الزراعة في إسبانيا تدق ناقوس الخطر: حاجة إلى 10 آلاف شاب سنويًا لتعويض موجة التقاعد
يواجه القطاع الزراعي الإسباني أزمة متزايدة في تجديد اليد العاملة، مع توقع إحالة نحو 43 ألف مزارع ومربّي ماشية محترف إلى التقاعد بين نوفمبر 2026 وأكتوبر 2030، أي ما يعادل نحو 17% من العاملين المستقلين في القطاع. وفي مواجهة هذا النقص، ترى المنظمات الزراعية أن إسبانيا تحتاج إلى إدماج ما بين 8 آلاف و10 آلاف شاب سنوياً للحفاظ على استمرارية الإنتاج الزراعي والحيواني.
وتعيد هذه الأرقام فتح النقاش حول مستقبل العمل في الأرياف الإسبانية، وفرص دخول الشباب إلى مهن الزراعة وتربية المواشي، في وقت تواجه فيه هذه الفئة صعوبات مرتبطة بارتفاع تكلفة الأراضي، والحصول على التمويل، وضعف المردودية في بعض الأنشطة، فضلاً عن الإجراءات الإدارية المعقدة.
وتكتسب القضية أهمية أيضاً بالنسبة إلى المهاجرين العرب المقيمين في إسبانيا، خصوصاً المهتمين بالعمل الزراعي أو إطلاق مشاريع مهنية في المناطق الريفية، إذ يمكن أن تفتح الحاجة إلى تجديد الأجيال نقاشاً حول فرص الاندماج في هذا القطاع، وإن كانت الأرقام المعلنة لا تعني وجود 10 آلاف وظيفة شاغرة جاهزة للتقديم سنوياً.

43 ألف مزارع ومربّي ماشية سيحالون إلى التقاعد خلال أربع سنوات
تستند هذه التوقعات إلى مذكرة تقنية أعدتها منظمة COAG، وهي التنسيقية الإسبانية للمنظمات الزراعية ومربي الماشية، اعتماداً على بيانات الخزينة العامة للضمان الاجتماعي.
وتشير التقديرات إلى أن عدد العاملين المستقلين المحترفين في الزراعة وتربية المواشي يبلغ نحو 250,606 أشخاص، وأن ما بين 40 ألفاً و46 ألفاً منهم سيحالون إلى التقاعد خلال الفترة الممتدة من نوفمبر 2026 إلى أكتوبر 2030.
ويعني ذلك خروج نحو 10,800 عامل سنوياً من هذه الفئة المهنية، ما قد يؤدي إلى انخفاض عدد المسجلين في نظام العاملين لحسابهم الخاص بالقطاع الزراعي إلى حوالي 200 ألف شخص بحلول 2030، إذا لم يتم تعويض المتقاعدين بوافدين جدد.
وتؤكد COAG أن هذه الأرقام تخص المزارعين ومربي الماشية الذين يمثل النشاط الزراعي مصدر دخلهم المهني الأساسي والمسجلين ضمن نظام العمل المستقل، ولا تشمل جميع الأشخاص الذين يعملون في القطاع الزراعي.
لماذا يصعب على الشباب دخول القطاع الزراعي الإسباني؟
رغم الحاجة المتزايدة إلى جيل جديد من المزارعين، لا تزال بداية النشاط الزراعي تواجه عقبات مالية وإدارية تجعل دخول المهنة أمراً صعباً، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب الذين لا ينتمون إلى أسر تعمل في الزراعة.
ومن أبرز هذه العقبات صعوبة الحصول على الأراضي الزراعية، إذ يتطلب إطلاق مشروع زراعي امتلاك أرض أو استئجارها، إلى جانب توفير المعدات والتمويل اللازمين لتغطية تكاليف الإنتاج.
وترى المنظمات الزراعية أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدم اهتمام الشباب بالزراعة، بل أيضاً بغياب الظروف الاقتصادية التي تجعل العمل في هذا القطاع خياراً مهنياً مستقراً.
وفي هذا السياق، قالت إيفا مارين، رئيسة منظمة الشباب التابعة لـ«Asaja Joven»، إن القطاع لا يعاني بالضرورة من غياب الشباب الراغبين في العمل الزراعي، بل من نقص الفرص التي تسمح لهم بدخول المهنة والاستمرار فيها.
من جهته، شدد أندريس غونغورا، الأمين العام لمنظمة COAG، على أن نجاح إدماج الشباب يرتبط بقدرة المشاريع الزراعية التي ينضمون إليها على تحقيق مردودية اقتصادية تضمن استمرارها.

