اشترك في قناتنا على الواتساب
انقر هنا
شؤون إسبانيةآخر الأخبار

الصحة النفسية في إسانيا: هل نحن أمام كارثة؟

نشرت منظمة الصحة العالمية في نهاية عام 2025 تقريرعن مستوى الصحة النفسية حول العالم تحت عنوان “منظمة الصحة العالمية: مليار شخص يعانون من اضطرابات نفسية في العالم”، ومن العنوان نحن لا نحتاج إلى الشرح، فبالرغم من التقدم الطبي والرعاية الصحية، هذه الإحصائية هي التي تم رصدها بشكل رسمي، لكن ما خفي كان أعظم، في ضوء ذلك سنرصد وضع الصحة النفسية في إسبانيا، وكيف تتعامل الجاليات العربية في هذا الملف حتى لا تكون رقمًا في الإحصائيات الرسمية.

الصحة النفسية حول العالم

بالتدقيق في تقرير منظمة الصحة العالمية سنجد أن أكثر الأمراض النفسية المنتشرة حول العالم تتمثل في القلق والاكتئاب، حيث توضح أن هذه الاضطرابات هي ثاني أكبر سبب للمعاناة من إعاقة طويلة الأجل، وتصيب مختلف الأعمار تقريبًا، والجدير بالذكر أن هذه الاضطرابات بالتحديد ترفع تكلفة الرعاية الصحية اللازمة للمرضى وتؤدي لخسائر اقتصادية كبيرة في الوقت نفسه على الدول.

بالحديث عن الأرقام، ففي رصد ميزانيات الدول في تطوير الصحة النفسية، فإنه بالمتوسط ينفق فقط 2% من الميزانية المخصصة للصحة العامة على العيادات والمستشفيات المتخصصة في الرعاية النفسية، والأمر لا يقف عند ذلك، حيث وفق الإحصائيات الرسمية فإن هناك نقص حاد في الكوادر الطبية في هذا المجال حيث يقدر على الصعيد العالمي 13 عاملاً لكل 100000 شخص.

لذلك ومن هذا المنطلق، ومن هذه الإحصائيات المرعبة، نسلط الضوء على الوضع المحلي في أسبانيا حول مستوى الرعاية، مع الوصول إلى توصيات تراعي تقديم الحلول المنطقية للمواطنين للوصول لمستوى صحة نفسية أفضل، على الأقل بالمقارنة بالتقرير الأخير لمنظمة الصحة العالمية.

مستشفى جامعة فيرجن ديل روسيو
مستشفى جامعة فيرجن ديل روسيو

الصحة النفسية في أسبانيا

وفق دراسة حديثة منشورة هذا العام قام بها الباحث “تشابي مارتينيز مينديا” من جامعة إقليم الباسك تقيس مستوى رفاهية الدول الأوروبية مع مستوى الصحة النفسية، قامت على 32 دولة أوروبية على 97 ألف مراهق من سن  15 إلى 16 عاماً، كانت نتيجتها تصاعد حاد في مستويات الاكتئاب والقلق في الدول الأوروبية خصوصًا في السنوات الأخيرة.

وفي دراسة أخرى نشرها المركز الإسباني للأبحاث الاجتماعية كشفت أن غالبية الإسبان يعيشون في مستوى معتدل من القلق، حيث قرابة 60% عبروا عن قلق طفيف بينما نسبة 12% أقروا بمعاناتهم مع قلق مرتفع، و26% من عدم شعورهم بذلك.

لكن في نفس الوقت ورغم هذه النسب التي تبدو مطمئنة، إلا أن الشعب الإسباني يلقي اللوم على مصادر الإعلام لأنها السبب الرئيسي في تهويل الأحداث الجارية عالميًا وهي المصدر الأساسي في انتشار القلق والتوتر لهم، وأن مناخ التعبير عن الرأي يشهد بعض الاضطرابات.

وبالانتقال إلى الأدوية النفسية، أوضحت نفس الدراسة أن قرابة 15% من الأسبان يتناولية أدوية الاكتئاب، وأن استهلاكها تضاعف منذ بداية القرن الحالي.

المواضيع التي كانت في صدارة اهتمام الشعب الإسباني المسببة للقلق والتعب النفسي لهم هي قضية السكن، حيث يخشى 30% من الشعب عدم قدرتهم على دفع الإيجار، بينما في المرتبة الثانية بنسبة 16% يخشون من فقدان وظائفهم، هذا بخصوص الشأن الداخلي، أما بخصوص القضايا العالمية، فإن نسبة كبيرة تقدر بقرابة 79% يخافون من اندلاع حرب عالمية ثالثة قد يشمل على الأسلحة النووية.

بالرغم من كل ذلك، مازالت نسبة كبيرة من الإسبان تقدر بـ 90% يرون أنهم يجدون من يتحدثون معه حول مخاوفهم مما يعكس ترابط اجتماعي متماسك يقف أمام هذه التحديات الصعبة.

نتيجة لهذه الأبحاث يتأكد لدينا أن الاكتئاب والقلق مرض نفسي منتشر بشكل ما عند الشعب الإسباني، لكن تختلف أسبابه من فئة لأخرى، لكن ما هو تعريف الاكتئاب بشكل دقيق؟

الاكتئاب وفق التعريف الحديث لمنظمة الصحة العالمية هو “اضطراب نفسي شائع، وينطوي على تكدّر المزاج أو فقدان الاستمتاع أو الاهتمام بالأنشطة لفترات طويلة من الزمن.

ويختلف الاكتئاب عن التقلبات المزاجية المعتادة والانفعالات العابرة إزاء تحديات الحياة اليومية. ويمكن أن يؤثر على جميع جوانب الحياة، بما في ذلك العلاقات مع أفراد الأسرة والأصدقاء والمجتمع. ويمكن أن ينتج عن مشكلات في المدرسة وفي العمل، أو أن يؤدي إليها.”

وهناك عدة أسئلة نفسية يتم على أساسها تحديد هل أنت مصاب بالاكتئاب أم لا مثل:

  • هل شعرت بالحزن أو الفراغ أو فقدان الأمل معظم الوقت ؟
  • هل لاحظت أنك فقدت اهتمام أو المتعة للأشياء التي كنت تستمتع بها سابقًا ؟
  • هل شعرت بأن شهيتك للطعام انخفضت بشكل ملحوظ ؟
  • هل لاحظت زيادة في شهيتك أو تناولك للطعام أكثر من المعتاد ؟
  • هل واجهت صعوبة في النوم أو استيقظت كثيرًا أثناء الليل ؟
  • هل نمت أكثر من المعتاد أو واجهت صعوبة في الاستيقاظ صباحًا ؟
  • هل شعرت بأنك ابطأ في الحركة أو الكلام أو إنجاز المهام اليومية ؟
  • هل شعرت بعدم القدرة على البقاء ساكنًا أو صعوبة في الاسترخاء خلال اليوم ؟
  • هل شعرت بتعب شديد أو نقص في الطاقة أثناء القيام بالأنشطة المعتادة ؟
  • هل شعرت أحيانًا بأنك قليل القيمة أو أنك لم تنجز ما كنت ترغب فيه ؟
  • هل شعرت بالذنب أو لوم نفسك أكثر من الطبيعي ؟

وغيرها من الأسئلة التي من خلالها تتعرف على مستوى الاكتئاب لديك من خلال ما يسمى اختبار الاكتئاب، حيث هذه الأسئلة تم صياغتها بشكل دقيق وفق مراجع علم النفس، لكنها لا تغني عن التشخيص الفعلي للطبيب لك.

أطباء
طاقم طبي

العيادات النفسية في إسبانيا

الآن مع تطور التكنولوجيا ووسائل الاتصال، لم تعد الجلسات النفسية تقتصر على الجلسات الحضورية فقط في العيادات، بل الآن أصبحت تتم بشكل إلكتروني، بمرونة وأكثر خصوصية وأقل في الجهد، لكن نقف أمام السؤال الأهم، كم تكلفة الجلسات ؟ والمقارنة مع الضمان الاجتماعي الحكومي، وهل هذا المجال هو رفاهية لمن يدفع أكثر أم حق من حقوق المواطن الأسباني والوافدين العرب ؟

في البداية، إن الحصول على العلاج النفسي، سواء كان دوائيًا أو سلوكيًا هو حق أصيل للإنسان بشكل عام، فهو فرع من فروع الطب، لكن ولأن الاهتمام به جاء متأخرًا فثقافة التعامل معه مازالت حديثة، الناس حتى الآن لا يتقبلون مفهوم أن يذهب شخص إلى معالج نفسي، لذلك لا تجد الرعاية الكافية بهذا المجال، على عكس الأطباء في باقي المجالات.

لذلك متوسط الانفاق عليه من الميزانيات الصحية لا يتعدى الـ 2%، بالرغم من أن تداعيات التعب النفسي تؤدي لظهور المجرمين، المضطربين نفسيًا في العمل والحياة العامة، علاقات زوجية متدهورة، وغير ذلك.

من هذا المنطلق، نحن سنتعامل مع الوضع كما هو قائم هنا حتى نصل إلى التوصيات التي نوضح فيها الحلول، ولنقف عند أول سؤال، كم تكلفة الجلسات النفسية في إسبانيا؟

إذا نظرنا إلى نظام الضمان الاجتماعي، فالجلسات النفسية مجانية تمامًا، لكن يعيبها أنك لتحصل على موعد، فأمامك طابور طويل من الحالات، ربما تجد نفسك أمام الطبيب بعد شهور طويلة.

وعند النظر خارج المنظومة الحكومية فإن متوسط سعر الجلسة يتراوح بين 40 إلى 120 يورو، وهذا لجلسة واحدة فقط تقدر مدتها من 45 لساعة واحدة، لذلك يجد المواطن والوافد نفسه أمام تكلفة مرتفعة لأن التعافي النفسي لا يتم من مجرد جلسة واحدة فقط.

لذا نحن أمام معضلة ما بين توفير منظومة صحة نفسية أفضل بتكلفة مناسبة للجميع، كيف ذلك؟ هذه هي التوصيات التي لابد من طرحها لتتعاون فيها الحكومة مع المواطنين، لأن الرعاية النفسية الآن هي درع المواطن أمام المصاعب الاقتصادية والأحداث العالمية، فإن انهار الإنسان أمامها، فسوف تنتشر الفوضى التي كان من الممكن تجنبها إن كان هناك اهتمام مسبق وخطة معدة بدقة لتنفيذها.

توصيات حول الصحة النفسية في إسبانيا

في ظل التحذيرات الكثيرة من منظمة الصحة العالمية حول وضع الصحة النفسية، هنا لابد من طرح عدد من التوصيات التي لابد من التكاتف حولها خصوصًا من الجاليات العربية منها على سبيل المثال لا الحصر:

  • تعديل نظام الضمان الاجتماعي لتحديد مواعيد قريبة للمواطنين بأكثر مرونة.
  • تشجيع المواطنين على الالتحاق بقسم الصحة النفسية في كليات الطب.
  • نشر التوعية المستمرة في وسائل الإعلام الحكومية وطريقة التعامل مع الأحداث والضغوط الحياتية.
  • نشر الوحدات الصحية المتنقلة في كل الأحياء.

بخصوص الجاليات العربية

  • عمل مجموعات دعم نفسي يشرف عليها أطباء نفسيين ثقة وذو خبرة للتعاون على حل المشكلات النفسية والتوعية ضد الوحدة والاكتئاب.
  • تنظيم ورش مجانية كل فترة لزيادة التقارب بين أفراد الجالية بعضهم ببعض.
  • عمل صندوق تبرعات تحت الرقابة الموثوقة لتوفير الأدوية بشكل مجاني للحالات النفسية الشديدة.
  • تعيين أطباء مشرفين للاطمئنان المستمر على أفراد الجالية، لعلاج الوحدة وتعزيز الشعور بالاطمئنان في الغربة.

في النهاية إن تكاتف الجاليات العربية في الخارج سويًا هو من سيضمن أن يكون الأخ بيد أخيه ضد أي أمراض نفسية مثل الاكتئاب وغيره، فالإتحاد دائمًا هو الحل، ولنتذكر أن الأمراض الحديثة إنما ظهرت بسبب التفرق والتباعد الاجتماعي والمادية الشديدة والفردانية.

بقلم: مهند أدهم.

المصادر:

زر الذهاب إلى الأعلى