بهذه المقاتلات تريد إسبانيا التفوق على سلاح جو شمال إفريقيا
تشكل خطوة وصول مقاتلات “يوروفايتر هالكُن” (Eurofighter Halcón) نقطة تحول استراتيجية وفارقة في منظومة الدفاع الإسبانية، ولا تقتصر هذه الخطوة على كونها عملية إحلال وتجديد لطائرات “إف-18” (F-18) المخضرمة، بل تمثل تفعيلاً لمفهوم جديد من التفوق الجوي في مناطق حيوية ترتبط مباشرة بالأمن القومي الإسباني؛ وهي جزر الكناري، ومضيق جبل طارق، وشمال إفريقيا، ويأتي هذا التحرك في وقت تواصل فيه المملكة المغربية تسريع وتيرة تحديث ترسانتها العسكرية.
ويمنح برنامج “هالكُن” – الذي يتضمن تزويد الجيش الإسباني بـ 45 مقاتلة يوروفايتر جديدة موزعة على مرحلتين (هالكُن 1 وهالكُن 2) – سلاح الجو والفضاء الإسباني قدرات غير مسبوقة في مجالات المراقبة، والاعتراض الجوي، والردع العسكري. وتتميز الطائرات الجديدة بدمج رادارات مصفوفة المسح الإلكتروني النشط المتطورة (AESA E-Scan)، وأنظمة إلكترونيات طيران ومستشعرات من الجيل الجديد، فضلاً عن قدرتها على التسلح بصواريخ متطورة مثل صاروخ “ميتور” (Meteor)، وهو الصاروخ الأوروبي “جو-جو” الأطول مدى.

قفزة تكنولوجية تضاعف قدرة الرد السريع الإسباني
إن الفارق بين مقاتلات “إف-18” التقليدية وطائرات “يوروفايتر هالكُن” الجديدة لا يكمن فقط في قوة المحرك أو السرعة، بل يتعدى ذلك إلى مستويات معالجة البيانات والربط الشبكي. فالمقاتلات الجديدة قادرة على رصد أهداف متعددة على مسافات بعيدة للغاية، وتتبع التهديدات الجوية والبرية في آن واحد، إلى جانب قدرتها الفائقة على الصمود في بيئات الحرب الإلكترونية المعقدة.
وبفضل بنيتها الرقمية المتطورة، تتحول كل مقاتلة من طراز “هالكُن” إلى “مركز قيادة طائر” قادر على مشاركة البيانات الفورية (في الوقت الفعلي) مع الفرقاطات البحرية، وأنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المسيرة (الدرونز)، ومراكز التحكم الأرضية. هذا التكامل التكنولوجي يضاعف من قدرة إسبانيا على الاستجابة السريعة لأي طائرات غير محددة الهوية في أجواء تتقاطع فيها طرق بحرية استراتيجية وحركة طيران دولية مكثفة، إلى جانب نشاط عسكري متزايد في منطقة شمال إفريقيا.
وتتيح هذه المنظومة الحديثة للجيش الإسباني إمكانية الرصد المبكر، والتصنيف الدقيق للأهداف، والرد السريع؛ وهي ثلاثة عوامل حاسمة في بيئة إقليمية عزز فيها المغرب أسطوله الجوي بمقاتلات “إف-16” المطورة وأنظمة دفاعية بعيدة المدى.

قاعدة “غاندو” الجوية: قلب الاستراتيجية الدفاعية في جزر الكناري
في سياق هذه الاستراتيجية الجديدة، تتحول قاعدة “غاندو” الجوية (Gando) الواقعة في جزيرة “جران كناريا” إلى المركز الرئيسي والأهم لإدارة العمليات. فمن هذه القاعدة، يتم التحكم في الأجواء المحيطة بالأرخبيل، وتأمين جزء كبير من المداخل الغربية للبحر الأبيض المتوسط.
وتسهم طائرات “يوروفايتر هالكُن” في رفع سرعة الاعتراض الجوي، وتوسيع نطاق العمليات، مما يسمح بفرض مراقبة مستمرة ومكثفة فوق منطقة حيوية تتطلب من إسبانيا التدخل السريع خلال دقائق معدودة في حال حدوث أي طارئ أو اختراق أمني.
وقد تضاعفت الأهمية الاستراتيجية لجزر الكناري مؤخراً نتيجة للاضطرابات السياسية والأمنية في شمال إفريقيا، وتزايد حركة الملاحة البحرية باتجاه القارة الأوروبية، بالإضافة إلى المحورية الجيوسياسية للممرات الأطلسية. وبامتلاكها لعائلة مقاتلات “هالكُن”، ترفع إسبانيا من جاهزية الردع العسكري لديها؛ فكلما زادت قدرة الدولة على الاستجابة الفورية والفعالة، تراجعت احتمالية إقدام أي أطراف إقليمية منافسة على اتخاذ خطوات تصعيدية أو المخاطرة بتهديد أمنها.
إسبانيا بالعربي.

