ثقافة

العسل واللوز والقرفة.. 3 مكونات تحكي إرث الأندلس في حلويات إسبانيا

بعد أكثر من خمسة قرون على نهاية الحكم الإسلامي في غرناطة، لم يختفِ أثر الأندلس من إسبانيا. فهو لا يظهر فقط في قصور الحمراء ومساجد قرطبة وأزقة غرناطة، بل يمتد إلى أنظمة الري، وأنماط العمران، وبعض العادات اليومية، والمطبخ، والأهم من ذلك إلى اللغة الإسبانية التي ما تزال تحتفظ بآلاف الكلمات ذات الأصل العربي.

هذه هي الفكرة الرئيسية التي يتناولها مقال «Del al-Andalus que aún pervive»، للصحفية والكاتبة كارولينا مولينا، الذي تعيد مؤسسة El legado andalusí نشره في نسختها الرقمية. وعلى الرغم من أن المقال يعود في أصله إلى عام 2011، فإن موضوعه ما يزال حاضراً في الدراسات المتعلقة بالتأثير التاريخي للحضارة الأندلسية في شبه الجزيرة الإيبيرية.

لكن الحديث عن «إرث الأندلس» لا يعني أن كل عادة أو كلمة أو منتج موجود في إسبانيا اليوم يمكن نسبته حصراً إلى المسلمين؛ فالتاريخ الأيبيري شهد تفاعلاً طويلاً بين عناصر رومانية وقوطية ويهودية ومسيحية وإسلامية وغيرها. وتؤكد مؤسسة El legado andalusí نفسها أن رؤيتها تقوم على وضع المساهمة الأندلسية ضمن مجموع الإرث التاريخي والثقافي لإسبانيا، لا عزلها عن بقية المكونات.

شرب الماء
شرب الماء

الماء والزراعة.. إرث ما زالت آثاره تعمل

من أبرز المجالات التي ترك فيها الأندلس أثراً واضحاً إدارة المياه والزراعة.

فقد تطورت الزراعة المروية في مناطق واسعة من الأندلس، وظهرت شبكات معقدة من القنوات والمنشآت المائية التي سمحت بتوزيع المياه على الأراضي الزراعية. وتؤكد أبحاث منشورة في مجلة Al-Qanṭara التابعة للمجلس الأعلى للبحوث العلمية الإسباني (CSIC) أن الزراعة المروية في الأندلس شهدت تطوراً كبيراً، وأن مناطق في شرق شبه الجزيرة اعتمدت على شبكات من قنوات الري المرتبطة بالقرى والحواضر الأندلسية.

وتوضح مؤسسة El legado andalusí أن بعض تقنيات الري مثل السواقي (acequias) والنواعير (norias) والخزانات المائية بقيت مرتبطة بالمناظر الزراعية الإسبانية حتى العصر الحديث.

وحتى اللغة الإسبانية تحتفظ بأسماء هذه التقنيات. فقاموس الأكاديمية الملكية الإسبانية يثبت أن كلمة noria مشتقة من العربية الأندلسية na‘úra، فيما تأتي كلمة aljibe، بمعنى الخزان الأرضي للمياه، من العربية الأندلسية alǧúbb.

وفي دراسة أكاديمية حديثة حول الزراعة في شرق الأندلس، يوضح باحثون من مدرسة الدراسات العربية التابعة لـCSIC أن عدداً من أنظمة الري التي ارتبطت بالمجتمعات الأندلسية تطورت عبر القرون، مع وجود اختلافات بين المناطق والحقب التاريخية. ولذلك فإن الأصح هو الحديث عن تطور تقاليد الري في العصر الأندلسي، وليس افتراض أن كل منشأة مائية موجودة في إسبانيا تعود إلى تلك الفترة.

نخيل إلتشي.. قصة أقدم وأكثر تعقيداً

ومن أشهر الأمثلة على الإرث الزراعي بستان النخيل في إلتشي (Palmeral de Elche)، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

تربط اليونسكو شكل البستان الحالي وأنظمة الري المعقدة بتكوين مدينة إلتشي الإسلامية في نهاية القرن العاشر، وتعتبره مثالاً مميزاً على تقنيات الزراعة العربية في أوروبا. لكن المنظمة نفسها تقدم تصحيحاً مهماً: زراعة نخيل التمر في إلتشي معروفة منذ العصر الإيبيري، أي قبل وصول المسلمين بقرون. لذلك فإن القول إن النخيل لم يكن موجوداً في شبه الجزيرة قبل المسلمين ليس دقيقاً. الأثر الأندلسي الأوضح يتمثل في تنظيم البساتين وتطوير نظام الري وتكامل النخيل مع الإنتاج الزراعي.

وهذه حالة توضح كيف ينبغي قراءة إرث الأندلس: ليس بالضرورة باعتباره اختراعاً لكل عنصر موجود، وإنما باعتباره أحياناً مرحلة حاسمة في تطوير تقنيات أو تنظيمات أو أنماط استعمال استمرت بعد نهاية الحكم الإسلامي.

غرناطة
غرناطة

غرناطة وقرطبة.. مدن ما زالت تحتفظ بملامح الأندلس

في المدن، تظهر آثار الأندلس بصورة أكثر وضوحاً.

تحتفظ غرناطة بحي البيازين والحمراء وجنيراليفه، وهي مواقع تعتبرها اليونسكو من أبرز الشواهد على التخطيط والعمران والفن في إسبانيا الإسلامية. ويتميز البيازين بأزقته الضيقة وساحاته الصغيرة وعماراته ذات الطابع المديني المغربي-الأندلسي، بينما تجسد الحمراء وجنيراليفه العمارة النصريّة واستخدام الماء والحدائق ضمن منظومة عمرانية متكاملة.

وفي قرطبة، لا تزال المدينة التاريخية والمسجد-الكاتدرائية شاهداً على المرحلة التي أصبحت فيها المدينة مركزاً سياسياً وثقافياً كبيراً في الغرب الإسلامي. وتصف اليونسكو مركز قرطبة التاريخي بأنه نتاج تراكم حضارات متعددة، بينها الرومان والقوط الغربيون والمسلمون واليهود والمسيحيون، مع احتفاظ المسجد الكبير بمكانته كأحد أبرز نماذج العمارة الإسلامية في أوروبا.

أما مدينة الزهراء الواقعة قرب قرطبة، فهي شاهد أثري آخر على الدولة الأموية في الأندلس. فقد أنشئت في منتصف القرن العاشر لتكون مقر الخلافة، ثم دمرت خلال الحرب الأهلية التي أنهت الخلافة في مطلع القرن الحادي عشر. وأدرجتها اليونسكو على قائمة التراث العالمي عام 2018.

اللغة الإسبانية
اللغة الإسبانية

عندما تصبح الكلمات العربية جزءاً من الإسبانية

ربما يكون الجانب الأكثر حضوراً في الحياة اليومية هو اللغة.

تقدر مادة تعليمية منشورة عبر مركز الموارد التابع لمعهد ثربانتس عدد الكلمات ذات الأصل العربي المستعملة في الإسبانية الحديثة بأكثر من 4,000 كلمة، مع تفاوت كبير في مدى استعمالها اليوم. وتشمل هذه المفردات مجالات الزراعة والري والحرف والإدارة والحياة اليومية.

وتؤكد الأكاديمية الملكية الإسبانية أصولاً عربية مباشرة لعدد من الكلمات الشائعة. فكلمة almohada، أي الوسادة، تعود إلى العربية الأندلسية almuẖádda، وكلمة alcalde تعود إلى العربية الأندلسية alqáḍi من العربية الفصحى qāḍī بمعنى القاضي.

وتظهر آثار العربية أيضاً في كلمات مثل azúcar، السكر، التي يرد أصلها في قاموس الأكاديمية من العربية الأندلسية assúkkar ثم العربية الفصحى sukkar، قبل أن ترجع السلسلة الأبعد إلى لغات أقدم.

وتشمل القائمة أيضاً كلمات مرتبطة بالماء والزراعة، مثل noria وaljibe، وهو ما يكشف كيف انتقلت المفردات العربية إلى الإسبانية بالتوازي مع انتقال بعض التقنيات والممارسات أو انتشارها.

الطعام.. تأثير حقيقي لكن لا ينبغي اختزال التاريخ في «أصول مباشرة»

ترك العصر الأندلسي أثراً مهماً في تاريخ الزراعة والغذاء في شبه الجزيرة، ولا سيما عبر توسيع الزراعة المروية وتطوير زراعة محاصيل متنوعة.

لكن بعض العبارات الشائعة حول «اختراع» أطباق إسبانية محددة تحتاج إلى قدر من الحذر. فمقال El legado andalusí يصف الأرز مثلاً باعتباره عنصراً مرتبطاً بالميراث الزراعي الشرقي والأندلسي، ويربطه لاحقاً بالمطبخ الإسباني، لكن تحويل ذلك إلى القول إن الباييّا نفسها اختراع أندلسي مباشر سيكون تبسيطاً تاريخياً لا تثبته هذه المعطيات وحدها. الأصح الحديث عن تأثير الأندلس في المحاصيل وتقنيات الزراعة والعادات الغذائية التي شكلت لاحقاً جزءاً من تطور المطبخ الإسباني.

والأمر نفسه ينطبق على القهوة: فوجود الكلمة العربية في أوروبا لا يعني أن شرب القهوة كان عادة أندلسية. وتظهر المعاجم التاريخية الإسبانية أن استعمال café للدلالة على المشروب موثق في الإسبانية منذ القرن السابع عشر، مع انتشار المشروب في إسبانيا في وقت لاحق بكثير من عصر الأندلس.

الورق والعلوم.. الأندلس جسراً بين الشرق والغرب

كان المجال العلمي والثقافي أحد أهم أوجه الحضارة الأندلسية، وبرزت المدن الأندلسية في إنتاج المخطوطات والعلوم والطب والفلسفة والأدب.

ويشير المقال الأصلي إلى دور الأندلس في انتشار الورق في شبه الجزيرة. وتظهر أبحاث منشورة من جامعة غرناطة أن جاطِبة/شاتيفا (Xàtiva) أصبحت في القرن الثاني عشر مركزاً معروفاً لصناعة الورق، حتى وصفها الجغرافي الإدريسي في عام 1154 باعتبارها من أبرز مراكز صناعة الورق في الأندلس وأوروبا في ذلك الوقت.

ولذلك يمكن النظر إلى الأندلس ليس فقط باعتبارها مساحة سياسية أو عسكرية من تاريخ شبه الجزيرة، وإنما أيضاً باعتبارها فضاءً للاتصال الثقافي بين العالم الإسلامي وأوروبا، وهو جانب تؤكده اليوم مؤسسات بحثية وثقافية إسبانية وأوروبية.

كتب التاريخ الأندلسي

إرث لا يزال قائماً.. لكن بصورة متعددة الأصول

اليوم، حين يسير الزائر في أزقة البيازين، أو يرى قنوات الري في بعض المناطق الزراعية، أو يستخدم كلمات مثل almohada وazúcar وnoria وalcalde، فإنه يلامس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، طبقات من تاريخ الأندلس.

وتؤكد اليونسكو أن الحمراء والبيازين وقرطبة ومدينة الزهراء وبستان نخيل إلتشي تمثل، كلٌّ بطريقته، شواهد محفوظة على مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي والأندلسي وعلى التفاعلات التي أعقبتها.

لكن قراءة هذا الإرث بصورة دقيقة تتطلب الابتعاد عن فكرتين متناقضتين: الأولى اختزال تاريخ إسبانيا كله في الأندلس، والثانية التعامل مع نهاية الحكم الإسلامي باعتبارها نهاية كاملة لكل تأثيراته. فالمشهد الذي تكشفه الدراسات والآثار واللغة أكثر تعقيداً؛ إذ بقيت عناصر كثيرة، وتغيرت عناصر أخرى، وامتزجت المساهمات الأندلسية بإرث روماني وقوطي ويهودي ومسيحي وأوروبي لاحق.

وهذا تحديداً ما يجعل إرث الأندلس في إسبانيا المعاصرة موضوعاً تاريخياً مستمراً: ليس لأنه بقي كما كان، بل لأنه تحول، واندماج جزء منه في الحياة اليومية والثقافة واللغة والعمران جعله واحداً من أكثر الفصول حضوراً في ذاكرة إسبانيا.

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى