ناحية، أراد بناء دولة قوية متماسكة تحت سلطة الكاثوليكية.
  • من ناحية أخرى، استخدم الدين كأداة لتبرير السيطرة ومصادرة ممتلكات الأقليات.

مهما كان الدافع، فإن النتيجة كانت تطهيرًا ثقافيًا ودينيًا قضى على قرون من التعايش بين المسلمين والمسيحيين واليهود في الأندلس.

نتائج سياساته على المسلمين في الأندلس

  • انهيار الهوية الأندلسية: اللغة العربية والثقافة الإسلامية تراجعت حتى اختفت تقريبًا.
  • الهجرة القسرية: آلاف العائلات نزحت نحو شمال إفريقيا.
  • الموريسكيون: عاشوا كأقلية مضطهدة، مراقبة ومهددة بالطرد الدائم.
  • فقدان التراث: أحرقت مكتبات كاملة مثل مكتبة غرناطة، وضاع جزء كبير من العلوم والفنون الأندلسية.

إرث فرناندو الثاني في الذاكرة العربية والإسلامية

بينما يصفه التاريخ الإسباني الرسمي بأنه “موحّد إسبانيا” و”الملك الكاثوليكي”، إلا أن الذاكرة العربية والإسلامية تحفظ له وجهًا آخر: رمزًا لسقوط الأندلس ونهاية التعددية الدينية.
فرناندو الثاني لا يُذكر فقط كملك، بل كبداية لمرحلة مظلمة عاش فيها المسلمون الأندلسيون تحت القمع، الاضطهاد، وفقدان الأرض والهوية.

إن الحديث عن فرناندو الثاني ملك أراغون ليس مجرد استذكار لملكٍ أوروبي جمع بين السياسة والدين، بل هو استدعاء لمرحلة تاريخية حاسمة في ذاكرة العرب والمسلمين. ففي عهده طويت صفحة مشرقة من تاريخ الأندلس، وحلّ محلها عصر من القمع والتهجير وفقدان الهوية. وبينما يحتفي التاريخ الإسباني الرسمي به كموحّد لإسبانيا، يبقى في الوعي العربي والإسلامي رمزًا لانتهاء حضارة امتدت لثمانية قرون. إن دراسة شخصيته تذكير بضرورة توثيق المآسي جنبًا إلى جنب مع الانتصارات، حتى لا يُختزل التاريخ في رواية المنتصر فقط.

إسبانيا بالعربي.

أخبار جوجل نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *