مصنع صيني يوفر 2300 وظيفة في إسبانيا يثير مخاوف التجسس قرب قاعدة عسكرية حساسة
أثار مشروع إنشاء مصنع صيني ضخم للسيارات الكهربائية في مدينة فيرول شمال غرب إسبانيا حالة من القلق داخل وزارة الدفاع ومركز الاستخبارات الوطني الإسباني، بسبب قربه من منشآت عسكرية وبحرية شديدة الحساسية.
ويتعلق الأمر بأول مصنع أوروبي تعتزم مجموعة SAIC Motor الصينية، المالكة للعلامة التجارية MG، إقامته في إقليم غاليسيا، باستثمار أولي يقارب 200 مليون يورو، مع توقعات بتوفير نحو 2300 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
لكن الموقع الذي اختارته الشركة الصينية أشعل النقاش حول مخاطر التجسس والأمن القومي، رغم المكاسب الاقتصادية الكبيرة التي تنتظرها المنطقة.
لماذا يثير المصنع الصيني مخاوف إسبانيا؟
تعتزم شركة SAIC إقامة المصنع داخل الميناء الخارجي لمدينة فيرول في مقاطعة لاكورونيا، على مسافة تقارب خمسة كيلومترات فقط من القاعدة البحرية العسكرية وترسانة فيرول وأحواض بناء السفن التابعة لشركة Navantia الإسبانية.
وتعمل هذه المنشآت على بناء وصيانة سفن حربية متطورة، من بينها فرقاطات تستخدم أنظمة وتكنولوجيا عسكرية أمريكية حساسة.
ووفقاً للمعلومات التي نشرتها صحيفة «إلموندو» وتناقلتها وسائل إعلام إسبانية أخرى، حذرت تقارير صادرة عن وزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات من احتمال وجود مخاطر مرتبطة بالتجسس بسبب موقع المصنع الصيني.
ويعود جانب من هذه المخاوف إلى أن مجموعة SAIC ليست مجرد شركة سيارات خاصة، بل هي شركة مملوكة للدولة الصينية، ما يدفع السلطات الإسبانية إلى التدقيق في المشروع قبل السماح بتنفيذه.
لماذا اختارت الشركة الصينية مدينة فيرول؟
كان أمام الشركة عدد من المواقع البديلة لإقامة مصنعها، من بينها مناطق في فيغو ومدن ساحلية أخرى لا توجد بالقرب منها منشآت عسكرية بالحساسية نفسها.
لكن SAIC فضلت الميناء الخارجي لفيرول، وهو اختيار أثار تساؤلات لدى بعض المسؤولين والخبراء، نظراً إلى إمكانية مراقبة جانب من الحركة البحرية والأنشطة العسكرية من المناطق المحيطة.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن اتهامات رسمية تثبت أن الشركة تعتزم القيام بأعمال تجسس. وتبقى المخاوف المطروحة جزءاً من عملية تقييم المخاطر التي تسبق الموافقة على الاستثمارات الأجنبية المرتبطة بقطاعات أو مناطق استراتيجية.

2300 فرصة عمل واستثمار بقيمة 200 مليون يورو
يمثل المصنع الصيني واحداً من أكبر المشاريع الصناعية الدولية التي شهدها إقليم غاليسيا خلال العقود الأخيرة.
وبحسب حكومة غاليسيا، تصل قيمة الاستثمار الأولي إلى حوالي 200 مليون يورو، ويتوقع أن يوفر المشروع:
- 1000 فرصة عمل مباشرة داخل مصنع فيرول.
- قرابة 1000 وظيفة غير مباشرة في الخدمات وسلسلة التوريد والنقل.
- حوالي 300 فرصة عمل إضافية في المركز الصناعي واللوجستي المزمع إنشاؤه في بلدة أس بونتيس.
ومن بين الوظائف المنتظرة توجد فرص للمهندسين وعمال تركيب السيارات وموظفي الخدمات اللوجستية وعمال الموانئ وسائقي الشاحنات، إضافة إلى العاملين في الشركات التي ستزود المصنع بالمكونات.
وتشير الخطة إلى بدء أعمال البناء خلال عام 2027، على أن يدخل المصنع مرحلة التشغيل قبل نهاية عام 2028.
وبعد إتمام مرحلتي المشروع، قد تبلغ قدرته الإنتاجية حوالي 120 ألف سيارة سنوياً.
رئيس غاليسيا ينتقد إثارة المخاوف في هذا التوقيت
أبدى رئيس حكومة غاليسيا، ألفونسو رويدا، استغرابه من ظهور التحذيرات المتعلقة بالأمن القومي في هذه المرحلة، مؤكداً أن حكومته والحكومة المركزية عملتا منذ أشهر من أجل جذب المشروع إلى إسبانيا.
ووصف المعلومات المتعلقة بتقارير الدفاع والاستخبارات بأنها «مفاجئة» و«صعبة الفهم»، موضحاً أن حكومة غاليسيا لم تتلقَّ سابقاً أي تحذير رسمي يتعلق بمخاطر عسكرية أو أمنية.
وطالب رويدا الحكومة الإسبانية بالتوفيق بين حماية الأمن القومي والاستفادة من «الفرصة التاريخية» التي يمثلها المصنع لسكان فيرول وغاليسيا.
كما شدد على أن تقييم مخاطر الأمن القومي ليس من اختصاص الحكومة الإقليمية، وإنما يعود إلى الحكومة المركزية وأجهزة الدولة المختصة.

الحكومة الإسبانية تدافع عن المشروع
من جانبه، دافع وزير التحول الرقمي والوظيفة العامة، أوسكار لوبيز، عن إنشاء المصنع الصيني، معرباً عن ثقته في إمكانية تنفيذ الاستثمار مع ضمان احترام متطلبات الأمن القومي.
وقال لوبيز إن جميع الاستثمارات الأجنبية بهذا الحجم تخضع للدراسة، وقد تفرض عليها الحكومة مجموعة من الشروط أو التوصيات الاقتصادية والأمنية لضمان إمكانية تنفيذها بأمان.
وأضاف أن المشروع يمثل استثماراً صناعياً مهماً لإسبانيا، مؤكداً أن السلطات ستأخذ في الاعتبار الجوانب الاقتصادية وتوفير الوظائف والمصلحة الصناعية، إلى جانب اعتبارات الأمن القومي.
ونفى الوزير، في الوقت الحالي، أن تكون الحكومة قد قررت رفض المصنع بسبب المخاوف الأمنية، لكنه أشار إلى أن جميع الآثار المترتبة على المشروع ما زالت قيد الدراسة.
المصنع يحتاج إلى موافقة مجلس الوزراء
لا تستطيع الشركة الصينية بدء المشروع بصورة نهائية بمجرد الحصول على دعم حكومة غاليسيا.
ونظراً إلى أن SAIC شركة من خارج الاتحاد الأوروبي، فإن الاستثمار يحتاج إلى ترخيص خاص بالاستثمار الأجنبي المباشر، ويجب أن يحصل على موافقة مجلس الوزراء الإسباني.
ويمكن للحكومة الموافقة عليه كما هو، أو فرض شروط أمنية إضافية، أو طلب تعديل بعض جوانبه، أو رفضه إذا خلصت التقارير إلى وجود خطر لا يمكن احتواؤه على الأمن القومي.
كما تحتاج الشركة إلى الحصول على امتياز استخدام الأراضي داخل الميناء الخارجي لفيرول، إضافة إلى التراخيص الصناعية والبيئية اللازمة.

بين الوظائف والأمن القومي
تواجه الحكومة الإسبانية في هذا الملف قراراً معقداً: فمن جهة، يوفر المصنع الصيني استثماراً بقيمة 200 مليون يورو وآلاف الوظائف في منطقة عانت خلال السنوات الماضية من تراجع النشاط الصناعي؛ ومن جهة أخرى، يقع المشروع بالقرب من منشآت عسكرية تستخدم تكنولوجيا حساسة وتؤدي دوراً مهماً في قطاع الدفاع الإسباني.
ولا يعني وجود تقارير تحذر من التجسس أن المشروع سيتوقف حتماً، بل قد يؤدي ذلك إلى فرض قيود تتعلق بموقع المنشآت أو حركة العاملين أو أنظمة الاتصال والمراقبة وحماية المعلومات العسكرية.
ويبقى القرار النهائي في يد الحكومة الإسبانية، التي يتعين عليها الموازنة بين جذب الاستثمار الأجنبي وحماية المنشآت الاستراتيجية للبلاد.
هل تعتقد أن إسبانيا يجب أن توافق على المصنع الصيني مقابل توفير 2300 وظيفة، أم أن قربه من القاعدة العسكرية يشكل خطراً لا ينبغي تجاهله؟ شاركنا رأيك في التعليقات.
إسبانيا بالعربي.

