اشترك في قناتنا على الواتساب
انقر هنا
من عبق التاريخ

هشام بن عبد الرحمن الداخل أمير الأندلس العادل الذي لا يعرفه الكثيرون

في عام 788م 172هـ، تراصت صفوف جيشين مسلمين في تحفز على مشارف مدينة جيان الأندلسية، الواقعة إلى الشرق من العاصمة قرطبة، وأصبحت المعركة حقيقة ماثلة، تنتظر إشارة البدء لا أكثر. لم تكن تلك هي المرة الأولى على أرض الأندلس الإسلامية التي يتصارع فيها جيشان مسلمان من أجل السلطة، لكن المختلف في تلك المرة هو من يقود الجيشين المتصارعين.

كان الجيش الأول هو جيش الدولة الأموية الأندلسية الرئيس، بقيادة الأمير الجديد للأندلس، هشام بن عبد الرحمن الداخل، الذي لم يمض على مبايعته بالإمارة بعد وفاة أبيه إلا أسابيع قليلة. أما الجيش الآخر، فكان قائده أخاه غير الشقيق سليمان بن عبد الرحمن، وكان يكنَّى أبا سليمان.

في ذلك اليوم، كان استقرار الأندلس صعب المنال على المحك، وبدا أن ثلاثة عقود أو أكثر قليلًا من جهود المؤسس الكبير عبد الرحمن الداخل توشك على الانفراط، وحبس أهل الأندلس أنفاسهم ينتظرون أي كفةٍ ستميل، لتميل معها أقدارهم في تلك الجزيرة المتخمة بالآمال والآلام، والمثخنة بهواجس الفناء.

مبايعة هشام بن عبد الرحمن الداخل بالإمارة

تذكر الروايات أن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الداخل، مؤسس الدولة الأموية الأندلسية الذي حمل واحدًا من أشهر الألقاب في التاريخ الإسلامي، وهو لقب صقر قريش، عندما أحس بدنو أجله، وبينما كان على فراش الاحتضار، جمع كبار مستشاريه، وأوصى مباشرة بها من بعده لابنه المقدم عنده وعند معظم الناس، وهو هشام، الذي ذاع صيته برجاحة العقل، والحزم، والجدية، وعدم الانصراف إلى اللهو والشراب، على عادة الكثير من نظرائه في الأندلس، وهو فوق ذلك ابن جاريته الأثيرة حلل، التي ظفرت بقلب الداخل، وعقله أحيانًا. وكان هشام لحظة اعتلائه لعرش قرطبة في سن الثالثة والثلاثين من عمره.

عبد الرحمن الداخل صقر قريش
تمثال عبد الرحمن الداخل في مدينة المنكّب الأندلسية

كما جرت العادة في الممالك التي يتوارثها الأمراء من أسرةٍ واحدة، تشهد فترات الانتقال صداماتٍ كبيرة، قد تتحول إلى حروبٍ أهلية، نتيجة التنازع بين الطامحين من أفراد الأسرة الملكية على الاستحواذ على العرش. وقديمًا قالت العرب المُلك عقيم، تعبيرًا عن جشع السلطة الذي يذهب بروابط الأخوة والدم. لم يرض سليمان بن عبد الرحمن بانتقال الإمارة إلى أخيه هشام، وكان يرى نفسه الأحق بها لكونه الأكبر سنًّا، وكان سليمان آنذاك أميرًا على ولاية كبرى، هي ولاية طليطلة، العاصمة القديمة للأندلس.

رغم مبايعة العامة والخاصة في العاصمة قرطبة لهشامٍ بمجرد وصوله في أيامٍ قليلة من مدينة ماردة التي كان بها عندما مات أبوه، فإن سليمان لم يستسلم وقرر التمرد ومحاربة أخيه، وحشد الآلاف من الجنود من طليلطة وجوارها، واتجه فورًا لغزو قرطبة، لانتزاع العرش من أخيه.

