تقرير أمني يفجّر مفاجأة بشأن التسوية الجماعية في إسبانيا: من أين ظهر 400 ألف مهاجر؟
فجر تقرير أمني جديد صادر عنفجر تقرير أمني جديد صادر عن الشرطة الوطنية الإسبانية مفاجأة من العيار الثقيل بشأن ملف الهجرة غير النظامية، بعدما كشف عن معطيات وصفت بـ “الصادمة” حول عملية تسوية الأوضاع الاستثنائية التي أطلقتها الحكومة الإسبانية.
وبحسب التقرير الذي كشفت عنه صحيفة The Objective الإسبانية، فإن التقديرات والتحقيقات الأمنية أظهرت أن ما لا يقل عن 400 ألف مهاجر غير نظامي قد اندمجوا في مسار هذه التسوية الإدارية الاستثنائية دون أن يستوفوا واحداً من أبرز الشروط وأكثرها أهمية، وهو الشرط الذي وضعته الحكومة نفسها والمتعلق بإثبات الإقامة المستمرة والفعلية داخل الأراضي الإسبانية لمدة لا تقل عن خمسة أشهر كاملة قبل تاريخ الأول من يناير 2026.

هذا الرقم الضخم أثار موجة من الجدل السياسي والأمني داخل البلاد، حيث يرى المتخصصون في إدارة شؤون الأجانب والحدود أن هذا الإقبال غير المتوقع هو النتيجة المباشرة لما يُعرف بـ “تأثير الجذب القوي” (Efecto Llamada)، وهو التأثير الذي نتج عن الإعلان عن المبادرة الحكومية ودفع ألفاً من الأشخاص المقيمين في دول أوروبية أخرى تُطبق سياسات هجرة صارمة ومشددة إلى الانتقال سريعاً نحو إسبانيا للحصول على الإقامة القانونية.
الفجوة بين الحسابات الحكومية والواقع الميداني: ملايين الطلبات المتراكمة
أوضحت القيادات الشرطية الإسبانية أن القراءة التحليلية للحجم النهائي للطلبات المقدمة جاءت لتؤكد صحة التحذيرات والتحفظات التي أبادتها الأجهزة الأمنية منذ عدة أشهر. ففي الوقت الذي كانت تدافع فيه الحكومة الإسبانية عن خطتها وتتوقع أن تشمل عملية التسوية ما يقارب 500 ألف شخص فقط من المقيمين على أراضيها بطريقة غير شرعية، جاء الإعلان الرسمي الصادر عن وزارة الهجرة في نهاية شهر يونيو ليشكل صدمة للأوساط التنفيذية.
فقد أعلنت الوزارة عن تسجيل رقم قياسي غير مسبوق تجاوز كافة التوقعات، حيث بلغت حصيلة الطلبات المودعة 1.17 مليون طلب تسوية. ويرى الخبراء الأمنيون الذين جرت استشارتهم أن هذه الفجوة الشاسعة والهائلة بين تقديرات الحكومة الأولية وبين عدد الطلبات المسجلة فعلياً لا يمكن تفسيرها بوجود أخطاء إحصائية بسيطة، بل هي دليل قاطع على وقوع حركة تدفق هجرة استثنائية وغير مسبوقة نحو البلاد فور الإعلان عن تفاصيل هذه المبادرة.
التحذيرات المبكرة للشرطة: سيناريو متوقع وانتشار واسع عبر الإنترنت
لم تكن هذه الأرقام المفاجئة غائبة عن حسابات الأجهزة الأمنية؛ إذ تشير المعطيات إلى أن “المديرية العامة لشؤون الأجانب والحدود” التابعة للشرطة الوطنية كانت قد رسمت ملامح هذا السيناريو بدقة في تقرير استخباراتي داخلي أُعد في شهر فبراير الماضي.
ففي ذلك الوثيقة الأمنية، وضع الخبراء توقعات مختلفة تماماً عن توقعات الحكومة، حيث رفعوا الرقم المحتمل للمستفيدين من العملية ليصل إلى 1.25 مليون شخص. وحذر التقرير في ذلك الوقت من أن الإجراءات الحكومية المزمع اتخاذها باتت تحظى بتغطية واهتمام دولي واسع النطاق عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية ومجموعات التواصل المغلقة.
وأكدت التقديرات حينها أن مبادرة التسوية لن تقتصر على تسوية أوضاع المهاجرين المقيمين بالفعل داخل إسبانيا، بل ستشكل حافزاً كبيراً يشجع على إعادة تحريك وتنقل أعداد غفيرة من المهاجرين المقيمين في وضع غير قانوني داخل بلدان أخرى تابعة للاتحاد الأوروبي.

عصابات تهريب البشر وتزوير المستندات: استغلال الأمل التجاري
على ضوء هذه المستجدات، كشفت التحريات التي باشرتها “الوحدة المركزية لمكافحة شبكات الهجرة والتزوير الوثائقي” (Ucrif)، من خلال تقصي حركة شبكات التواصل الاجتماعي وتبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية مع أجهزة الشرطة في الدول المجاورة، عن نشاط مكثف للمنظمات الإجرامية.
وأوضحت المصادر الشرطية المتخصصة أن الشبكات المتخصصة في الاتجار بالبشر وتزوير الوثائق والمستندات الرسمية قد استغلت حالة الترقب والأمل التي أحدثها القرار الحكومي لدى المهاجرين. وقامت هذه العصابات بتطوير خدماتها غير القانونية عبر عرض عقود عمل وهمية، وشواهد سكن مزورة، ووثائق إدارية مفبركة على الأشخاص الراغبين في التقديم والذين لا يستوفون الشروط الشديدة المنصوص عليها، وذلك مقابل مبالغ مالية باهظة.
القراءة الاقتصادية لبيانات الهجرة: تأكيد صريح لتأثير “عامل الجذب”
لتأكيد هذه الأطروحة، يستند قادة جهاز الأجانب بالشرطة إلى الأرقام الصادرة عن المؤسسات البحثية والمالية المستقلة؛ حيث أشارت التقديرات التي نشرتها مؤسسة “فونكاس” (Funcas) مع بداية عام 2026 إلى أن إجمالي عدد المهاجرين غير النظاميين المقيمين في إسبانيا يبلغ حوالي 840 ألف شخص.
وكان هذا الرقم يتوافق مع الرؤية الأولية للحكومة إذا ما أُخذ بعين الاعتبار أن نسبة تتراوح بين 60% و70% فقط من المهاجرين المقيمين هم من تتوافر فيهم والشروط القانونية والإدارية الكاملة للمشاركة في عملية التسوية. أما النسبة المتبقية فتعود إما لأشخاص يجهلون الشروط المنظمة أو لمن وقعوا ضحايا لعمليات احتيال من طرف شبكات التزوير.
ويرى المسؤولون في الشرطة أن القفزة الكبيرة في أعداد الطلبات إلى 1.17 مليون ملف تشكل دليلاً دامغاً على أن ما لا يقل عن 400 ألف شخص وصلوا إلى إسبانيا خصيصاً للالتحاق بهذا المسار الاستثنائي، مستخدمين في ذلك الرحلات الجوية، والخطوط البرية، أو التسلل عبر الحدود البحرية.

تحديات المراجعة الأمنية وتهميش دور الشرطة في تدقيق الملفات
رغم هذه الاستنتاجات التفصيلية، تعترف الأجهزة الشرطية بالصعوبة البالغة التي تواجهها في إثبات حالات التزوير والتحايل بشكل فردي ومستقل لكل ملف على حدة، نظراً للحجم الهائل للطلبات المتراكمة وضيق الوقت المتاح لمعالجتها.
وما يزيد من تعقيد الوضع، حسب مصادر أمنية رفيعة، هو القرار الذي اتخذته “وزارة الهجرة” باستبعاد جهاز الشرطة الوطنية وتهميش دوره في محطات أساسية من عملية فحص وتدقيق وثائق المتقدمين. فقد لَجأت الوزارة إلى الاستعانة بجهات وشركات خارجية (Externalización) لإدارة وتسيير الجانب الإداري من المعاملات. وتعتبر القيادات الشرطية أن هذا الإجراء الإداري أضعف قدرة الأجهزة الأمنية على التحقق من صحة المستندات وملاحقة التجاوزات الخاطئة في وقتها المناسب.
إسبانيا بالعربي.
