بعد 500 عام خلف جدار منزل في إسبانيا.. العثور على مصحف أندلسي

بعد أن ظلّ مخبأً داخل جدار أحد المنازل في جنوب إسبانيا لقرابة خمسة قرون، خرج مخطوط قرآني أندلسي نادر إلى النور، ليكشف جانبًا من تاريخ الوجود الإسلامي في المنطقة. وعُثر على المصحف، إلى جانب مخطوطين عربيين آخرين، عام 2003 أثناء أعمال ترميم منزل في بلدة كوتار بمقاطعة مالقة، قبل أن يخضع لعملية ترميم دقيقة استغرقت عامًا كاملًا.
لحظة اكتشاف المصحف
في 28 يونيو/حزيران 2003، اتخذت أعمال ترميم منزل في بلدة كوتار منعطفًا غير متوقع. فبينما كان عامل بناء يهدم أحد الجدران، عثر على ثلاثة مخطوطات عربية مخبأة داخل تجويف هوائي في أحد أجزاء المنزل.
وكانت المفاجأة الأبرز بين هذه المخطوطات مصحف من 153 صفحة، يُرجح أن يعود إلى الفترة الممتدة بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر. وقد ساعد المكان الذي ظل فيه المصحف طوال تلك السنوات على بقائه محفوظًا، رغم مرور قرون طويلة على كتابته.
وقالت إستير كروثيس، مديرة الأرشيف التاريخي الإقليمي، خلال تقديم أعمال ترميم المخطوطات الثلاثة، إن المصحف تمكن من الصمود طوال هذه الفترة في ظروف استثنائية، واصفة ذلك بأنه تحدٍّ «لقوانين الفيزياء والكيمياء».
مصحف أندلسي نادر
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أن المخطوط يُعد، وفق ما ذكرته مسؤولة الأرشيف آنذاك، المصحف الأندلسي الوحيد المحفوظ في إسبانيا، بينما توجد غالبية المصاحف الأندلسية الأخرى في مؤسسات ومكتبات خارج البلاد، من بينها باريس ولندن والقاهرة وفاس.
ولم يكن المصحف هو المخطوط العربي الوحيد الذي عُثر عليه داخل المنزل، إذ شملت المجموعة أيضًا مخطوطًا فقهيًا من 170 صفحة، ومخطوطًا متنوعًا من 133 صفحة، يضم مواد دينية وتفسيرات، إلى جانب نصوص مرتبطة بالسحر والميراث وعقود الزواج، فضلًا عن قصائد ووثائق تتعلق بولاية قمارس الإسلامية، التي كانت تشمل أجزاء من منطقة أكساركية الحالية.
عام كامل من الترميم
استغرق فريق الترميم التابع للأرشيف نحو عام كامل للعمل على المخطوطات الثلاثة، في محاولة لإنقاذها من آثار الزمن والرطوبة والأوساخ.
وكان المصحف قد اكتملت عملية ترميمه، مع بقائه في انتظار التجليد، بينما خضع المخطوطان الآخران بدورهما لأعمال دقيقة للحفاظ على محتوياتهما.
وبلغت تكلفة المشروع نحو 40,637 يورو، بتمويل من نسبة 1% المخصصة للتراث الثقافي ضمن مشاريع وزارة الأشغال العامة. وأوضحت كروثيس أن المشروع كان أول حالة في إسبانيا يُخصص فيها هذا النوع من التمويل لترميم التراث الوثائقي.
وجاءت عملية الترميم في إطار اتفاقية وُقعت في مايو/أيار 2007، وأتاحت إطلاق المشروع الذي وصفته كروثيس بأنه عملية «معقدة».
ترميم يدوي لمخطوطات شديدة الحساسية
أُجريت أعمال الترميم على يد المرممتين سونسوليس غونثاليث وبيلين بلازا، تحت الإشراف الفني لتيريزا إسبخو، المتخصصة في ترميم الوثائق وأستاذة في جامعة غرناطة.
واعتمد الفريق أساليب دقيقة شبيهة بتلك المستخدمة في التعامل مع القطع الأثرية، خصوصًا أن المخطوطات كانت مصنوعة من مواد شديدة الحساسية، مثل الورق والرق و«الدّيتِلا»، وهي مادة أكثر هشاشة من الرق.
ولهذا السبب، جرت عملية الترميم يدويًا بالكامل ومن دون استخدام الآلات.
ووصف فرانسيسكو لوبيث، مندوب الثقافة في مالقة التابع لحكومة إقليم الأندلس، عملية إنقاذ المخطوطات بأنها «معجزة صغيرة».
الرطوبة كانت أحد أكبر أعداء المصحف
كان الحفاظ على المخطوطات يتطلب التحكم بدقة في درجة الحرارة والرطوبة. وقالت إحدى المتخصصات في الترميم إن الوثائق «تتصرف مثل الأشخاص»، موضحة أن الانتقال المفاجئ من البرد إلى الحرارة يمكن أن يتسبب في تلفها.
ولهذا كان أول إجراء لحماية المصحف وضعه داخل درج مكيّف يمتص الرطوبة ويحافظ على درجة حرارة تتراوح بين 18 و20 درجة مئوية.
وكانت الصفحة الأولى من المصحف من أكثر الأجزاء التي تطلبت جهدًا خلال عملية الترميم، بحسب سونسوليس غونثاليث.
كما عانت المخطوطات من غياب التجليد، وتراكم الأوساخ، خصوصًا بقايا الطين والرمال، إضافة إلى آثار الرطوبة. وأدت الرطوبة إلى ظهور تجاعيد على صفحات الرق، نظرًا إلى قدرة هذه المادة على امتصاص كميات كبيرة من الرطوبة.
في المقابل، كانت الكتابة والأحبار في حالة حفظ جيدة نسبيًا، وإن كانت بحاجة إلى بعض أعمال المعالجة. وأوضحت المرممة أن مادة الأزوريت المستخدمة في أحد الأحبار تعرضت لأكسدة النحاس، فتحولت إلى مادة الملاكيت، ما أدى إلى تغير لونها إلى الأخضر.
من مخبأ داخل منزل إلى قطعة من التراث الأندلسي
لم يتوقف الاهتمام بالمصحف عند عملية ترميمه، إذ سعت بلدية كوتار إلى ربط هذا الاكتشاف بتاريخ البلدة وتراثها الإسلامي.
وأعلن عمدة كوتار، فرانسيسكو خافيير رويث، آنذاك أن البلدية تعمل على إنشاء متحف من العصور الوسطى يتمحور حول شخصية «المونفي» (Monfí)، وهي كلمة أندلسية كانت تُطلق على الشخص المطرود أو الخارج عن القانون.
وكانت الخطة تقضي بفتح المتحف أمام الجمهور عام 2009، مع عرض المصحف الذي جرى ترميمه مرة واحدة سنويًا خلال احتفالات البلدة في شهر أكتوبر.
وهكذا انتقل المصحف من تجويف مظلم داخل جدار منزل في كوتار إلى واحد من أبرز الشواهد المادية على الحضور الإسلامي والأندلسي في المنطقة، بعدما نجح في البقاء قرونًا بعيدًا عن أعين الناس، قبل أن تعيد أعمال ترميم منزل قديم اكتشافه من جديد.
إسبانيا بالعربي.
