اشترك في قناتنا على الواتساب
انقر هنا
سياسةسلايدر

كيف غزت سيارة تويوتا “لاند كروزر” ساحات القتال حول العالم؟

في أحد شوارع مدينة أوبورن بولاية ألاباما الأمريكية، تتخذ شركة “إم دي تي آرمور” (MDT Armor) من مقرها الأمريكي موطئ قدم لها، وهي فرع تابع للشركة الإسرائيلية “شلادوت” (Shladot Ltd) التي تتخذ من خليج حيفا مقرًا رئيسيًا لها. للوهلة الأولى، لا يبدو في الأمر ما يستدعي الاستغراب؛ إذ تنشط هذه الشركة في قطاع الخدمات الأمنية والعسكرية، وتقدم ما تصفه بـ”الحلول المتكاملة” للتحديات الميدانية، وهي حلول لا تقتصر على ساحات المعارك العسكرية وحدها، بل تمتد لتشمل الأجهزة الأمنية المحلية وقوات إنفاذ القانون في الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من دول العالم.

تتخصص شركة “إم دي تي” في تصنيع المركبات المدرعة عبر مسارين رئيسيين: إما بتطوير منتجات عسكرية قائمة وتكييفها وفق متطلبات بيئات تشغيل بعينها، وإما بتحويل مركبات مدنية إلى منظومات عسكرية متكاملة. وهذا تحديدًا ما تمارسه الشركة منذ عقود، إذ تعمد إلى تحويل سيارات لاند كروزر وهايلكس من إنتاج عملاق السيارات الياباني تويوتا (Toyota)، وإعادة تهيئتها كمدرعات عسكرية مصممة خصيصًا لتلبية متطلبات جيش الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وحين يُذكر مصطلح “متطلبات جيش الاحتلال”، فإن أبناء المنطقة يدركون جيدًا الدلالة الحقيقية لهذا التعبير. غير أن السؤال الجوهري يبقى معلقًا: هل تدرك شركة تويوتا بدورها حجم ما يجري؟

منذ عام 2003 وحتى اليوم، تواصل “إم دي تي” تطوير ما باتت تعرف بـ”مركبات ديفيد”، وهي مدرعات مبنية على منصات سيارات تويوتا سالفة الذكر. وقد أدت هذه المركبات دورًا محوريًا في قمع التظاهرات الفلسطينية، وتنفيذ عمليات المداهمة وهدم المنازل في أرجاء الأراضي المحتلة كافة، فضلًا عن توظيفها أداةً للقتل المباشر، كما جرى مع الصحفية شيرين أبو عاقلة، مراسلة قناة الجزيرة، التي اغتالها جنود الاحتلال في الحادي عشر من مايو 2022، بعد أن أطلقوا عليها النار من على متن إحدى تلك المدرعات المحولة عن سيارات تويوتا.

images 43
مركبة “إم دي تي ديفيد”

على نطاق أشمل، باتت “مركبات ديفيد” ركيزةً أساسيةً في منظومة حماية المستوطنات الإسرائيلية، وفي مهام تأمين الحدود مع لبنان وسوريا، كما أدت دورًا محوريًا في العمليات العسكرية الواسعة التي شنّها جيش الاحتلال على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر 2023 ولا تزال مستمرة حتى اليوم. هذا الحضور الميداني المتراكم منحها مكانة “المدرعة المعيارية” لدى الجيش الإسرائيلي، وجعل منها خيارًا محوريًا لدى قوات أمنية في مناطق مختلفة من العالم، حيث تُسوَّق دوليًا على أساس كونها تقنية “أثبتت جدارتها في الميدان”، وقد جرى تصديرها فعلًا إلى أجهزة أمنية داخل الولايات المتحدة، وإلى الفلبين والمكسيك واليونان وجنوب أفريقيا وسواها.

بيد أن ما يعنينا هنا ليس استعراض جرائم جيش الاحتلال الإسرائيلي، على أهمية ذلك، بل البحث في الأسباب التي جعلت سيارات تويوتا تحديدًا الخيار الأمثل لتشكّل الأساس الذي تُبنى عليه مدرعات موظَّفة في حروب الإبادة الإسرائيلية وما هو أبعد منها. فقد نسجت تويوتا على مدى عقود طويلة سمعةً عالميةً راسخة، إذ غدت مركباتها من أكثر ما يُعتمد عليه في بيئات القتال منذ ثمانينيات القرن الماضي وإلى يومنا هذا. وقد حضرت هذه السيارات في نزاعات متعددة عبر الشرق الأوسط وأفريقيا، بل وأوروبا أيضًا، مما دفع باسم تويوتا إلى آفاق لم يكن أحد يتوقع أن تبلغها، لتتجذر في مكانة لم تُحسب لها، وتزدهر في ميادين لم تُصنع لها أصلًا.

بدايات شائكة.. وإفلاس محتمل

لم يكن الثقل الذي يحمله اسم تويوتا اليوم وليد اللحظة، ولا كان أمرًا مفروغًا منه منذ البداية. فقد نشأت الشركة في أصلها امتدادًا صناعيًا لإحدى شركات النسيج اليابانية، حين قرر مؤسسها كيشيرو تويودا عام 1929 أن يشدّ الرحال إلى الولايات المتحدة، باحثًا بنفسه عن أسرار صناعة السيارات ومستكشفًا تقنياتها، ليستمد منها إلهامًا لأولى تصاميمه، التي رأت النور فعلًا بين عامَي 1935 و1936 في هيئة أولى شاحنات وسيارات تويوتا.

منذ تأسيسها، انتهجت تويوتا خمسة مبادئ راسخة لا تزال تُمسك بزمام عمل الشركة ومنتجاتها حتى اليوم دون أن يطالها تغيير يُعتدّ به. وإن بدت أغلب هذه المبادئ أقرب إلى الروح منها إلى المادة، بدعوتها إلى الامتنان وتقدير بيئة العمل، فإنها في الآن ذاته تحثّ على الاجتهاد والابتكار وتقديم الحلول الملموسة في كل حين. ولم تبقَ تلك المبادئ طيّ الأدراج، بل رفعتها أجيال تويوتا المتتالية إلى مصافّ القوانين الملزمة، فأتاحت لكل موظف في الشركة، أيًّا كان موقعه، أن يُسهم بأفكاره في تطوير الإنتاج وتحسينه، وتعتمد الشركة ما يُثبت جدارته بعد التمحيص والدراسة.

وذهبت الإدارات المتعاقبة أبعد من ذلك، بتخويل العمال صلاحية إيقاف الإنتاج متى طرأ خلل ما. وقد تكرّر فعلًا أن شهدت صفحات الأخبار توقف خطوط إنتاج بأكملها بسبب عيب طارئ، لم تُستأنف إلا بعد تصحيحه، مما أفضى في أكثر من مناسبة إلى تأخير موعد إطلاق المنتجات. وعلى خلاف ما قد يُتوقع، لا تتحرج تويوتا من مثل هذه الوقفات، بل تجاهر بها وتُسوّقها في العالم شاهدًا على التزامها بالإتقان وتقديم العميل على سائر الاعتبارات.

عودًا إلى ثلاثينيات القرن الماضي، صادفت ولادة تويوتا اشتعال الحرب العالمية الثانية في آسيا مع نهاية تلك الحقبة، وهي حرب لا يخفى على أحد الدور الياباني المحوري فيها. غير أن ما يغيب عن أذهان كثيرين هو أن الحرب ذاتها كانت من أبرز الأسباب التي أسهمت في ازدهار تويوتا، بل ربما كانت اللبنة الأساسية التي شيّدت عليها الشركة بقاءها حتى اليوم.

فقد بسطت تويوتا سيطرتها على سوق صناعة السيارات في زمن الحرب، وتصاعد إنتاجها السنوي حتى بلغ عشرة آلاف وحدة عام 1939، مدفوعةً بتعاونها المباشر مع القيادة اليابانية في إطار ما عُرف بـ”قانون التعبئة الوطنية”، الذي رسمت بموجبه الحكومة الإطار الناظم لصناعة السيارات والمتحكم في توزيع المواد الخام والوقود اللازمَين للإنتاج.

طالبت الحكومة اليابانية تويوتا وسائر الشركات بتصنيع مركبات مدنية وعسكرية تجمع بين القوة والكفاءة في استهلاك الوقود، بما يلائم اقتضاءات الحرب. فأوفت تويوتا بهذه المهمة على خير وجه، وكان حصاد ذلك مولد واحدة من أشهر السيارات وأكثرها متانةً في تاريخ الصناعة: لاند كروزر 70.

images 44
سيارة تويوتا “لاند كروزر 70”

وُلدت لاند كروزر في بادئ أمرها مركبةً عسكريةً خالصة، إذ سعت الحكومة اليابانية إلى توظيفها على نطاق واسع ضمن أسطول قوات الأمن الداخلي المُستحدثة في عهد ما بعد الحرب. بيد أن قرار الحكومة باعتماد نموذج منافس من إنتاج ميتسوبيشي في الوقت ذاته دفع تويوتا إلى مواصلة تطوير هذه السيارة الرباعية الوليدة. وحين داهم شبح الإفلاس تويوتا في مطلع الخمسينيات، جراء الأزمات المالية المتراكمة في أعقاب الحرب وأزمة العمال الشهيرة، لم يكن ثمة ما ينتشل الشركة من تلك الهاوية سوى لاند كروزر.

ففي المرحلة ذاتها، اشتعلت الحرب الأهلية الكورية التي وقفت فيها الولايات المتحدة واليابان إلى جانب كوريا الجنوبية في مواجهة كوريا الشمالية المدعومة من روسيا والصين. ووظّف الجيش الأمريكي سيارات تويوتا توظيفًا مكثفًا خلال العمليات القتالية، فكان الطلب المتصاعد عليها في الميدان بمثابة طوق نجاة أنقذ الشركة من الانهيار المالي المحتوم، ومنحها مكانةً وموثوقيةً دوليتين، بينما أدخلها في الوقت ذاته إلى عالم لم يرسمه لها مؤسسوها، ولم تُدرجه في أي من أهدافها المُعلنة حتى اليوم: عالم الحروب الحديثة.

حرب تويوتا

لم يكن انخراط تويوتا في الحرب العالمية الثانية خيارًا طوعيًا في مجمله؛ فهي شركة يابانية عاشت أفول الإمبراطورية، وشاركت كبقية أبناء شعبها في الدفاع عن وطنها ومكانته. أما ما جاء بعد ذلك فكان توظيفًا دؤوبًا لمنتج استثنائي أفرزته الحرب وصقلته في أعتى الظروف قسوةً، ألا وهو لاند كروزر، التي راحت تويوتا لاحقًا تُسوّقها رفيقةً للحياة المدنية في المناطق النائية، حيث وعورة التضاريس وشُح الطرق المعبّدة في اليابان وآسيا، ثم في أصقاع العالم.

وأضافت فلسفة تويوتا ومبادئها التأسيسية قيمةً مضافة لم تكن شركات أخرى لتبلغها بهذه الطريقة؛ فالإبطاء في الإنتاج حتى أقصى مداه أحيانًا، والتوقف مرارًا للاختبار وتدارك الأخطاء، وصون الثوابت في منتج أثبت كفاءته بما يكفل ديمومة توفر قطع الغيار، كل ذلك جعل من هذه السيارة الخيار الأجدر للعمل في أشد البيئات مشقةً، وفي مقدمتها الشرق الأوسط وأفريقيا.

لم تكد لاند كروزر تُثبّت موطئ قدمها في الحياة المدنية حتى جاءت ثمانينيات القرن الماضي لتُعيدها إلى سيرتها الأولى؛ إذ نشب على الحدود الليبية التشادية صراع كان مُقدَّرًا له أن يُعيد تأكيد حضور لاند كروزر في الميدان العسكري عالميًا، ويُثبت بما لا يحتمل الشك أنها الخيار الأمثل حين تدقّ ساعة القتال ولا يملك المحارب سوى مركبة متينة وبعض الأسلحة الخفيفة.

في تلك الحقبة، انتهز الزعيم الليبي القذافي فرصة ضم الشريط الشمالي من تشاد المتاخم للحدود الليبية، خطوةً أولى نحو بناء قوة نووية في المنطقة، لا سيما أن تلك البقعة كانت تزخر باليورانيوم وسائر الثروات الطبيعية. وكانت الكفة مائلةً لصالح ليبيا بكل ما تملكه من طيران وآليات مدرعة وأسلحة متنوعة وجيش نظامي ضخم، في مقابل قوات تشادية شبه خاوية الوفاض، حتى قررت فرنسا التدخل بإمداد تشاد بالسلاح، وبأربعمائة شاحنة لاند كروزر مجهزة بمدافع رشاشة وصواريخ مضادة للدبابات، فانقلبت الموازين رأسًا على عقب. إذ أبلت الشاحنات الخفيفة بلاءً حسنًا في المراوغة والتسلل عبر حقول الألغام الليبية، وبتحييد فرنسا لسلاح الجو الليبي، وجدت القوات الليبية بعتادها الثقيل نفسها عاجزة أمام خفة المركبات وسرعتها التي فاقت مقدرتها على الملاحقة.

وقد برهنت تويوتا على جدارتها القتالية إلى حدّ دفع المراقبين إلى تسمية تلك المواجهة بـ”حرب تويوتا”، وتكرّر هذا البرهان في كل نزاع غير متكافئ تلا ذلك. ففي أفغانستان، حيث واجه المقاتلون الوافدون من شتى الجهات الآلةَ العسكرية الأمريكية الساحقة بأدوات شحيحة، كانت تويوتا تُقدّم إجابةً مختلفة؛ إذ منحت المقاتلين قدرةً على التمويه جعلت من رصدهم واستهدافهم مهمةً عسيرة، مما أفضى إلى أخطاء استهداف مميتة، كان أبرزها مأساة أغسطس 2021 حين أودت غارة مسيّرة أمريكية بحياة عشرة مدنيين من عائلة أفغانية واحدة بينهم ستة أطفال، بعد الخلط بينهم وبين عناصر تنظيم الدولة لاستقلالهم سيارة تويوتا بيضاء.

غير أن هذا الواقع المأساوي لم يُقلّل من إقبال الأفغان على السيارة؛ فانخفاض ثمنها وتوفر قطع غيارها وإمكانية تهيئتها وفق أي متطلب دون الحاجة إلى مراكز صيانة رسمية، كل ذلك جعل التخلي عنها أمرًا شبه مستحيل، وكفل انتشارها الواسع في بؤر الصراع، من أفغانستان والعراق في مواجهة الوجود الأمريكي، إلى أوكرانيا في مواجهة روسيا، مرورًا بالحروب الأهلية التي تتقاذف أفريقيا. وقد وضع كل ذلك سمعة تويوتا الدولية على المحك، وأبقى التساؤل قائمًا وملحًّا: لماذا تُشكّل تويوتا الخيار المفضّل للجماعات المسلحة، وتُحكم حضورها الراسخ في كل مسرح من مسارح الحروب والنزاعات؟

تويوتا الجيدة ضد تويوتا السيئة

قبل نحو ثلاث سنوات، نشر الصحفي الأمريكي ديون ليفلر مقالًا استفزازيًا تساءل فيه عن السبب الذي يحول دون امتلاك مواطني “بلد الأحرار” شاحنةً رباعية الدفع خفيفة كتلك التي تملأ شاشاتهم يوميًا في يد تنظيمات توصف بـ”الإرهابية”، من طالبان إلى تنظيم الدولة. كان السؤال وجيهًا في ظاهره، وإن أغفل تفاصيل لا يُستهان بها كالرسوم الجمركية التي تفرضها واشنطن على الشاحنات الأجنبية دعمًا لصناعتها الضخمة التي تُكرّسها هوليوود في الوجدان الأمريكي. والأهم أن الحكومة الأمريكية ذاتها سبقته بطرح السؤال نفسه بأكثر من عقد، حين أطلق مكتب الإرهاب والاستخبارات المالية التابع لوزارة الخزانة عام 2015، بالتعاون مع تويوتا، تحقيقًا يسعى إلى كشف الطريقة التي امتلك بها تنظيم الدولة ذلك العدد الهائل من مركبات الشركة رباعية الدفع.

خلص التحقيق إلى أن تتبّع هذه المركبات بعد ولوجها الأسواق يكاد يكون ضربًا من المستحيل، لا سيما في خضم تشعّب أسواق السيارات المستعملة وسلاسل البيع العشوائية لأطراف ثالثة التي تجري كل يوم في أرجاء المعمورة. وخرج مسؤولو تويوتا إلى الرأي العام رافضين أي تورط لسياراتهم في مثل هذه العمليات، مؤكدين أن الشركة تمتلك “سياسات صارمة تحظر بيع مركباتها لأي جهة يُحتمل توظيفها أو تعديلها لأغراض شبه عسكرية أو إرهابية”.

بيد أن هذه “السياسات الصارمة المُعلنة” تبدو وكأنها لا تسري على إسرائيل وجيشها. فكما أسلفنا، يضطلع الفرع الأمريكي لشركة شلادوت بخدمة جيش الاحتلال، لكن ما أُغفل ذكره أن المركبات التي تُجري “إم دي تي آرمور” عليها التعديلات قبل إرسالها إلى الأراضي المحتلة ما هي إلا جزء من منظومة المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل؛ أي أن الحكومة الأمريكية هي من تشتري هذه السيارات من تويوتا اليابانية نيابةً عن إسرائيل، لتُسلَّم بعد تعديلها أداةً لخدمة آلة القمع والتنكيل اليومية بالفلسطينيين.

ولم يستثر هذا الواقع قلقًا يُذكر لدى قيادة تويوتا، تلك القيادة التي بادرت عام 2015 إلى مساندة الإدارة الأمريكية في تحقيقها الخاص باستخدام تنظيم الدولة لسياراتها، وهي ذاتها التي أصدرت بعد عامين اعتذارًا رسميًا إثر تقارير عن بيع سيارة بمفردها في الهند إلى السفارة الإيرانية هناك، في انتهاك للعقوبات المفروضة على طهران.

1 a1dd99552ee f2de51727b 678691f0bfd5d
لاند كروزر 70 تنظم للجيش الأوكراني كمدرعة

في المقابل، انخرطت تويوتا بحماس في البرنامج الغربي لتزويد أوكرانيا بمركبات معدّلة عسكريًا في أعقاب عام 2022، فيما علّقت عملياتها في روسيا ثم أوقفتها بالكامل تماشيًا مع موجة العقوبات الدولية. وهي ذاتها تويوتا المُدرجة، ضمن شبكة أوسع من الشركات متعددة الجنسيات، بين المتهمين بالتورط في سلاسل رأسمالية تُغذّي إزالة الغابات المحظورة في الأمازون، والتلوث البيئي الناجم عن استخراج المعادن النادرة في ميانمار والاتجار بها، فضلًا عن الحضور الموسّع لمركباتها في بعض أشد حروب العصر الحديث انتهاكًا لحقوق الإنسان، كالنزاع المتواصل في السودان.

ولا يُلغي ذلك كون مركبات تويوتا ذاتها جزءًا من قوافل إغاثية تضطلع بها منظمات إنسانية كبرى كالأمم المتحدة وشبكة وكالاتها الفرعية، تُوصل المساعدات إلى مناطق النزاعات. غير أن السؤال الذي يأبى الصمت يبقى: هل كانت هذه الإغاثة لتكون ضرورة لو لم تُوفَّر ابتداءً كل هذه الأدوات التي تُؤجج الحروب وتُطيل أمدها؟

تبدو قصة تويوتا مع الحرب في جوهرها أكبر من مجرد مفارقة تاريخية؛ فالشركة التي نشأت لتُيسّر حياة الناس في المناطق الوعرة، وجدت نفسها شريكًا دائمًا في أعتى النزاعات البشرية، لا بقرار واعٍ، بل بفضل تفوق صنعته بيدها.

لكن التفوق وحده لا يُبرّئ الذمة؛ فحين تُصبح موثوقية المنتج ذريعةً للتملص من المسؤولية، وحين تتفاوت “المبادئ الصارمة” بين ضحية وأخرى تبعًا لمن يدفع ومن يقرر، يغدو الصمت موقفًا بحد ذاته. وتبقى تويوتا في نهاية المطاف أمام سؤال لا تُجيب عنه بيانات المبيعات ولا شهادات الجودة: ما الذي تستحقه الضحايا التي سقطت تحت عجلاتها، ممن لم يختاروا يومًا أن يكونوا جزءًا من قصة نجاحها؟

المصدر: مواقع إلكترونية + إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى