المهاجرون: قوة اقتصادية في سوق العمل الإسباني

شهد سوق العمل الإسباني قفزة تاريخية غير مسبوقة خلال شهر يونيو الماضي، مدفوعاً بشكل أساسي ببدء عملية التنمية الاقتصادية وتطبيق مرسوم تسوية الأوضاع الاستثنائية للمهاجرين الذي أطلقته الحكومة، ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة، فقد سجلت البلاد رقماً قياسياً جديداً في عدد الوظائف، لتثبت العمالة الأجنبية مجدداً أنها المحرك الأبرز للنمو الاقتصادي في إسبانيا.
ودمجت هذه الطفرة العمالية بين تزايد الوظائف الموسمية في قطاعي السياحة والتجارة، وبين دمج مئات الآلاف من العمال الذين كانوا ينشطون سابقاً في “الاقتصاد الخفي” أو غير الرسمي، مما انعكس إيجاباً وبشكل فوري على إيرادات الضمان الاجتماعي.

أرقام تاريخية: الضمان الاجتماعي يتجاوز 22.4 مليون مشترك
أظهرت البيانات الصادرة عن وزارة العمل الإسبانية أن سوق العمل في إسبانيا حقق في يونيو أفضل أداء له منذ عام 2021. وجاءت أبرز المؤشرات على النحو التالي:
- إجمالي الوظائف: وصل عدد المشتركين في الضمان الاجتماعي إلى 22,466,339 موظفاً، وهو أعلى مستوًى تاريخي تسجله البلاد.
- الوظائف الجديدة: نجحت إسبانيا في جذب 128,533 مشتركاً جديداً خلال شهر واحد فقط (مقارنة بشهر مايو).
- النمو السنوي: على مدار العام الماضي، ربح نظام الضمان الاجتماعي الإسباني ما يربو على 605,244 مشتركاً.
- انخفاض البطالة: تراجع عدد العاطلين عن العمل المسجلين في مكاتب (SEPE) بمقدار 29,000 شخص، ليستقر إجمالي العاطلين عند 2,291,982، وهو الأدنى منذ عام 2008.

العمالة الأجنبية تستحوذ على ثلثي الوظائف الجديدة
لعب المهاجرون والعمال الأجانب الدور الأكبر في هذه الطفرة؛ حيث أضاف هذا القطاع 86,630 مشتركاً جديداً في يونيو، ما يمثل ثلثي الوظائف الجديدة المُستحدثة في البلاد (بنسبة تعادل وظيفتين من بين كل ثلاث وظائف).
ويمثل هذا الرقم قفزة هائلة بنسبة 244% مقارنة بنفس الشهر من عام 2025، وزيادة بنسبة 363% مقارنة بالمتوسط المسجل للفترة بين 2012 و2025. ورغم أن مساهمة الأجانب المعتادة كانت تتراوح بين 30% و40% في الأشهر الماضية، إلا أن مرسوم تسوية الأوضاع الأخير ضاعف هذه النسب بشكل ملحوظ نتيجة خروج العمالة من القطاع غير الرسمي إلى العمل القانوني المتمتع بكامل الحماية الاجتماعية.
1.2 مليون طلب لتسوية الأوضاع: ضعف توقعات الحكومة
أغلقت الحكومة الإسبانية باب التقديم على خطة تسوية الأوضاع الاستثنائية للمهاجرين بتسجيل حصيلة قياسية بلغت 1,174,978 طلباً، وهو ضعف الرقم الذي توقعته التنفيذية الإسبانية في البداية (نصف مليون مستفيد).
وأكدت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة، إيلما سايز، أن أكثر من 608,000 ملف (نحو 52% من الإجمالي) جرت معالجتها وتمنح أصحابها تصاريح إقامة وعمل مؤقتة فورية لحين صدور القرار النهائي قبل نهاية الصيف. من جانبها، شددت سكرتيرة الدولة للهجرة، بيلار كانسيلا، على التزام الوزارة بالرد على كافة الطلبات دون تطبيق نظام “الرفض الضمني بالصمت الإداري”.
شروط الآلية الاستثنائية: منحت المبادرة تصاريح عمل وإقامة لمدة عام للمهاجرين الذين أثبتوا تواجدهم في إسبانيا قبل 1 يناير 2026، وإقامة لا تقل عن 5 أشهر، مع خلو السجل الجنائي من أي سوابق.

الخريطة الديموغرافية والنوعية للمتقدمين
أظهرت البيانات الرسمية ملامح واضحة حول التركيبة السكانية والتعليمية للمهاجرين الساعين لتسوية أوضاعهم:
1. التوزيع الجغرافي والجنسيات
تركزت نصف الطلبات (50%) في خمس مقاطعات رئيسية هي: مدريد، وبرشلونة، وفالنسيا، وأليكانتي، ومرسيا. وجاءت كتالونيا في المقدمة بـ 257,602 طلباً، تليها مدريد وفالنسيا بالتساوي بـ 167,286 طلباً، ثم أندلسيا بـ 161,557 طلباً. وعلى صعيد الجنسيات، تصدرت كولومبيا القائمة بنسبة 26%، تليها المغرب بنسبة 13.3%، ثم فنزويلا بنسبة 11.8%، وبيرو بنسبة 8.8%.
2. العمر والتعليم واللغة
تميز المتقدمون بكونهم فئة شابة؛ حيث إن 81% منهم دون سن 45 عاماً، في حين مثل الأطفال دون سن 15 عاماً نسبة 11.1%. أما من حيث المستوى التعليمي، فإن ثلثي المتقدمين (67%) يمتلكون تعليماً ما بعد الإلزامي (43% ثانوية عامة أو تدريب مهني، و24% شهادات جامعية). كما يتمتع 84% منهم بكفاءة لغوية كاملة أو عالية في اللغة الإسبانية.
قطاعا الضيافة والتجارة في صدارة الانتعاش الاقتصادي
بعيداً عن الأثر المباشر لملفات التسوية، قادت القطاعات الموسمية والخدمية قاطرة التوظيف في يونيو الفائت. وسجلت المؤشرات القطاعية ما يلي:
- التجارة والضيافة: أضاف قطاع التجارة 40,207 وظيفة، تلاه قطاع الفنادق والمطاعم (الضيافة) بـ 39,631 وظيفة، ليسهما معاً بنسبة 55% من إجمالي الوظائف الجديدة.
- قطاعات أخرى: شهدت الأنشطة الإدارية (30,637)، والصحة (23,134)، والتشييد والبناء (17,237) نمواً قوياً.
- الجانب السلبي: خسر قطاع التعليم 59,472 مشتركاً، وهو تراجع موسمي معتاد يعود إلى إنهاء عقود المعلمين (الموظفين الدائمين المتقطعين) مع نهاية العام الدراسي، والذين يعاد تنشيطهم في سبتمبر وأكتوبر.
وبحسب الإحصائيات الأخيرة، فإن 159,097 شخصاً من الحاصلين على الموافقات المبدئية تم تسجيلهم بالفعل في الضمان الاجتماعي، وينشط 77.3% منهم بموجب عقود عمل دليمة (غير محددة المدة)، يتركز ربعهم (25%) في قطاع الفنادق والمطاعم، يليه التجارة والخدمات الإدارية، ما يعزز الاستقرار المالي طويل الأمد للاقتصاد الإسباني.
إسبانيا بالعربي