الأراضي الزراعية والتمويل.. أكبر عائق أمام الجيل الجديد
تعتبر مسألة الوصول إلى الأراضي من أبرز التحديات التي تواجه الراغبين في تأسيس مشاريع زراعية جديدة.
فالشخص الذي يريد دخول القطاع من دون امتلاك أرض عائلية أو خبرة سابقة في النشاط الزراعي يجد نفسه مضطراً إلى البحث عن أراضٍ للإيجار أو الشراء، وهو ما قد يرفع تكلفة الانطلاق ويجعل المشروع أكثر صعوبة من الناحية المالية.
وتدعو المنظمات الزراعية إلى تشجيع انتقال الأراضي من المزارعين الذين يقتربون من التقاعد إلى الشباب الراغبين في مواصلة النشاط، من خلال حوافز ضريبية ومالية تساعد الطرفين.
كما تطالب بتوسيع آليات تمويل المشاريع الجديدة، وتوفير قروض بشروط مناسبة وضمانات عمومية، حتى لا يضطر الشباب إلى الاعتماد حصرياً على مدخراتهم الشخصية.
وتحذر COAG أيضاً من تأثير دخول صناديق الاستثمار ورؤوس الأموال الكبيرة إلى السوق الزراعية على قدرة المزارعين الصغار والمتوسطين على المنافسة والحصول على الأراضي والمياه.
وبحسب البيانات التي استندت إليها المنظمة، تمتلك أكثر من 900 جهة استثمارية أراضي في شبه الجزيرة الإيبيرية تتجاوز قيمتها الإجمالية 100 مليار يورو. وهذه أرقام توردها المنظمة في وثيقتها، وليست إحصاءً مستقلاً جرى تأكيده من مصدر حكومي.
ما الإجراءات التي تطالب بها المنظمات الزراعية؟
في مواجهة أزمة تجديد الأجيال، تطالب المنظمات الزراعية الأربع الرئيسية في إسبانيا، وهي Asaja وCOAG وUPA وUnión de Uniones، بوضع خطة وطنية طويلة الأمد تضمن انتقال المهنة إلى جيل جديد من العاملين.
وتتضمن أبرز المقترحات المطروحة:
- تخصيص ما لا يقل عن 10% من ميزانية السياسة الزراعية المشتركة الأوروبية (PAC) لدعم دخول الشباب إلى القطاع.
- تقديم مساعدات مالية أكبر للأشخاص الذين يؤسسون مشاريع زراعية للمرة الأولى.
- توفير قروض تفضيلية وضمانات عامة لتسهيل تمويل المشاريع.
- منح حوافز ضريبية للمزارعين الذين يبيعون أراضيهم أو يؤجرونها للشباب.
- تسهيل انتقال المزارع من الجيل المتقاعد إلى الجيل الجديد، مع إمكانية استمرار المزارع السابق في تقديم الخبرة والتوجيه لفترة انتقالية.
- تطوير خدمات السكن والاتصال الرقمي والبنية التحتية في المناطق الريفية.
- تسهيل الإجراءات الإدارية وتوحيدها بين مختلف الأقاليم الإسبانية.
ومن بين الأفكار التي تحظى باهتمام خاص إنشاء نظام للتوجيه المهني الزراعي، يسمح للمزارعين ذوي الخبرة بمرافقة الشباب في السنوات الأولى من تأسيس مشاريعهم، ونقل المعرفة العملية إليهم.
وتعتبر المنظمات أن هذه الخطوة قد تساعد على تقليل مخاطر الفشل التي تواجه المشاريع الجديدة، خصوصاً في المراحل الأولى من النشاط.

الحكومة الإسبانية تقترح تخصيص 10% من أموال السياسة الزراعية للشباب
لا يقتصر النقاش حول تجديد الأجيال على المنظمات المهنية، بل أصبح أيضاً من أولويات وزارة الزراعة والصيد البحري والتغذية الإسبانية.
ففي 27 فبراير 2026، أعلن وزير الزراعة لويس بلاناس أن الحكومة تعتزم اقتراح تخصيص 10% من موارد السياسة الزراعية المشتركة للفترة التالية لعام 2027 لدعم إدماج الشباب والنساء في النشاط الزراعي، مقارنة بنسبة 6% الواردة في مقترح المفوضية الأوروبية الذي تحدث عنه الوزير آنذاك.
كما أوضح أن إسبانيا تخصص حالياً نحو 200 مليون يورو سنوياً ضمن الخطة الاستراتيجية الحالية للسياسة الزراعية المشتركة لدعم إدماج الشباب.
وتعمل الوزارة أيضاً على تطوير منصة «Tierra Joven»، التي تهدف إلى تحسين الوصول إلى معلومات الأراضي الزراعية المتاحة وربط العرض بالطلب، بما يساعد الشباب والنساء على العثور على فرص لإنشاء مشاريعهم.
ومن بين البرامج القائمة كذلك برنامج «Cultiva»، الذي يوفر فرصاً للتدريب العملي داخل مزارع نموذجية، بهدف نقل الخبرات والتقنيات الحديثة إلى المهنيين الزراعيين الشباب.
ويمكن الاطلاع على تفاصيل هذه المبادرات من خلال الموقع الرسمي لوزارة الزراعة الإسبانية .
هل تمثل هذه الأرقام فرصة عمل للمهاجرين العرب في إسبانيا؟
قد يثير النقص المتوقع في عدد المزارعين اهتمام المغاربة والجزائريين والتونسيين وغيرهم من المقيمين الأجانب الذين يرغبون في العمل بالقطاع الزراعي أو تأسيس نشاط مهني في المناطق الريفية الإسبانية.
لكن من الضروري التمييز بين الحاجة إلى تجديد الأجيال وبين وجود عروض عمل مفتوحة.
فالتوقعات المتعلقة بتقاعد 43 ألف مزارع لا تعني أن هناك 43 ألف وظيفة شاغرة جاهزة للتقديم، كما أن الحاجة إلى إدماج 10 آلاف شاب سنوياً لا تمثل برنامجاً للتوظيف أو الاستقدام من الخارج.
وتشمل الفرص المحتملة مسارين مختلفين:
الأول: العمل الزراعي لدى الشركات والمزارع.
وهو المسار الذي يمكن أن يشمل وظائف في الزراعة الموسمية والدائمة، وتربية المواشي، وتشغيل المعدات الزراعية، وجني المحاصيل، بحسب احتياجات أصحاب المشاريع والعروض المتاحة.
ويحتاج العامل الأجنبي إلى استيفاء الشروط القانونية المتعلقة بالإقامة وتصريح العمل، وفق وضعيته داخل إسبانيا وطبيعة العقد.
الثاني: تأسيس مشروع زراعي والعمل لحساب النفس.
ويهم الأشخاص الراغبين في إنشاء مزرعة أو استغلال أرض زراعية أو إطلاق نشاط في تربية المواشي.
ويتطلب هذا المسار الحصول على التصريح القانوني المناسب للعمل المستقل، والتسجيل في نظام الضمان الاجتماعي، واستيفاء الشروط الإدارية والمالية المرتبطة بالنشاط، فضلاً عن متطلبات الاستفادة من برامج الدعم عند توفرها.
وبالتالي، فإن أزمة التقاعد في القطاع الزراعي قد تخلق احتياجات مهنية واقتصادية جديدة، لكنها لا تمنح تلقائياً حق الإقامة أو العمل للأشخاص الموجودين خارج إسبانيا.

الزراعة الإسبانية أمام اختبار حاسم قبل 2030
تتجاوز أهمية تجديد الأجيال مسألة تعويض المزارعين المتقاعدين، إذ يرتبط مستقبل القطاع الزراعي بقدرة إسبانيا على المحافظة على إنتاجها الغذائي ومكانتها في الأسواق الدولية.
وتشير بيانات نقلتها صحيفة 20 Minutos إلى أن صادرات المنتجات الغذائية والزراعية الإسبانية تجاوزت 78 مليار يورو خلال السنة المرجعية التي تناولها التقرير، وهو ما يعكس الوزن الاقتصادي لهذا القطاع.
وفي ظل ارتفاع متوسط أعمار أصحاب الاستغلاليات الزراعية، وصعوبة الوصول إلى الأراضي والتمويل، بات توفير الظروف المناسبة لدخول الشباب إلى المهنة تحدياً اقتصادياً واجتماعياً يتطلب تنسيقاً بين الحكومة والأقاليم والمنظمات المهنية.
ويبقى السؤال الأساسي خلال السنوات المقبلة هو ما إذا كانت الإجراءات الحكومية والحوافز المالية المقترحة ستكون كافية لضمان انتقال المزارع من جيل إلى آخر، والحفاظ على استمرارية الإنتاج الزراعي في إسبانيا.
إسبانيا بالعربي.

