بـ339 صوتا.. البرلمان الأوروبي يدين المغرب ويهدده بقطع الملايين بعد «الحرب الهجينة» على سبتة
صعّد البرلمان الأوروبي لهجته بشأن أزمة سبتة، بعدما أقرّ قراراً اقترحه حزب الشعب الأوروبي يتناول الدخول الجماعي للمهاجرين إلى المدينة خلال نهاية يوليو، ويطالب المغرب بتحمل مسؤولياته في حماية الحدود وإعادة المهاجرين، في خطوة تعكس اتساع الخلاف داخل المؤسسات الأوروبية حول إدارة مدريد للأزمة وعلاقات الاتحاد الأوروبي مع الرباط.
وحصل القرار، الذي أُقر في ستراسبورغ يوم 17 سبتمبر، على 339 صوتاً مقابل 225، مع 13 امتناعاً، وفق وكالة الأنباء الإسبانية «إفي». وتضمن النص وصف سبتة بأنها تعرضت لـ«غزو» عقب الدخول الجماعي للمهاجرين، كما أدان ما وصفه بـ«تسليح الهجرة غير النظامية» واستخدامها أداة في ما اعتبره «حرباً هجينة» ضد وحدة أراضي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
قرار أوروبي يضع المغرب في الواجهة
وطالب البرلمان الأوروبي المغرب، باعتباره شريكاً للاتحاد الأوروبي، بتحمل مسؤولياته في مراقبة الحدود والتعاون في مجال الهجرة وإعادة الأشخاص الذين دخلوا إلى سبتة بصورة غير نظامية.
كما شدد القرار على ضرورة احترام سيادة إسبانيا ووحدة أراضي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، في إشارة مباشرة إلى سبتة ومليلية، اللتين تطالب الرباط بالسيادة عليهما. وبذلك، لم يقتصر النص على معالجة الجانب الإنساني والهجري للأزمة، بل ربطها أيضاً بالأمن الحدودي والعلاقات السياسية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب.

ماذا حدث في سبتة؟
تعود الأزمة إلى يومي 30 و31 يوليو، عندما شهدت سبتة دخول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى المدينة، في واقعة تحولت إلى أزمة سياسية وأمنية واسعة. كما تقول تقارير إسبانية إن نحو 80 ألف شخص حاولوا دخول المدينة خلال تلك الفترة، فيما أعادت السلطات الإسبانية التعامل مع الوضع باعتباره أزمة حدودية استثنائية.
وكانت الأزمة قد دفعت المؤسسات الأوروبية إلى مناقشة الوضع في البرلمان الأوروبي، بينما أكدت المفوضية الأوروبية أن حدود سبتة هي حدود أوروبية، وأن الاتحاد الأوروبي يقف إلى جانب إسبانيا في حماية حدوده.
بروكسل تنتقد إدارة مدريد للأزمة
ولم يكن القرار موجهاً إلى المغرب وحده، فالبرلمان الأوروبي عبّر أيضاً عن انتقادات لسياسة الحكومة الإسبانية في التعامل مع تداعيات الأزمة، بما في ذلك برنامج التسوية الواسعة لأوضاع المهاجرين الذي أقرته حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز.
ويتضمن القرار انتقاداً لما اعتبره بعض النواب «تأثيراً جاذباً» لهذه السياسة، محذراً من أن الرسائل التي تبعث بها سياسات الهجرة قد تؤثر في قرارات المهاجرين وفي نشاط شبكات تهريب البشر.
في المقابل، رفضت قوى يسارية أوروبية هذا الطرح، وحذرت من استخدام مصطلحات مثل «الغزو» في وصف أزمة الهجرة، معتبرة أن ذلك قد يغذي خطاباً معادياً للمهاجرين.

انقسام واضح داخل البرلمان الأوروبي
كشفت عملية التصويت عن انقسام سياسي حاد، فقد دعمت القرار قوى اليمين واليمين المحافظ، بما فيها حزب الشعب الأوروبي، إلى جانب مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين ومجموعة «وطنيون من أجل أوروبا»، التي تضم نواب حزب «فوكس» الإسباني، إضافة إلى قوى أخرى.
في المقابل، صوتت مجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين ضد النص، إلى جانب قوى يسارية أخرى. وأصبح ملف سبتة بذلك جزءاً من مواجهة سياسية أوسع داخل البرلمان الأوروبي حول الهجرة، وأمن الحدود، وطبيعة العلاقات مع المغرب.
هل يمكن أن تصل المواجهة إلى أموال الاتحاد الأوروبي؟
من أكثر النقاط حساسية في القرار أنه يفتح الباب أمام تشديد الشروط المرتبطة بالدعم الأوروبي للدول الشريكة. ووفق تقارير إسبانية، يدعو النص إلى وضع إطار أكثر صرامة وشفافية لمراقبة أموال التنمية والتعاون الأوروبية الموجهة إلى دول ثالثة، مع إمكانية ربط بعض أشكال الدعم والتعاون بمدى فعالية تلك الدول في إدارة الحدود ومكافحة تهريب المهاجرين وضمان عمليات الإعادة.
لكن ذلك لا يعني أن الاتحاد الأوروبي قرر بالفعل تعليق اتفاق الشراكة مع المغرب أو وقف التمويل الأوروبي فوراً، فالقرار الذي أقره البرلمان الأوروبي غير ملزم قانونياً، بينما تحتاج أي إجراءات تنفيذية مرتبطة بالاتفاقات الأوروبية إلى مسارات ومؤسسات وقرارات إضافية.

المغرب أمام ضغط أوروبي جديد
يضع القرار الرباط أمام ضغوط سياسية جديدة، خصوصاً أنه يأتي في وقت تحظى فيه العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي بأهمية كبيرة في ملفات الأمن والهجرة والتجارة.
وكانت الرباط قد أرسلت، خلال النقاشات الأوروبية حول الأزمة، رسالة إلى عدد من أعضاء البرلمان الأوروبي أكدت فيها استعدادها لإعادة جميع الأشخاص الذين دخلوا إلى سبتة، بمن فيهم القاصرون غير المصحوبين ومواطنو الدول الثالثة.
كما قالت السلطات المغربية إنها تعمل على تحديد أسباب الأزمة والجهات التي تقف وراءها، بما في ذلك بحث تأثير المعلومات المضللة على شبكات التواصل الاجتماعي واحتمال استغلال الأشخاص المستضعفين من جانب شبكات الاتجار بالبشر.
فون دير لاين: سبتة حدود أوروبية
وقبل التصويت على القرار، دخلت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على خط الأزمة، مؤكدة خلال خطابها أمام البرلمان الأوروبي أن حدود سبتة هي حدود أوروبية.
وقالت إن «سبتة هي إسبانيا، وسبتة هي أوروبا»، في موقف حمل رسالة تضامن واضحة مع المدينة الإسبانية، من دون أن يعني بالضرورة تبني جميع الاتهامات السياسية الموجهة إلى المغرب. كما دعا مفوض الشؤون الداخلية والهجرة، ماغنوس برونر، إلى إعادة الأشخاص الذين دخلوا سبتة بصورة غير نظامية، مشيراً إلى أن المغرب التزم باستقبالهم مجدداً.

معركة سياسية تتجاوز سبتة
ويأتي التصعيد الأوروبي في وقت أصبحت فيه سبتة محوراً لصراع سياسي داخل إسبانيا نفسها، فحزب الشعب الإسباني حاول منذ بداية الأزمة نقل الملف إلى المستوى الأوروبي، معتبراً أن ما حدث لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد أزمة هجرة، بل يتعلق أيضاً بأمن الحدود الإسبانية والأوروبية.
في المقابل، دافع الاشتراكيون الإسبان وحلفاؤهم عن مقاربة مختلفة، رافضين تحميل المغرب المسؤولية السياسية المباشرة بالطريقة التي تقترحها قوى اليمين. وهكذا تحولت سبتة من أزمة حدودية محلية إلى ملف أوروبي يمس ثلاث قضايا مترابطة: الهجرة، والأمن الحدودي، والعلاقات الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب.

قرار سياسي ورسالة إلى الرباط
لا يعني القرار الأوروبي أن أزمة سبتة انتهت، ولا أنه يفرض تلقائياً عقوبات على المغرب، لكنه يمثل تحولاً سياسياً مهماً في طريقة طرح الملف داخل البرلمان الأوروبي، فالبرلمان دعا المغرب إلى تحمل مسؤولياته في مراقبة الحدود وإعادة المهاجرين، وانتقد في الوقت نفسه جوانب من سياسة الحكومة الإسبانية، بينما أظهر التصويت انقساماً واضحاً بين القوى السياسية الأوروبية.
وبالنسبة إلى مدريد والرباط، قد يكون الأهم في المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت هذه اللهجة ستتحول إلى إجراءات عملية في ملف التعاون الحدودي والتمويل الأوروبي، أم ستبقى ضمن حدود الضغط السياسي الذي كشف حجم الانقسام الأوروبي حول الهجرة والعلاقة مع المغرب.
إسبانيا بالعربي.

