مخاوف الظلام تطلّ على إسبانيا.. تراجع جاهزية محطات الغاز يفاقم الضغط على شبكة الكهرباء
تواجه منظومة الكهرباء في إسبانيا ضغوطًا متزايدة مع تراجع جاهزية محطات توليد الطاقة العاملة بالغاز، في وقت بات فيه النظام الكهربائي يعتمد عليها بصورة أكبر لضمان استقرار الشبكة وتلبية احتياجاتها التشغيلية، خصوصًا منذ انقطاع الكهرباء الواسع الذي شهدته شبه الجزيرة الإيبيرية في 28 أبريل 2025.
وتكشف هذه التطورات عن مفارقة في قطاع الطاقة الإسباني: فالمحطات التي يُفترض أن توفر دعمًا احتياطيًا للشبكة أصبحت أكثر تعرضًا للتشغيل المتكرر، بينما تتراجع قدرة عدد منها على العمل بسبب الأعطال والحاجة إلى الصيانة، ما دفع مشغل الشبكة إلى إعادة النظر في مواعيد توقف محطات عدة لأعمال الصيانة.
نحو 35% من محطات الغاز خارج الخدمة أو غير متاحة
بحسب المعطيات التي أوردتها وسائل إعلام إسبانية نقلًا عن مشغل الشبكة الكهربائية «ريد إليكتريكا»، وصلت نسبة القدرة الإنتاجية لمحطات الدورة المركبة العاملة بالغاز التي لم تكن متاحة خلال بعض فترات الصيف إلى نحو 35%، أي إن المتاح للتشغيل لم يتجاوز 65% من القدرة المركبة لهذه المحطات.
وتشير بيانات نقلها قطاع الطاقة إلى أن نحو 10 غيغاواط من أصل 25 غيغاواط من القدرة المركبة لمحطات الدورة المركبة كانت غير متاحة أو خارج الخدمة، وهو ما يعادل قرابة 40% من إجمالي القدرة. ويعكس ذلك حجم التحديات التي تواجه هذه المحطات في وقت تزداد فيه أهميتها بالنسبة إلى توازن الشبكة.
«ريد إليكتريكا» تعيد النظر في مواعيد صيانة أكثر من 100 منشأة
أمام تراجع جاهزية عدد من محطات التوليد، طلبت «ريد إليكتريكا» من شركات الكهرباء إعادة جدولة مواعيد الصيانة المقترحة لأكثر من 100 منشأة إنتاج، خلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2026 إلى سبتمبر 2027.
وأوضح مشغل الشبكة أنه لم يفرض حظرًا عامًا على أعمال الصيانة، لكنه لم يوافق على بعض المواعيد التي اقترحتها الشركات، مطالبًا إياها بتقديم فترات بديلة أكثر ملاءمة لاحتياجات النظام الكهربائي.
وتشمل المنشآت المعنية محطات نووية ومحطات تعمل بالغاز، إلى جانب منشآت كهرومائية، فيما أكد المشغل الموافقة على بعض فترات الصيانة خلال أشهر محددة، من بينها الفترة الممتدة من مارس إلى يونيو 2027 وشهر سبتمبر، بالنسبة إلى بعض تقنيات الإنتاج.
التشغيل المتكرر يسرّع استهلاك المعدات
تعود جذور المشكلة، وفق تقارير القطاع، إلى زيادة الاعتماد على محطات الدورة المركبة منذ انقطاع الكهرباء في أبريل 2025. فقد لجأ مشغل الشبكة إلى تشغيلها بصورة أكثر كثافة للمساعدة في ضبط استقرار النظام، ولا سيما تنظيم الجهد الكهربائي والاستجابة للتغيرات في الشبكة.
لكن هذه المحطات لم تُصمم بالضرورة لتحمل عمليات تشغيل وإيقاف متكررة مرات عدة خلال اليوم. ويحذر ممثلو القطاع من أن هذا النمط يسرّع تآكل المعدات ويزيد الحاجة إلى الصيانة، ما يفاقم بدوره عدد المنشآت غير المتاحة للتشغيل.
وتشير بيانات نقلتها وسائل إعلام اقتصادية إلى أن حصة محطات الدورة المركبة من إنتاج الكهرباء في شبه الجزيرة ارتفعت من نحو 8% إلى 19.4%، في تحول يعكس الدور المتزايد الذي باتت تؤديه هذه المحطات في تشغيل المنظومة الكهربائية.

ارتفاع أسعار الكهرباء يزيد الضغوط
لا تقتصر تداعيات تراجع جاهزية محطات الغاز على الجوانب التقنية، بل تتزامن أيضًا مع ارتفاع أسعار الطاقة في السوق الإسبانية. فقد بلغ متوسط سعر الكهرباء في السوق بالجملة خلال سبتمبر 2026 نحو 143.26 يورو لكل ميغاواط ساعة، وهو أعلى مستوى شهري منذ عام 2022، بزيادة 21.1% مقارنة بأغسطس، و134.7% مقارنة بسبتمبر 2025.
وعزا تحليل مجموعة «آسي» هذا الارتفاع إلى زيادة أسعار الغاز والطلب على الكهرباء، إلى جانب تراجع إنتاج طاقة الرياح، ما رفع الحاجة إلى تشغيل محطات الدورة المركبة. ولا يعني سعر السوق بالجملة أن الفاتورة المنزلية ارتفعت بالنسبة نفسها، إذ تتأثر الفاتورة النهائية بنظام التعرفة والعقد والضرائب ومكونات أخرى.
تحديات ما بعد انقطاع الكهرباء في 2025
تأتي هذه التطورات في سياق الجدل المستمر بشأن طريقة إدارة الشبكة الإسبانية بعد الانقطاع الواسع للكهرباء في 28 أبريل 2025. فمنذ ذلك الحين، اعتمدت «ريد إليكتريكا» ما يُعرف بالتشغيل المعزز، مع زيادة الاستعانة بمحطات الغاز للمساعدة في استقرار الجهد الكهربائي.
وكانت المفوضية الأوروبية قد دعت إسبانيا في تقرير نشر خلال يونيو 2026 إلى تقليل الاعتماد المكثف على محطات الغاز في ضبط استقرار الشبكة، من خلال تعزيز الشبكات الكهربائية والربط مع الدول الأخرى وتوسيع قدرات تخزين الطاقة. لكن تطوير هذه البدائل يحتاج إلى استثمارات ووقت قبل أن يصبح قادرًا على تقليص دور محطات الغاز بصورة ملموسة.

هل يواجه الإسبان خطر انقطاع جديد للكهرباء؟
لا تعني محدودية توافر محطات الغاز، بحد ذاتها، أن انقطاعًا واسعًا للكهرباء بات وشيكًا أو حتميًا. لكنها تقلص هامش المرونة المتاح أمام مشغل الشبكة، خصوصًا في الفترات التي يرتفع فيها الطلب أو تتراجع فيها مساهمة مصادر أخرى، مثل طاقة الرياح.
وتكمن المعضلة في ضرورة الحفاظ على جاهزية المحطات لتوفير الطاقة والدعم التقني للشبكة، مع حاجتها في الوقت نفسه إلى الصيانة الدورية لتجنب الأعطال. وبين هذين الاحتياجين، تجد شركات الكهرباء ومشغل النظام نفسيهما أمام تحدي ضمان استمرارية الإمدادات من دون استنزاف المعدات أو تأجيل أعمال الصيانة الضرورية.
وبذلك، تكشف أزمة محطات الغاز عن أحد التحديات التي تواجه التحول الطاقي في إسبانيا: توسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، مع توفير وسائل كافية لتخزين الكهرباء وضمان استقرار الشبكة عندما لا يكون إنتاج الشمس والرياح كافيًا.
إسبانيا بالعربي.