رغم ما اشتهر به هشام من الرفق، والحنكة، وحسن السياسة، فإنه لم يتردد لوهلةٍ في مواجهة أولى التحديات الكبرى في عصر إمارته، فنهض على الفور بجيشه من قرطبة، مستفيدًا من شعبيته الجارفة، ومن البيعة التي أصبحت في أعناق أهل العاصمة وغيرها له، والتي عدها أيضًا مسؤولية كبرى تحتم عليه أن يواجه السيف بالسيف دفاعًا عن قرار الناس بدعمه. وزادت خطورة هذا التحدي عندما فر أخوه الثالث عبد الله، الشهير بالبلنسي، ليلحق بسليمان في طليطلة، متمردًا هو الآخر، رغم محاولات هشام الحثيثة لاسترضائه لئلا يشق عصا طاعته.

تصادم جيشا الإخوة، في مدينة جيان، وانتصر جيش هشام عليهما وفر الأخوان. لكن روايات أخرى تذكر أن سليمان لم يحارب أخاه في ساحة المعركة، إنما تسلل إلى قرطبة، وحاول تأليب الجند والعامة على هشام للانضمام إليه، ففشل، وفر من قرطبة، ليجد جيش هشامٍ وقد حاصر طليطلة، قاعدة سيطرته، فحاول الفرار إلى ماردة، فمنعه واليها المبايع لهشام، ففر إلى شرق الأندلس معتصمًا بجبال مرسية.

أما عبد الله، فما لبث أن عاد إلى قرطبة، وطلب الصفح من هشام، فقُبل منه. لكن هشامًا لم يكتف بتفرقة الناس من حول سليمان، إنما أرسل أحد أبنائه بقطعةٍ من الجيش ليطارد عمه سليمان، فضيق الخناق عليه، حتى اضطر بعد أشهرٍ إلى طلب الصفح من هشام، فوافق الأخير بشرط أن يرحل سليمان إلى بلاد المغرب، ففعل ذلك سليمان عام 790م 174هـ، بعد أن حصل على نصيبه من تركة أبيه، وتجاوز 60 ألف دينار، ولحق به إلى المغرب أخوه عبد الله الذي تمرد معه في البداية.

لن تنتهي قصة سليمان عند هذا الحد، لكنه سيلزم السكون ما بقي من فترة هشام، ليعود إلى التمرد ثانيةً مع تولي الحكم بن هشام بعد أبيه عام 796م 180هـ، لينتصر عليه الحكم بعد سنوات، لكنه لن يكون بمثل نبل أبيه، وسيقتل عمه المتمرد. تجربة الصدام مع أخويه لم تكن هي نهاية فصل المُلك العقيم في حياة هشام؛ إذ علم بعد حينٍ أن ابنه عبد الملك يتآمر للانقلاب عليه، فأمر بالقبض عليه، وزج به في السجن لسنواتٍ، ولم يخرج منه في حياة أبيه.

كانت ثورة الأخوين واحدة من التحديات الداخلية الأخرى التي واجهت حكم هشام، إذ تمرد أحد قادة العرب اليمنية في مدينة طرطوشة شمالي شرق الأندلس، وخرج متمردٌ آخر اسمه مطروح بن سليمان في برشلونة، ثم استولى على سرقسطة عاصمة الثغر الأعلى للأندلس.

أرسل هشام جيشًا كبيرًا نجح في الاستيلاء أولًا على طرطوشة، ثم حاصر سرقسطة حصارًا شديدًا، حتى تضرر أهلها الذين لم يكن لأكثرهم ناقة ولا جمل في هذا العصيان. لكن الخيانة ما لبثت أن وقعت في معسكر المتمرد مطروح، فقتله أحد قادته، وأرسل رأسه لقائد جيش الأمير هشام، وبذلك انتهى التمرد الشمالي الكبير، لكن قصة الشمال مع هشام لم تنته، فهناك عدوٌ آخر أكثر خطورة يتربص بالأندلس من ذلك الاتجاه، وسيكون له جولاتٌ مع هذا الأمير المحارب.

إصلاحات وإنجازات هشام بن عبد الرحمن في الأندلس

يحكي المؤرخ والأديب الأندلسي ابن عبد ربه في كتابه الشهير العقد الفريد، مادحًا هشام الرضا بن عبد الرحمن الداخل: [كان أحسن الناس وجهًا، وأشرفهم نفسًا، الكامل المروءة، الحاكم بالكتاب والسنة، الذي أخذ الزكاة على حلها، ووضعها في حقها، لم يعرف عنه هفوة في حداثته، ولا زلة في أيام صباه]

رغم التمردات الكبيرة، لم تتغير سياسة هشام الداخلية لتدفعه لإرسال قبضة البطش والقمع على عامة الأندلسيين؛ إذ كان له مع الرعية وجهٌ مغاير لذلك الوجه العبوس الذي يصوبه في وجوه المتمردين والعصاة وقلوبهم.

على قصر فترة إمارته نسبيًّا، التي لم تتجاوز ثماني سنوات، ترك هشام الرضا – اشتهر بهذا اللقب تاريخيًّا لرضا والده والرعية عنه – بصمة بارزة في التاريخ الأندلسي خاصة، والتاريخ الإسلامي بوجهٍ عام، وأصبح من النماذج التي لا يختلف الكثيرون على الإعجاب بسيرتها في الحكم. ولذا لم يكن مُستغرَبًا تشبيهه بعمر بن عبد العزيز، أحد أبرز رموز العدل في التاريخ السياسي الإسلامي.

أحسن هشام في توزيع الأموال، فأخذ من الأغنياء للفقراء، وكسر عادة الأمراء والخلفاء الأمويين في تعيين الحُجَّاب لعزلهم عن عوام الناس، فكان هشام يختلط بعامة الناس، لا سيما في قرطبة، ليسمع منهم شكاياتهم مباشرة دون وسيط. كما كان من عادته حضور الجنازات للعامة وللخاصة، وكذلك عيادة المرضى، ما وجد لها وقتًا.

كما كان يرسل الثقات من مساعديه إلى كافة الأنحاء، لمراقبة ما يفعله ولاته على المناطق البعيدة، فإذا وصلت إليه التقارير عن مظالم من هذا أو ذاك من هؤلاء الولاة، عزله على الفور، وعاقبه على قدر الجرم الواقع.

أما فيما يخص حركة العمران، فقد أكمل هشام بناء جامع قرطبة الكبير، ذلك البناء العظيم الذي بدأه أبوه الداخل في قلب العاصمة قرطبة، ليكون رمزًا عظيمًا لهيبة الإسلام في تلك البقعة البعيدة، وليكون جامعةً لتدريس علوم الإسلام والحياة.

مسجد قرطبة، جامع قرطبة
جامع قرطبة الكبير

ويذكر أن هشامًا قد استخدم في توسيع الجامع وتزيينه حجارةً وزخارفَ استولى عليها جيشه في إحدى غزواته الظافرة في أقصى الشمال، وأجبر الأسرى المسيحيين على حملها كل تلك المسافة حتى قرطبة. وأصبحت عادة لحكام الأندلس من بعد هشام من توجيه عناية خاصة لترميم هذا الجامع الكبير وتحسينه وتوسيعه، والذي ما زال شاهدًا إلى اليوم على عظمة الحضارة الإسلامية الأندلسية، رغم ما اعتراه بعد تحويله إلى كنيسة عندما سقطت قرطبة عام 1236م 633هـ في قبضة الإسبان.

كما وجه هشام البنائين لإصلاح قنطرة قرطبة العظيمة التي بناها أمير الأندلس في خلافة عمر بن عبد العزيز، السمح بن مالك، وكانت قد تضررت كثيرًا بفعل السيل، فرفع حرجًا كبيرًا عن الآلاف من سكانها.

قنطرة قرطبة
قنطرة قرطبة

ورغم حركة العمران الدؤوبة في عصره، فلم يسجل في تاريخه الاهتمام ببناء قصرٍ باذخٍ لنفسه على عادة سابقيه ومعاصريه من خلفاء المشرق والمغرب وأمرائهم، إنما ركز في عمرانه على المنشآت العامة، والحدائق الدانية المتاحة لكل من تدب قدميه على أرض الأندلس.

وفي ترجمةٍ عمليةٍ لما اشتهر به من التدين، والحرص على نشر الإسلام وتعزيزه في الأندلس، فإنه كان يشجع بكافة الطرق على تعليم اللغة العربية، جسرًا لتعلم القرآن وعلوم الدين الإسلامي، بل تذكر بعض المصادر أن الاهتمام بالعربية بلغ بهشام إلى حد الأمر بتدريسها في الكنائس وفي المعابد اليهودية بوصفها – بالاصطلاح الحديث – اللغة الرسمية للأندلس.

كذلك كان هشام يوزع أموالًا طائلة على من يُصلُّون الفجر في مساجد قرطبة، لا سيما في الليالي الممطرة والمظلمة، لتحفيز الناس على تعمير المساجد بروادها. كما اشتهر بتقريب العلماء، لا سيما من معتنقي المذهب المالكي، ومن أشهرهم يحيى بن يحيى الليثي، وكان لا يقطع في أي شأنٍ كبيرٍ دون الرجوع إلى فتاويهم وآرائهم، وأسهم هذا في انتشار المذهب المالكي في الأندلس. كما لم يدخر الأمير هشام أية أموال أو جهد في سبيل تحرير كافة أسرى المسلمين لدى الممالك المسيحية في الشمال، وتنقل المصادر التاريخية أنه لم يترك أسيرًا مسلمًا واحدًا هناك.

غزوات هشام بن عبد الرحمن الداخل ونهاية حكمه

أعاد هشام بن عبد الرحمن الداخل حالة الاستقرار في الأندلس في السنوات الثلاثة الأولى من حكمه، بالسياسة تارة وبالحديد والنار تارةً أخرى، واحتقنت خزائن الأندلس بأموال وفيرة من جراء سياساته المالية الرشيدة، فاستطاع هشامٍ بن عبد الرحمن أن يجهز جيوشًا قوية لردع الدويلات المسيحية في شمال الأندلس، والتي بدأت تمد سيطرتها جنوبًا بالتدريج مهددةً الثغور الشمالية للأندلس الإسلامية، ومستغلةً انشغال الأندلسيين لفتراتٍ طويلة بالصراعات الداخلية العبثية على السلطة.

175هـ، أرسل هشام جيشًا كبيرًا قوامه 40 ألف مقاتل، ليجتاح عمق الدويلات المسيحية في شمال الأندلس، وشمالها الغربي، لا سيما قشتالة القديمة، وجليقية، فأثخن جيشه في تلك البقاع البعيدة، وعاد محمَّلًا بغنائم لا حصر لها.

وفي العام التالي، 792م 176هـ، أرسل هشام جيشًا كبيرًا إلى أقصى الشمال الشرقي للأندلس، ليعبر جبال البرينيه لأول مرة متوغلًا في أقصى جنوب فرنسا؛ وذلك لإرهاب الفرنجة الذين كانوا يطمعون في غزو الشمال الشرقي للأندلس المحاذي لأرضهم. لكن هشامًا شُغل في العامين التاليين بتمردٍ كبيرٍ للبربر في منطقة رندة، ولا تذكر المصادر التاريخية تفاصيل كثيرة عن أسبابه، لكنها تذكر أن جيشه قمع البربر المتمردين بشدةٍ، وفرقهم بعدها في أنحاء الأندلس لكي لا تجتمع لهم راية مرة أخرى إلا بعد حين.

عام 795م 179هـ، عادت جيوش الأندلس للغزو شمالًا، فاخترقت أقاصي جليقية، التي تحتل الركن الشمالي الغربي من الجزيرة، لتدور معارك عديدة مع الجيوش المحلية هناك، كانت فيها الحرب سجالًا بين الطرفين، لكن بعد أسابيع مالت الكفة قليلًا للأندلسيين، واضطر معظم الجلالقة للاعتصام بالجبال الشاهقة، حتى عاد الجيش الأندلسي إلى الجنوب متخمًا بالغنائم والسبي.

كانت غزوة جليقية هي الأخيرة في فترة حكم هشام بن بن عبد الرحمن الداخل، إذ ما لبث أن توفي في شهر صفر من العام التالي 796م 180هـ، وهو في الأربعين من عمره.

المصادر:

دولة الإسلام في الأندلس، د.محمد عبد الله عنان.
البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب، ابن عذارى المراكشي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *