خدمة مجانية جديدة لفائدة المهاجرين الذين لا يتحدثون الإسبانية في الباسك: هكذا ستغير حياة الكثيرين
أعلنت السلطات والمؤسسات الصحية في إقليم “غيبوثكوا” (Gipuzkoa) التابع لإقليم الباسك الإسباني، عن إطلاق مشروع نموذج تجريبي مبتكر يُعرف بـ “الوساطة الثقافية اللغوية”. يهدف هذا المشروع الإنساني والصحي إلى تذليل عقبات التواصل واللغة بين المهاجرين الأجانب وبين الكوادر الطبية التابعة لمنظومة الصحة العامة بالمنطقة (Osakidetza). وستتركز المبادرة بشكل أساسي في المراكز التابعة للخدمات الصحية بمناطق “دونوسيتالدي” (Donostialdea) وشبه إقليم “بيداسوا” (Bidasoa)، وذلك لمساعدة المهاجرين الجدد والمقيمين على فهم التشخيص الطبي ومتابعة العلاج بشكل صحييح وآمن دون أي معوقات لغوية.
وسيتم اختبار هذه الخدمة الجديدة ميدانياً على مدار عام كامل بدءاً من شهر سبتمبر المقبول، وقد جاء هذا الإعلان المهم خلال مؤتمر صحفي شارك فيه ممثلون عن الجهات والقواعد المؤسسية المشرفة على الفكرة، وهي: إدارة الثقافة والتعاون التابعة لمجلس إقليم غيبوثكوا، ومعهد “بيوغيبوثكوا” للبحوث الصحية (Biogipuzkoa)، إلى جانب وزارة الصحة في حكومة إقليم الباسك، وبالتعاون المباشر مع نقابة الأطباء. وتهدف المبادرة إلى التكيف مع التنوع الثقافي واللغوي المتزايد بسرعة داخل المجتمع، مما يستدعي حلولاً مبتكرة تضمن العدالة الصحية ووصول الجميع إلى خدمات الرعاية دون تمييز.
دراسة صحية سابقة تكشف حاجة ماسة لخدمات الترجمة والوساطة
جاءت هذه الخطوة الإيجابية بناءً على نتائج دراسة وتجربة ميدانية جرت خلال عام 2024 داخل مستشفى “دونوسيا” (Hospital Donostia). وكانت تلك التجربة تنضوي تحت إطار برنامج للفحص الطبي الشامل للمهاجرين الجدد الواصلين إلى المنطقة، حيث شملت الدراسة عينة تضم 115 شخصاً من جنسيات مختلفة. وأظهرت النتائج أن 54% من المشاركين احتاجوا إلى دعم ومساعدة في الترجمة لضمان فهم طبي صحيح للمعلومات والتعليمات الصحية، بينما كشفت البيانات أن 13% منهم لا يجيدون القراءة والكتابة بالأصل، مما صعب من مهمة الكوادر الطبية.
كما كشفت الدراسة الميدانية عن وجود صعوبات كبيرة يواجهها المهاجرون في التواصل والمتابعة المستمرة مع المنظومة الصحية الإسبانية، فضلاً عن اكتشاف نسبة لا بأس بها من الأمراض والمشاكل الصحية التي لم يتم تشخيصها سابقاً. وشملت الملاحظات أيضاً وجود نقص ملحوظ في نسبة التغطية باللقاحات الأساسية لدى الأطفال والكبار، إلى جانب رصد حالات عديدة تعاني من أعراض نفسية وعاطفية نتيجة ظروف الهجرة والتنقل. وقد أثبتت هذه المعطيات الحاجة الماسة لابتكار أدوات جديدة تعزز الثقة والالتزام بالتعليمات والنصائح الطبية.
تدريب واسع ومكثف للمترجمين والوسطاء الثقافيين
لضمان نجاح هذا المشروع التجريبي على أكمل وجه، تم تنظيم دورة تدريبية مكثفة شملت نحو عشرة أفراد من الأجانب المقيمين في المنطقة. وتم اختيار هؤلاء الأفراد بعناية فائقة حيث يتقنون اللغة الإسبانية بجانب لغاتهم الأم، ولديهم القدرة والشغف الميداني على القيام بمهام الوساطة الاجتماعية والثقافية بين المرضى والفرق الطبية. وتضمنت البرامج التدريبية المخصصة لهم مفاهيم الوساطة الثقافية، ومهارات التواصل الفعال، والمصطلحات والمبادئ الأساسية في القطاع الصحي والطبي.
ويتلخص الهدف الأساسي للوسطاء في تسهيل الفهم المتبادل بين الطبيب والمريض، دون الاقتصار على الترجمة الحرفية للكلام، بل الامتداد لتفسير وتوضيح السياقات الثقافية والاجتماعية التي تختلف من بلد لآخر. وأكد القائمون على المشروع أن الوسطاء لن يتدخلوا إطلاقاً في القرارات الطبية أو العلاجية، ولن يحلوا محل الأطباء أو الممرضين، كما لن يستبدلوا برامج الترجمة القائمة، بل سيكونون أداة مساعدة لتقليل آثار الفجوة اللغوية والثقافية، مما ينعكس إيجاباً على صحة المريض وسرعة تعافيه.

تقييم دقيق للمشروع وتدشين موقع إلكتروني للتسهيل على المرضى
ستخضع هذه المبادرة لعملية تقييم عملية وشاملة مع نهاية فترة الإطلاق للتأكد من مدى نجاحها وفائدتها الميدانية. وستشمل عملية التقييم إجراء استبيانات استطلاع رأي وقياس مدى الرضا، موجهة للمرضى المهاجرين وللكوادر والكوادر الطبية والإدارية المشاركة. بالإضافة إلى ذلك، سيتم الاعتماد على مؤشرات صحية دقيقة وواضحة، مثل: نسب الإقبال على اللقاحات والأدوية الوقائية، وتطور نسبة الالتزام بالنصائح الطبية، ومدى الانتظام في تناول العلاجات المقررة.

وستسمح نتائج هذا التقييم الشامل للجهات المختصة بتحديد ما إذا كان هذا النموذج يساهم حقاً في تحسين التواصل الصحي وتسهيل نفاذ المهاجرين إلى الخدمات الطبية بكرامة وفاعلية. وبناءً على التقرير النهائي، سيتم استخلاص النتائج والوقوف على الإيجابيات والسلبيات لبحث إمكانية تعميم المشروع وتطويره مستقبلاً. وفي هذا السياق، أعلنت المؤسسات المشرفة أنه سينطلق خلال شهر سبتمبر القادم موقع إلكتروني خاص يشرح بالتفصيل خطوات وطرق الاستفادة من خدمة الوساطة الثقافية والمواعيد المتاحة للجميع.
إسبانيا بالعربي.
