الإيجارات ترتفع 45% خلال 8 سنوات من حكم سانشيز.. لماذا أصبح السكن في إسبانيا أصعب؟

تكشف مقارنة مؤشرات سوق السكن في إسبانيا منذ وصول بيدرو سانشيث إلى رئاسة الحكومة في يونيو/حزيران 2018 وحتى أحدث البيانات المتاحة في 2026 عن تغيرات كبيرة في الأسعار والطلب والعرض. فقد ارتفع متوسط سعر المتر المربع للمساكن المستعملة المعروضة للبيع بنسبة تقارب 74%، بينما زاد متوسط سعر الإيجار المعروض بنحو 45%، في وقت تراجع فيه عدد إعلانات المساكن المخصصة للإيجار الدائم على منصة idealista بنسبة 44% بين عامي 2018 و2025.
وفي الفترة نفسها، ارتفع عدد سكان إسبانيا بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة، بينما ازداد عدد الأسر بنحو 1.34 مليون أسرة عند مقارنة بيانات 2018 بأحدث أرقام المعهد الوطني للإحصاء المتاحة لعام 2026. وتأتي هذه التطورات في سوق يقول بنك إسبانيا إن الفجوة فيه بين تكوين الأسر وإنجاز مساكن جديدة بلغت نحو 750 ألف مسكن بين 2021 و2025.
أكثر من ثلاثة ملايين نسمة إضافيين
بلغ عدد سكان إسبانيا 46.733 مليون نسمة في 1 يوليو/تموز 2018، بينما وصل إلى 49.802 مليون نسمة في 1 يوليو/تموز 2026، وفق أحدث بيانات مؤقتة نشرها المعهد الوطني للإحصاء. أي بزيادة تقارب 3.07 ملايين نسمة خلال هذه الفترة.
ويظهر أثر التحولات الديموغرافية بصورة أوضح عند النظر إلى مكان الميلاد. ففي يوليو/تموز 2018 كان عدد المقيمين المولودين خارج إسبانيا يبلغ نحو 6.32 ملايين شخص، بحساب فئتي الإسبان والأجانب المولودين في الخارج في بيانات المعهد الوطني للإحصاء. أما في يوليو/تموز 2026، فقد ارتفع العدد إلى 10.29 ملايين شخص، أي بزيادة تقترب من أربعة ملايين. ويشير المعهد إلى أن عدد المولودين في الخارج يتجاوز عدد الأجانب بسبب حصول جزء من هؤلاء السكان على الجنسية الإسبانية.
ولا تعني هذه الزيادة أن أربعة ملايين مهاجر وصلوا إلى إسبانيا بصورة صافية خلال الفترة نفسها، إذ إن أعداد الوافدين والمغادرين واكتساب الجنسية تدخل في تطور المؤشر، لكن ارتفاع عدد السكان المولودين في الخارج يعكس اتساع قاعدة الطلب السكني المحتمل.
الأسر تنمو بوتيرة أسرع من البناء
ارتفع عدد الأسر في إسبانيا من متوسط 18.5359 مليون أسرة خلال 2018 إلى 19.8749 مليون أسرة في 1 يوليو/تموز 2026، أي بنحو 1.34 مليون أسرة إضافية. وتستند المقارنة إلى سلسلتين إحصائيتين للمعهد الوطني للإحصاء بمرجعين زمنيين مختلفين، ولذلك ينبغي التعامل معها كمؤشر عام على اتساع عدد الأسر لا كسلسلة متجانسة تماماً على مستوى الفترة بأكملها.
وفي المقابل، يؤكد بنك إسبانيا أن تكوين الأسر تجاوز إنتاج المساكن الجديدة بفارق كبير في السنوات الأخيرة. ووفق تقريره السنوي لعام 2025، بلغ العجز التراكمي بين عدد المساكن السكنية المنجزة والزيادة الصافية في عدد الأسر نحو 750 ألف مسكن بين 2021 و2025. وفي 2025 وحدها، تشكل نحو 240 ألف أسرة جديدة، مقابل إنجاز قرابة 92 ألف مسكن جديد، بانخفاض 9% عن العام السابق.
ويربط البنك المركزي جزءاً من صعوبة زيادة العرض بعوامل هيكلية، من بينها توفر الأراضي القابلة للبناء، وتعقيدات الإجراءات والتخطيط الحضري، واختلاف إدارة هذه العمليات بين الإدارات المحلية.

أسعار البيع تقفز 74%
انعكس هذا الاختلال بصورة واضحة على أسعار العقارات. فوفق مؤشر idealista، ارتفع متوسط سعر المتر المربع للمساكن المستعملة المعروضة للبيع في إسبانيا من 1,680 يورو في يونيو/حزيران 2018 إلى 2,930 يورو في سبتمبر/أيلول 2026، أي بزيادة تبلغ 74.4%. وهذه الأرقام تتعلق بأسعار العرض في السوق، وليست بالضرورة الأسعار النهائية التي تمت بها كل عمليات البيع.
وفي الوقت نفسه، ظلت حركة البيع نشطة. فقد سجلت إسبانيا 515,051 عملية بيع مساكن في 2018، مقابل 714,237 عملية في 2025، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، أي زيادة تقارب 39%.
لكن تركيب السوق يوضح أن معظم هذه العمليات لا تضيف مساكن جديدة إلى المخزون السكني. ففي 2025، بلغ عدد مبيعات المساكن المستعملة 558,327 عملية، مقابل 155,910 عمليات لمساكن جديدة. أي أن أكثر من ثلاثة أرباع المعاملات تقريباً كانت مرتبطة بمساكن قائمة بالفعل.
الإيجار.. 45% زيادة و44% تراجع في الإعلانات
في سوق الإيجار، يظهر الاتجاه بصورة مماثلة. فقد ارتفع متوسط السعر المعروض من 10.4 يورو للمتر المربع شهرياً في يونيو/حزيران 2018 إلى 15.1 يورو في سبتمبر/أيلول 2026، أي زيادة تقارب 45%. وتؤكد بيانات idealista أن متوسط السعر بلغ 15.1 يورو للمتر المربع في سبتمبر، مع ارتفاع سنوي بلغ 5.6%.
أما المعروض من الإيجار الدائم على منصة idealista، فقد انخفض من 902,664 إعلاناً في 2018 إلى 510,091 إعلاناً في 2025، بفارق 392,573 إعلاناً، أو نحو 44%. وتوضح منهجية idealista أن هذه الأرقام تحصي الإعلانات النشطة للمساكن المعروضة للإيجار الدائم، مع استبعاد الإيجارات الموسمية والغرف. ولذلك لا يجوز التعامل معها على أنها تعني اختفاء 393 ألف مسكن من إجمالي المخزون السكني الإسباني.
وكان التراجع شديداً في أكبر الأسواق. فقد انخفض عدد الإعلانات في مجتمع مدريد بنحو 137,411 إعلاناً بين 2018 و2025، بينما تراجعت كتالونيا بنحو 124,582 إعلاناً. وفي مدينة برشلونة، هبط العدد من 113,853 إعلاناً في 2018 إلى 19,723 في 2025، بانخفاض يقارب 83%.

مزيد من تنظيم سوق الإيجار
خلال سنوات حكومة سانشيث، دخلت مجموعة من التدابير التنظيمية حيز التنفيذ، وفي مقدمتها قانون الحق في السكن لعام 2023، الذي أتاح إعلان مناطق السوق السكنية المتوترة وفرض قيوداً محددة على بعض عقود الإيجار، مع قواعد أكثر صرامة عندما يكون المالك من كبار المالكين في منطقة مصنفة منطقة متوترة. كما أُنشئ إطار مرجعي للأسعار، إلى جانب إجراءات أخرى تخص العقود والرسوم والحوافز الضريبية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2026، دخلت تدابير إضافية حيز التنفيذ لتنظيم الإيجارات الموسمية وتأجير الغرف. وينص المرسوم بقانون الملكي الصادر في 6 أكتوبر/تشرين الأول على أن العقود الموسمية أو عقود الغرف التي لا تستند إلى سبب مؤقت حقيقي ومثبت يمكن أن تعامل كعقود سكن اعتيادي، كما وضع سقفاً لمجموع إيرادات تأجير الغرف داخل المسكن مقارنة بإيجار المسكن كاملاً، ووسع ضمانات تقييد الأسعار في المناطق السكنية المتوترة.
وفي موازاة التنظيم، اعتمدت الحكومات خلال هذه الفترة برامج للضمانات والمساعدات والحوافز الضريبية وتحريك السكن نحو الإيجار الميسور.
أرقام صعبة.. لكن السببية تحتاج إلى حذر
تكشف الأرقام بوضوح أن سوق السكن الإسباني أصبح أكثر ضغطاً خلال الفترة التي يقود فيها سانشيث الحكومة: السكان والأسر ازدادوا، أسعار البيع والإيجار ارتفعت بقوة، والمعروض من إعلانات الإيجار الدائم على منصة idealista انخفض بشكل كبير، بينما سجل بنك إسبانيا فجوة تبلغ نحو 750 ألف مسكن بين نمو الأسر وبناء مساكن جديدة خلال 2021-2025.
لكن هذه المعطيات، رغم دلالتها على تفاقم اختلال العرض والطلب، لا تثبت وحدها أن سياسات حكومة سانشيث هي السبب الوحيد أو المباشر وراء ارتفاع الأسعار أو تراجع العرض. فالسوق تأثر في الفترة نفسها بعوامل ديموغرافية، واقتصادية، وتمويلية، وسياحية، وتغيرات في أنماط الطلب، إضافة إلى القيود الهيكلية التي أشار إليها بنك إسبانيا في جانب العرض.
وتبقى الخلاصة الأوضح من البيانات الحالية أن التحدي السكني في إسبانيا لا يتعلق بالأسعار وحدها، بل أيضاً بقدرة السوق على توفير عدد كافٍ من المساكن في الأماكن التي يتركز فيها الطلب، وهي النقطة التي يضعها البنك المركزي الإسباني في صلب معالجة أزمة السكن.
إسبانيا بالعربي.