آخر الأخبارمتفرقات

أرض بلا دولة.. ما قصة المناطق الثلاث التي لا تتبع لأي بلد في العالم؟

يوجد في العالم مناطق جغرافية نادرة لا تطالب أي دولة بالسيادة عليها بصورة واضحة، أو بقي وضعها مرتبطاً بنزاعات حدودية تعود إلى الحقبة الاستعمارية. ومن أبرز هذه الحالات منطقة بئر طويل بين مصر والسودان، ومنطقة غورنيا سيغا على الحدود الكرواتية الصربية، وأجزاء من أرض ماري بيرد في القارة القطبية الجنوبية. لكن وصف هذه المناطق بأنها «أراضٍ لا يملكها أحد» يحتاج إلى تدقيق قانوني، خصوصاً أن السلطات الكرواتية أكدت اختصاصها القضائي على غورنيا سيغا، رغم استمرار الخلاف الحدودي مع صربيا.

وأعاد تقرير نشرته صحيفة «20minutos» الإسبانية، الأحد 1 نوفمبر 2026، الاهتمام بهذه المناطق الثلاث، التي تقدم أمثلة مختلفة على تعقيدات السيادة والحدود الدولية. وتكشف تفاصيلها أن غياب المطالبة الإقليمية لا يعني بالضرورة غياب سلطة الدولة، كما أن إعلان تأسيس دولة جديدة على أرض غير مطالب بها لا يمنحها تلقائياً اعترافاً دولياً.

جيل تيد

بئر طويل.. منطقة بين مصر والسودان صنعتها حدود الحقبة الاستعمارية

تعد منطقة بئر طويل من أبرز الأمثلة التي تُذكر عند الحديث عن مفهوم «الأرض التي لا تطالب بها أي دولة»، وتقع في المنطقة الحدودية بين مصر والسودان، وتبلغ مساحتها نحو 2,060 كيلومتراً مربعاً، وفق الأرقام التي أوردها التقرير الإسباني.

ولا يرتبط وضعها بقرار حديث أو اتفاق يقضي بالتخلي عنها، بل يعود إلى اختلاف تاريخي في ترسيم الحدود خلال فترة الإدارة البريطانية.

ففي عام 1899، رُسم خط الحدود السياسية بين مصر والسودان على امتداد دائرة العرض 22 شمالاً. وبعد ذلك، أُنشئ عام 1902 خط إداري مختلف، أخذ في الاعتبار التوزيع الجغرافي للقبائل ومناطق نشاطها، ومن بينها قبيلة العبابدة.

وأدى اختلاف الخطين إلى نتيجة جغرافية وسياسية غير مألوفة: أصبح مثلث حلايب موضع مطالبة من مصر والسودان معاً، بينما بقيت بئر طويل خارج المطالبات الإقليمية للبلدين.

وتكمن المفارقة في أن مصر تستند إلى خط 1899 في موقفها بشأن حلايب، في حين تستند السودان إلى الترتيبات الإدارية لعام 1902. ويؤدي تبني أي من الخطين إلى نتيجة مختلفة بشأن المنطقة الأخرى.

وتشير دراسة أكاديمية نشرها الباحث دين كاراليكاس عام 2020، وأُدرجت في مستودع جامعة لانكشاير، إلى أن بئر طويل نتاج مباشر لهذا التعارض الحدودي، كما تلفت إلى أهمية الوجود التاريخي لقبيلة العبابدة في المنطقة، وهو جانب لا ينبغي تجاهله عند مناقشة وضعها القانوني.

غورنيا سيغا.. منطقة ارتبطت بإعلان تأسيس ليبرلاند

قع غورنيا سيغا (Gornja Siga) على ضفاف نهر الدانوب، في المنطقة الحدودية بين كرواتيا وصربيا، وتبلغ مساحتها نحو 7 كيلومترات مربعة، بحسب تقرير «20minutos».

ويرتبط وضع المنطقة بالخلاف بين البلدين حول المسار الذي ينبغي أن تتبعه الحدود الدولية على طول النهر.

فصربيا تعتبر مجرى الدانوب الحالي أساساً لتحديد الحدود، بينما تتمسك كرواتيا بالحدود العقارية والإدارية التاريخية التي تعود إلى مسارات أقدم للنهر، قبل التغييرات التي أحدثتها أعمال تنظيم المياه.

وقد أدى هذا الاختلاف إلى نزاع على عدة مناطق وجزر نهرية، بعضها خاضع لمطالبات متعارضة، بينما ظهرت مناطق أخرى في قلب الخلاف دون حسم نهائي لترسيم الحدود.

غابة إر وانغ دونغ

ليبرلاند.. إعلان الاستقلال لا يعني الاعتراف الدولي

في عام 2015، أعلن السياسي التشيكي فيت ييدليتشكا تأسيس كيان أطلق عليه اسم «جمهورية ليبرلاند الحرة» (Liberland)، واتخذ من غورنيا سيغا موقعاً لمشروعه السياسي ذي التوجه الليبرالي.

ويستند المشروع إلى فكرة أن المنطقة لا تطالب بها أي من الدولتين، ومن ثم يمكن إنشاء كيان مستقل فيها.

لكن إعلان تأسيس دولة لا يكفي لاكتساب الشخصية الدولية أو الحصول على اعتراف الدول الأخرى. وحتى الآن، لا تحظى ليبرلاند باعتراف أي دولة عضو في الأمم المتحدة.

حكم قضائي كرواتي في 29 يونيو 2026 يوضح الوضع

تكتسب القضية أهمية إضافية في ضوء حكم أصدرته المحكمة الإدارية في مدينة أوسييك الكرواتية بتاريخ 29 يونيو 2026.

وتتعلق القضية بنزاع إداري حول منع شخص من التخييم خارج الأماكن المخصصة لذلك في غورنيا سيغا، بعد تدخل مفتشي الدولة والشرطة الكرواتية في أغسطس 2025.

ورفضت المحكمة طلب إلغاء القرار الإداري، وأكدت في حيثيات حكمها أن السلطات الكرواتية تمارس اختصاصها القضائي على المنطقة، وأن ذلك كان أمراً معروفاً لا يحتاج إلى إثبات إضافي في القضية المعروضة عليها.

كما استندت المحكمة إلى مراسلات دبلوماسية بين كرواتيا وصربيا تعود إلى عام 2023، أبلغت فيها زغرب بلغراد بإجراءات المراقبة والرقابة في المنطقة، فيما أبدت صربيا تفهمها لأهمية منع تحويلها إلى منطقة بلا رقابة أو سيطرة.

والأهم أن الحكم أوضح أن القضية لا تتعلق بالفصل النهائي في الحدود الدولية بين البلدين، بل بمسألة قانونية وإدارية مرتبطة بالتخييم والاختصاص القضائي.

وبالتالي، لا يصح تقديم غورنيا سيغا على أنها منطقة خارجة تماماً عن سلطة الدول، أو اعتبار مشروع ليبرلاند دليلاً على نشوء دولة جديدة.

أرض ماري بيرد.. مساحة شاسعة غير مطالب بها في القارة القطبية الجنوبية

تختلف حالة أرض ماري بيرد (Marie Byrd Land) عن المثالين السابقين، فهي تقع في غرب القارة القطبية الجنوبية، وتُعد من أكبر المناطق البرية التي لم تقدم أي دولة مطالبة سيادية رسمية بها.

وتبلغ المساحة الإجمالية للمنطقة نحو 1.61 مليون كيلومتر مربع، وفق التقرير الإسباني، وتمتد بين الحاجز الجليدي لبحر روس والمناطق الساحلية الغربية للقارة.

وسُمّيت المنطقة بهذا الاسم عام 1929، تكريماً لماري بيرد، زوجة المستكشف الأمريكي ريتشارد بيرد، الذي قاد بعثات استكشافية إلى أجزاء من القارة القطبية الجنوبية.

وعلى الرغم من أن بعثات أمريكية استكشفت المنطقة وأجرت أنشطة فيها، فإن الولايات المتحدة لم تقدم مطالبة سيادية رسمية مؤكدة تشمل أرض ماري بيرد بأكملها.

ومن المهم التمييز هنا بين المنطقة الجغرافية الكاملة والأجزاء غير المطالب بها تحديداً، إذ تقع بعض المناطق القطبية المجاورة ضمن مطالبات إقليمية لدول أخرى، ومنها منطقة روس التي تطالب بها نيوزيلندا.

الداخلية الإسبانية تصدر قرارات بشأن أكثر من 3500 طلب تصريح إقامة

معاهدة أنتاركتيكا تمنع إنشاء مطالبات إقليمية جديدة

يرتبط الوضع القانوني للقارة القطبية الجنوبية بمعاهدة أنتاركتيكا، التي وُقعت في واشنطن في 1 ديسمبر 1959، ودخلت حيز التنفيذ عام 1961.

وتنظم المعاهدة استخدام القارة للأغراض السلمية والبحث العلمي، كما تتناول المادة الرابعة منها الخلافات المتعلقة بالمطالبات الإقليمية.

وتنص هذه المادة على أن الأنشطة التي تُجرى في القارة أثناء سريان المعاهدة لا يمكن استخدامها أساساً لإنشاء حقوق جديدة في السيادة الإقليمية أو دعم مطالبات جديدة، كما تمنع تقديم مطالبات جديدة أو توسيع المطالبات القائمة طوال فترة سريانها.

وتحافظ هذه الصيغة على المواقف القانونية المختلفة للدول، دون أن تعني إلغاء المطالبات السابقة أو الاعتراف بها جميعاً.

وبحسب الأمانة الرسمية لمعاهدة أنتاركتيكا ، فإن المعاهدة تحمي الوضع القائم للمطالبات الإقليمية، وتضمن استمرار التعاون العلمي والاستخدام السلمي للقارة.

ولهذا السبب، لا يمكن التعامل مع أرض ماري بيرد باعتبارها مساحة مفتوحة يمكن لأي دولة أو شخص إعلان امتلاكها بمجرد الوصول إليها.

ما الفرق بين الأراضي غير المطالب بها والدول غير المعترف بها؟

قد يبدو أن الحالات الثلاث متشابهة لأنها ترتبط بفكرة غياب السيادة أو الخلاف على الحدود، لكنها تختلف قانونياً وجغرافياً.

وتوضح المقارنة بينها أن مصطلح «أرض بلا دولة» لا يكفي وحده لتحديد الوضع القانوني لأي منطقة:

  • بئر طويل: منطقة لا تطالب مصر أو السودان بالسيادة عليها، بسبب التعارض بين خطي الحدود لعامي 1899 و1902.
  • غورنيا سيغا: منطقة مرتبطة بالخلاف الحدودي الكرواتي الصربي، لكن القضاء الكرواتي أكد ممارسة السلطات الكرواتية اختصاصها القضائي فيها.
  • أرض ماري بيرد: منطقة واسعة في أنتاركتيكا لم تُقدم بشأنها مطالبة سيادية رسمية، ضمن نظام قانوني دولي خاص ينظم المطالبات الإقليمية في القارة.

وتكشف هذه الأمثلة أن مفهوم «الأرض التي لا تتبع دولة» أكثر تعقيداً من مجرد وجود مساحة فارغة على الخريطة. فالتاريخ الاستعماري، والحدود الإدارية، والسيطرة الفعلية، والاتفاقيات الدولية، كلها عوامل تحدد الوضع القانوني للأقاليم.

أما بالنسبة إلى المشاريع التي تعلن تأسيس دول جديدة في مثل هذه المناطق، فإن إعلان الاستقلال من جانب واحد لا يمنحها تلقائياً صفة الدولة أو الاعتراف الدولي.

إسبانيا بالعربي

زر الذهاب إلى الأعلى