العودة إلى العمل بعد العطلة.. كيف تحمي نفسك من المخاطر النفسية والاجتماعية؟
مع عودة الموظفين إلى أعمالهم بعد فترة العطلة، قد لا يكون الإرهاق أو القلق مرتبطاً فقط بما يُعرف بـ«متلازمة ما بعد العطلة»، بل يمكن أن تكون ظروف تنظيم العمل نفسها عاملاً في زيادة الضغط النفسي. ووفقاً لخبراء في الوقاية من مخاطر العمل، فإن العودة إلى الروتين المهني ينبغي التعامل معها باعتبارها مرحلة انتقالية تتطلب تخطيطاً مناسباً من الشركات وأقسام الوقاية المهنية.
وتناول برنامج Madrid Trabaja التابع لتلفزيون وراديو مدريد هذا الموضوع في 7 سبتمبر/أيلول 2026، ضمن مساحة تعاون مع المعهد الإقليمي للسلامة والصحة في العمل (IRSST)، حيث تحدثت عالمة النفس إلينا غارسيا مورييل، من فريق التدخل في شركة Affor Health، عن المخاطر النفسية والاجتماعية المرتبطة بالعودة إلى العمل بعد العطلات. وقد جرى تحديث المادة المنشورة على موقع Telemadrid في 21 سبتمبر/أيلول.
المشكلة لا تقتصر على «متلازمة ما بعد العطلة»
بحسب الخبيرة التي استضافها البرنامج، لا ينبغي اختزال الشعور بالتوتر أو عدم الارتياح عند العودة إلى العمل في مجرد «متلازمة ما بعد العطلة». فقد تتزامن العودة مع تراكم المهام، وضيق المواعيد النهائية، ورسائل أو اجتماعات متراكمة، إضافة إلى مشكلات أو خلافات كانت موجودة قبل فترة الإجازة.
وتشير هذه العوامل إلى أن مصدر الضغط قد يكون مرتبطاً بطريقة تنظيم العمل نفسها، وليس فقط بقدرة الموظف الفردية على التكيف مع انتهاء العطلة.
وهذا يتوافق مع المعايير الفنية التي ينشرها المعهد الوطني للسلامة والصحة في العمل (INSST)، الذي يوضح أن المخاطر النفسية والاجتماعية تشمل ظروفاً مرتبطة بتنظيم العمل ومحتواه والعلاقات داخل بيئة العمل، ويمكن أن تؤثر في صحة العامل ورفاهه وفي طريقة أداء العمل.

تراكم المهام وضغط المواعيد من عوامل الخطر
توضح إرشادات INSST أن حجم العمل وإيقاعه من أبرز العوامل التي ينبغي تقييمها، خصوصاً عندما تكون كمية المهام مرتفعة، أو تكون وتيرة العمل سريعة، أو تكون المواعيد النهائية صارمة وغير ملائمة، أو عندما يضطر الموظف إلى أداء عدة مهام في الوقت نفسه. كما يمكن أن تزيد المعلومات غير الكافية أو الانقطاعات المتكررة من صعوبة أداء العمل.
وتشمل المخاطر النفسية والاجتماعية أيضاً بعض أنماط تنظيم الوقت، مثل ساعات العمل الطويلة، وعدم انتظام الجداول، وعدم كفاية فترات الراحة، والعمل في عطلات نهاية الأسبوع أو استمرار التواصل المهني خارج ساعات العمل.
لذلك، فإن مرحلة العودة من العطلة قد تصبح أكثر صعوبة عندما يجد الموظف نفسه أمام عدد كبير من المهام المتراكمة، أو مواعيد عاجلة، أو أهداف غير واضحة، من دون وقت كافٍ لترتيب الأولويات.
ما الذي يمكن للشركات فعله عند عودة الموظفين؟
من بين التوصيات التي أوردتها Telemadrid اعتماد بروتوكولات استقبال وعودة واضحة تساعد الموظفين على معرفة الأولويات، وتجنب تحميل اليوم الأول بعد العطلة بعدد مفرط من الاجتماعات أو الرسائل المتراكمة. كما شددت الخبيرة على أهمية توفير بيئة يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الذي يسمح لهم بالتعبير عن الصعوبات وطلب المساعدة أو طرح الأسئلة المتعلقة بالعمل من دون الخوف من الحكم عليهم أو التعرض لعواقب مهنية.
ولا تقتصر الوقاية، وفق المعايير الرسمية الإسبانية، على تقديم نصائح فردية للموظفين؛ إذ يؤكد INSST أن تقييم المخاطر النفسية والاجتماعية يجب أن يبحث عن مصادر المشكلة في ظروف وتنظيم العمل، بهدف تحديد عوامل الخطر واتخاذ إجراءات لتجنبها أو الحد منها أو السيطرة عليها.
ومن الإجراءات التي تتوافق مع الإرشادات الفنية الرسمية: التخطيط الواقعي لتوزيع المهام، تحقيق توازن بين حجم العمل والوقت المتاح، توضيح الأهداف والمسؤوليات، تحديد أولويات واضحة عند ظهور مهام طارئة، وتعزيز العمل الجماعي والدعم المتاح للموظفين.
تقييم المخاطر النفسية والاجتماعية مسؤولية وقائية داخل بيئة العمل
وتنص المادة 16 من قانون الوقاية من مخاطر العمل الإسباني على أن الوقاية داخل الشركة تُخطط انطلاقاً من تقييم أولي للمخاطر التي يمكن أن تمس سلامة وصحة العاملين، مع تحديث هذا التقييم عندما تتغير ظروف العمل أو عند ظهور أضرار صحية تستدعي المراجعة.
ويؤكد INSST أن تقييم المخاطر النفسية والاجتماعية جزء من عملية الوقاية العامة، وأن التقييم ينبغي أن يتضمن تحديد عوامل الخطر وتحليل أسبابها وتقييم مستوى الخطر ثم إعداد الإجراءات المناسبة لتجنبها أو تقليلها أو السيطرة عليها.
كما يوفر المعهد أداة FPSICO 4.1 لتقييم عوامل المخاطر النفسية والاجتماعية، وهي أداة تقنية مخصصة لمساعدة الجهات المختصة في تحديد هذه العوامل وتقييمها.
العودة الصحية إلى العمل لا تعتمد على الموظف وحده
وتبرز هذه المعطيات أن التعامل مع الضغط المصاحب للعودة من العطلة لا ينبغي أن يتحول إلى مسؤولية فردية يتحملها العامل وحده. فطريقة توزيع المهام، وضوح الأولويات، حجم العمل، المواعيد، أوقات الراحة، مستوى الاستقلالية والدعم داخل المؤسسة كلها عناصر تدخل في تقييم المخاطر النفسية والاجتماعية في مكان العمل.
وبالتالي، فإن العودة التدريجية والمنظمة، إلى جانب تقييم ظروف العمل واتخاذ إجراءات وقائية عند الحاجة، يمكن أن تساعد المؤسسات على التعامل مع هذه المرحلة باعتبارها جزءاً من إدارة السلامة والصحة المهنية، وليس مجرد فترة مؤقتة يتحمل فيها الموظف وحده آثار الانتقال من العطلة إلى العمل.
إسبانيا بالعربي.

