شؤون إسبانيةآخر الأخبار

هل الإسبان مستعدون للقتال من أجل وطنهم؟ استطلاع يكشف الإجابة

في وقت تتزايد فيه الاضطرابات الجيوسياسية وتتسع المخاوف الأمنية في أوروبا، يظل الاستعداد للقتال دفاعًا عن الوطن محدودًا بين الإسبان مقارنة بعدد من دول حلف شمال الأطلسي. ومع ذلك، يواصل شباب إسبان الالتحاق بالقوات المسلحة، مدفوعين بدوافع تتجاوز الراتب والاستقرار الوظيفي، من الرغبة في خدمة المجتمع إلى الشغف بالحياة العسكرية والتكنولوجيا والعمل الميداني.

ويسلط اسيطلاع أجرته صحيفة «إل موندو» داخل عدد من مدارس التدريب العسكري الإسبانية الضوء على ملامح الجيل الجديد من العسكريين، وعلى الأسباب التي تدفعهم إلى اختيار مهنة تتطلب الانضباط والاستعداد للمخاطر والتضحية، في وقت لا تزال فيه صورة الجيش لدى قطاعات من المجتمع مرتبطة بتصورات تقليدية تعود إلى مرحلة التجنيد الإجباري.

إسبانيا بين أقل الدول استعدادًا للقتال دفاعًا عن الوطن

بحسب دراسة أشار إليها تقرير «إل موندو»، تقع إسبانيا ضمن مجموعة الدول الأقل استعدادًا للقتال دفاعًا عن أراضيها في حال اندلاع حرب. وتشير النتائج الواردة في التقرير إلى أن نحو ثلث الإسبان فقط يقولون إنهم مستعدون للتطوع للقتال، مقابل نسب أعلى في دول أوروبية أخرى، بينها فرنسا وبريطانيا والدنمارك واليونان، فيما سجلت تركيا أعلى نسبة ضمن المقارنة المذكورة.

ويستحضر التقرير أيضًا استطلاعًا أجراه المركز الإسباني للبحوث الاجتماعية عام 2017، أفاد فيه 40% من المشاركين بأنهم لن يشاركوا طوعًا في الدفاع عن البلاد إذا تعرضت لهجوم عسكري، بينما قال 17% إنهم سيتطوعون من دون تردد.

ولا تتوافر-وفق التقرير-أرقام رسمية أحدث من استطلاع المركز نفسه بشأن هذا السؤال تحديدًا. ويربط بعض الخبراء ضعف الاستعداد المجتمعي للقتال بعوامل ثقافية وتاريخية وسياسية، من بينها شعورفئات من الإسبان بأن البلاد بعيدة عن التهديدات العسكرية المباشرة التي تواجه دولًا أوروبية أخرى.

الجيش الإسباني
اسبانيا

لماذا يختار الشباب الحياة العسكرية؟

داخل مدارس القوات المسلحة، تتنوع خلفيات المتدربين وأعمارهم وتجاربهم المهنية، لكن دوافعهم تتقاطع في نقاط عدة، أبرزها الرغبة في خوض تجربة مختلفة، وخدمة البلاد، واكتساب مهارات تقنية ومهنية، إلى جانب الانجذاب إلى الانضباط والعمل الجماعي.

ويقدم روبرتو، البالغ 24 عامًا والمنحدر من مدينة فيرول، مثالًا على ذلك. فقد كان يحلم في طفولته بأن يصبح رجل إطفاء، قبل أن يتعرف إلى الجيش خلال لقاء تعريفي في مدرسته، ويقرر الالتحاق بالبحرية بعد أن جذبه احتمال السفر واكتشاف العالم.

ويرى روبرتو، أن المجتمع الإسباني لا يعرف الكثير عن طبيعة عمل العسكريين، إذ تتأرجح الصورة الشائعة بين الاعتقاد بأن مهمتهم تقتصر على حمل السلاح، أو تصور حياتهم باعتبارها سلسلة من الرحلات البحرية. ويؤكد أن الواقع أكثر تعقيدًا، وأن العمل العسكري يتضمن مسؤوليات تقنية ومهنية وأمنية لا تظهر دائمًا خارج المؤسسة.

أما بريندا ألكانتارا، التي التحقت بالجيش في سن الثامنة عشرة وكانت تستعد آنذاك لدراسة القانون، فتقول إنها لم تكن تعرف الكثير عن الحياة العسكرية قبل دخولها، لكنها اكتشفت فيها مجالًا أرادت مواصلة العمل داخله. وبعد سنوات من الخدمة، تستعد اليوم لتصبح ضابطة صف في البحرية الإسبانية.

من الصورة التقليدية إلى جيش أكثر تخصصًا وتكنولوجيا

تغيرت القوات المسلحة الإسبانية خلال العقود الماضية، مع الانتقال من نموذج يعتمد على التجنيد الإجباري إلى جيش مهني أصغر حجمًا وأكثر تخصصًا، يعتمد بدرجة متزايدة على التكنولوجيا والتكوين المستمر.

وتوضح مدارس التدريب التي زارتها الصحيفة حجم هذا التحول. ففي مدرسة «إيسينغرا» البحرية بمدينة فيرول، يتلقى المتدربون تكوينًا في مجالات الإدارة والملاحة والمناورة وخدمات الإقامة والإطعام، بينما تشمل التخصصات في مدرسة «أنطونيو دي إسكانييو» الطاقة والدفع والإلكترونيات والاتصالات والأنظمة التكتيكية وأنظمة الأسلحة وتقنيات المعلومات.

ولا يقتصر التدريب على المحاضرات النظرية؛ إذ يستخدم المتدربون أجهزة محاكاة للملاحة البحرية، ويتدربون على التعامل مع الحرائق والإنقاذ، ويشاركون في تطبيقات تقنية تتعلق بصيانة المعدات والأنظمة العسكرية.

وفي أكاديمية المهندسين التابعة للجيش البري، تشمل التدريبات الكشف عن الألغام والتهديدات المتفجرة والتعامل معها، إلى جانب مجالات الهندسة والاتصالات. ويعكس ذلك اتساع نطاق الوظائف العسكرية، التي تضم تخصصات تقنية ولوجستية وعلمية إلى جانب المهام القتالية المباشرة.

العمل في الجيش الإسباني
الجيش الإسباني

الرواتب ليست الدافع الوحيد

على الرغم من أن الاستقرار المهني قد يشكل عاملا مهما يجذب بعض الشباب، فإن الاستطلاع خلص إلى أن الدافع المهني والاقتناع بأهمية الدفاع عن البلاد والانجذاب إلى الحياة العسكرية قد تكون من العوامل الأكثر تأثيرًا في اختيار هذه المهنة، من الوضع الاجتماعي أو الاعتبارات الأيديولوجية أو الاستقرار الوظيفي وحده.

ويستشهد التقرير بتجربة بيدرو مونيوث غونثاليث، البالغ 26 عامًا، الذي درس الكيمياء وبدأ مسارًا بحثيًا قبل أن يقرر الالتحاق بأكاديمية المهندسين. ورغم أن عائلته كانت تتوقع له مستقبلًا أكاديميًا، فإنه شعر بأن البحث العلمي لا يمثل شغفه الأساسي، وأن الحياة العسكرية تمنحه فرصة لخدمة الآخرين بطريقة مختلفة.

وفي المقابل، يصل بعض المتدربين إلى الجيش عبر تقاليد عائلية راسخة. فسارة سانشيث، البالغة 22 عامًا، تنتمي إلى عائلة تضم عسكريين، بينما نشأ خورخي بول، البالغ 33 عامًا، وسط أقارب يعملون في المؤسسة العسكرية، قبل أن يلتحق بها بعد سنوات من العمل في قطاع التجارة.

وتكشف هذه التجارب أن اختيار المهنة العسكرية لا يستند إلى مسار واحد؛ فهناك من يبحث عن المغامرة، ومن ينجذب إلى التخصصات التقنية، ومن يتأثر بالتقاليد العائلية، ومن يرى في الخدمة العسكرية وسيلة للمساهمة في حماية المجتمع.

النساء يوسعن حضورهن في القوات المسلحة

يشير التقرير إلى أن دخول النساء يمثل أحد التحولات المهمة في الجيش الإسباني، الذي شهد توسعًا في مشاركتهن في مجالات وتخصصات متعددة. كما يذكر أن إسبانيا تتجاوز متوسط حلف شمال الأطلسي في بعض مؤشرات إدماج النساء في القوات المسلحة.

ولا يقتصر حضورهن على وظائف إدارية أو مساندة، بل يشمل التدريب العسكري والتخصصات التقنية والقيادة، في إطار تحول أوسع في بنية المؤسسة العسكرية وطبيعة المهارات المطلوبة من منتسبيها.

ومع ذلك، لا تزال المهنة العسكرية تواجه تحدي تغيير الصور النمطية لدى بعض الشباب، خصوصًا أولئك الذين يربطون الجيش بنموذج التجنيد الإجباري القديم، وما ارتبط به من الانضباط القسري والابتعاد عن الأسرة والحياة المدنية.

إسبانيا
إسبانيا

نقص في الأفراد يفرض تحديات جديدة

رغم استمرار التحولات في التدريب والتخصص، تواجه القوات المسلحة الإسبانية تحديًا يتعلق باستقطاب عدد كافٍ من العسكريين والاحتفاظ بهم. ووفق الأرقام الرسمية التي أوردها التقرير، بلغ عدد العاملين في الخدمة الفعلية نحو 117 ألف عسكري، فيما تستهدف وزارة الدفاع الوصول إلى 127,500 عسكري بحلول عام 2029.

ويشير التقرير، نقلًا عن المرصد المعني بالحياة العسكرية، إلى وجود نقص مزمن في الأفراد، مع تقديرات تتراوح بين 13 ألفًا و23 ألف عسكري. ويطرح ذلك أسئلة بشأن قدرة المؤسسة على تلبية احتياجاتها المستقبلية، في ظل تغير البيئة الأمنية وتزايد الاعتماد على المهارات التقنية.

ويرى ماريانو كاسادو، الرئيس السابق للمرصد، أن تحسين صورة الجيش لدى المجتمع لا يكفي وحده لجذب المجندين؛ إذ يتطلب الأمر أيضًا توفير ظروف عمل مناسبة وأجور عادلة، وتحديث القواعد المنظمة للمهنة بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية.

الجيش الإسباني
الجيش الإسباني

هل يتغير موقف الإسبان من الدفاع عن بلادهم؟

تضع التجارب التي نقلها التقرير صورة الشباب المتطوعين في الجيش في سياق أوسع من النقاش بشأن الأمن والدفاع في إسبانيا. فبينما يعلن المتدربون استعدادهم لتحمل مسؤولياتهم العسكرية، لا تزال الفجوة قائمة بين التزامهم المهني ومواقف قطاعات من المجتمع تجاه احتمال المشاركة في حرب.

ويؤكد بعض العسكريين الذين تحدثت إليهم الصحيفة أن الدفاع عن البلاد لا ينبغي أن يُفهم باعتباره امتيازًا لفئة دون غيرها، مشيرين إلى أن الأطباء ورجال الإطفاء وغيرهم من العاملين في المهن التي تتطلب التضحية يؤدون بدورهم خدمات أساسية للمجتمع.

وفي النهاية، لا يرسم التقرير صورة موحدة للشباب الإسباني، بل يكشف عن فئة اختارت مسارًا مهنيًا محددًا لأسباب متنوعة، في مؤسسة تتغير باستمرار. وبين الحاجة إلى تطوير القدرات العسكرية وتوفير ظروف مهنية جاذبة، يبقى التحدي أمام إسبانيا مرتبطًا بكيفية مواصلة تحديث قواتها المسلحة وتعزيز فهم المجتمع لدورها، من دون اختزال الاستعداد للدفاع عن الوطن في الشعارات وحدها.

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى