اشترك في قناتنا على الواتساب
انقر هنا
ثقافةمتفرقات

صحيفة إسبانية: ماذا تعرف عن الجمال التي فتحت طريق الصحراء ووصلت إفريقيا بالأندلس الإسلامية؟

تعد الإبل والجمال من الحيوانات التي يصعب المبالغة في تقدير أهميتها التاريخية؛ فبفضلها تمكن البشر على مدى آلاف السنين من عبور أشد مناطق كوكبنا قسوة، وربط حضارات تفصل بينها آلاف الكيلومترات، كما ساهمت بشكل مباشر في نشأة طرق تجارية، وظهور مدن وممالك في مناطق كان يمتد فيها السفر مستحيلاً، وفي هذه العائلة، ارتبط “الدرويدار” (الجمل العربي ذو السنام الواحد) بشبه الجزيرة العربية وشمال إفريقيا والصحراء الكبرى، بينما سلك “الجمل البكترياني” (ذو السنامين) مساراً تاريخياً آخر ارتبط بآسيا الوسطى.

ورغم هذا الإرث العظيم، لا تزال الإبل حيوانات مجهولة نسبياً لشريحة واسعة من المجتمعات الغربية الحديثة. وتضم عائلة الجمليات سبعة أنواع هي: الجمل العربي، الجمل البكترياني المستأنس، والجمل البكترياني البري، بالإضافة إلى حيوانات اللاما، والألبكة، والغواناكو، والفيكونيا في أمريكا الجنوبية.

الإبل العربية
الإبل

وتشترك الجمليات والخيلية (الفصيلة التي تضم الخيول والحمير والوحشية) في أسلاف بعيدة من الثدييات الحوافر، إلا أن خطوطها التطورية انفصلت قبل عشرات ملايين السنين. وبينما تخصصت الخيول في السرعة، طورت الجمليات تكيفات استثنائية للبقاء في البيئات القاحلة، وتحمل الرحلات الطويلة، واستغلال الموارد الشحيحة.

وقد رصد المؤرخ والباحث “إسحاق صموئيل”، مؤلف مدونة African History Extra المتخصصة، تاريخ هذه الحيوانات في إفريقيا، وكيف أعادت تشكيل مصير قارات بأكملها.

الثورة الصامتة التي غيرت ملامح الصحراء الكبرى

من الصعب اليوم تخيل الصحراء الكبرى بدون جمال، ولكنها كانت عبر التاريخ البشري حاجزاً طبيعياً شديد الصعوبة. ووفقاً للباحث إسحاق صموئيل، فإن استئناس الجمل العربي تم على الأرجح أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد في شبه الجزيرة العربية، ومنها بدأ توسع تدريجي نحو شمال إفريقيا غير وجه المنطقة تماماً.

ويتحدث المؤرخون عما يسمونه “ثورة الجمليات”؛ إذ يقارن المؤلف التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية لوصول الجمل العربي إلى الصحراء الكبرى بالثورة التي أحدثتها السيارات ذات المحركات خلال القرن العشرين. فتحولت المناطق التي كانت تُعد غير قابلة للاختراق إلى شبكات تجارية دائمة، وتحولت الصحراء من حاجز يفصل الشعوب إلى فضاء للعبور، والتبادل، والاستقرار البشري.

طاقة حية تتجاوز مجرد نقل البضائع

الصورة النمطية للجمل العربي باعتباره مجرد حيوان لحمل الأثقال لا تعكس سوى جزء بسيط من أهميته؛ فبالإضافة إلى نقل البضائع والأشخاص، أدت الإبل أدواراً حيوية متنوعة؛ حيث كانت بمثابة مصدر طاقة حي لا غنى عنه لتشغيل النواعير، وأنظمة رفع المياه، ومعاصر الزيوت، والقيام بالمهام الزراعية، فضلاً عن نقل المنازل المتنقلة للقبائل البدوية.

وتميزت الإبل بقدرتها العالية على الصمود في الظروف المناخية القاسية، وقطع مسافات طويلة بأقل كمية من الماء، والتغذي على نباتات لا تستطيع الماشية الأخرى الاستفادة منها، بالإضافة إلى إنتاج الحليب لفترات طويلة في البيئات الجافة. فبالنسبة للعديد من المجتمعات، كان امتلاك الجمال يعادل امتلاك الغذاء، ووسيلة النقل، والثروة، ومظلة الأمان في مواجهة الجفاف.

من قرطاج إلى الساحل الإفريقي

تكشف الأبحاث الأثرية أن أقدم الأدلة على وجود الجمليات في بلاد المغرب تظهر في مواقع مثل قرطاج (تونس الحالية) بين القرنين الخامس والثالث قبل الميلاد. وخلال العصر الروماني، أصبحت هذه الحيوانات حاضرة بقوة في شمال إفريقيا، وبدأت تلعب دوراً بارزاً في التجارة والتنقل؛ حيث أبهرت الرومان بقدراتها العالية واستخدموها في النقل المدني والعمليات العسكرية.

ومع مرور القرون، انتشرت الإبل في المغرب العربي، والصحراء الكبرى، والقرن الإفريقي، ومناطق واسعة من الساحل؛ مما سهل تطوير طرق تجارية ربطت البحر الأبيض المتوسط بغرب إفريقيا. وعبر هذه الشبكات، تدفقت السلع والملح والذهب والحبوب والتوابل، مما ساهم في نمو الواحات، والمدن، والممالك الإفريقية في العصور الوسطى.

الإبل
الإبل

حضور الإبل في تاريخ الأندلس

امتد أثر الإبل ليصل إلى شبه الجزيرة الإيبيرية؛ ورغم أنها لم تكن جزءاً مركزيًا من الحياة اليومية في الأندلس كما كانت في الصحراء، إلا أن وجودها موثق تاريخياً وأثرياً.

وكانت دولة المرابطين (السلالة الأمازيغية التي نشأت في البيئة الصحراوية والمغربية في القرن الحادي عشر) تعتمد بشكل أساسي على تربية الإبل وقدراتها اللوجستية في بناء إمبراطوريتها التي امتدت إلى الأندلس. وتصف المصادر القروسطية الجيوش والتحركات وهي مصحوبة بقطعان كبيرة من الإبل التي تنقل الإمدادات الضرورية للحملات العسكرية الطويلة. كما أكدت الدراسات الأثرية الحديثة وجود بقايا للإبل في جنوب إسبانيا في مواقع رومانية وأندلسية، بما في ذلك المكتشفات في قرطبة بين القرنين العاشر والرابع عشر.

شبكات ذكية و”طرق سريعة” في قلب الرمال

عند الحديث عن القوافل الصحراوية، تتبادر إلى الذهن صورة آلاف الجمال التي تقطع الصحراء دفعة واحدة، لكن الأبحاث توضح أن الواقع كان أكثر تعقيداً؛ فلم تكن الحيوانات نفسها تقطع الصحراء بأكملها من طرف إلى آخر، بل كانت البضائع تتحرك عبر شبكات متصلة ورحلات متتالية، بحيث يغطي كل قطيع جزءاً من الطريق ليأخذ قسطاً من الراحة أو يتم استبداله بقطيع آخر.

ومع ذلك، وصلت بعض القوافل إلى أحجام هائلة؛ ففي القرن التاسع عشر، تم توثيق بعثات تضم آلاف الجمال يمتد طولها لأكثر من عشرين كيلومتراً، وكان الملح أحد أهم المنتجات في هذه الطرق؛ حيث كانت بعض المناجم الصحراوية تحرك عشرات الآلاف من الجمال سنوياً لتزويد مناطق بأكملها في غرب إفريقيا.

إرث حي واقتصادي مستمر

رغم أن ظهور الطرق المعبدة، والسكك الحديدية، والشاحنات، وسيارات الدفع الرباعي قد قلص من الأهمية الاقتصادية للإبل، إلا أنه لم يستبدلها بالكامل. وتضم إفريقيا اليوم أكثر من 80% من إجمالي الإبل في الكوكب، وتتركز النسبة الأكبر منها في الصومال، والسودان، وإثيوبيا، وكينيا، وجيبوتي.

ولا تزال الإبل بالنسبة لملايين البشر مصدراً أساسياً للحوم، والحليب، والنقل، والدخل الاقتصادي، فضلاً عن كونها تمثل إرثاً ثقافياً، وضماناً مادياً، ورمزاً للهوية في المجتمعات الرعوية.

رحلة ابن جبير الأندلسي

الجمل الكناري: تراث إسباني فريد

بعيداً عن القارة الإفريقية، هناك مجتمع من الجمليات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتاريخ الريفي لجزر الكناري، وهو “الجمل الكناري” (وهو في الأصل جمل عربي أُدخل إلى الأرخبيل من الساحل الإفريقي القريب مع بداية الاستعمار الأوروبي عام 1405).

وقد ساعد التكيف الممتاز لهذه الحيوانات على انتشارها في عدة جزر، لا سيما في لانزاروتي، وفورتيفنتورا، وجنوب غران كناريا، وتينيريفي، حيث شاركت لقرون في المهام الزراعية والنقل، لتتحول لاحقاً إلى معلم مرتبط بالأنشطة السياحية والثقافية في المناظر الطبيعية البركانية للجزر. واليوم، يُدرج الجمل الكناري في الكتالوج الرسمي لسلالات الماشية في إسبانيا كسلالة محلية فريدة تحظى بتقدير وثقافي كبيرين.

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى