اشترك في قناتنا على الواتساب
انقر هنا
من عبق التاريخ

خوانا الأولى.. الملكة الإسبانية التي عذبت لرفضها محاكم التفتيش

تُعد خوانا الأولى ملكة قشتالة وأراغون، المعروفة تاريخياً بلقب «خوانا المجنونة» أو «خوانا لا لوكا»، واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ إسبانيا. فقد حكمت قشتالة بين عامي 1504 و1555، وكانت وريثة واحدة من أقوى الأسر الملكية في أوروبا، كما أنها والدة الإمبراطور شارل الخامس، الذي حكم إمبراطورية مترامية الأطراف امتدت عبر أوروبا والعالم الجديد.

ورغم أن التاريخ الرسمي وصفها بالجنون، فإن العديد من الدراسات الحديثة ترى أنها كانت ضحية صراع سياسي على السلطة، شارك فيه والدها الملك فرناندو الثاني، وزوجها فيليب الوسيم، ثم ابنها شارل الخامس.

أصول خوانا الأولى ونشأتها

وُلدت خوانا الأولى في مدينة طليطلة الإسبانية يوم 6 نوفمبر 1479، وهي الابنة الثالثة للملكين الكاثوليكيين إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة وفرناندو الثاني ملك أراغون.

تنحدر خوانا من أسرة تراستامارا الحاكمة، وكانت جزءاً من مشروع سياسي ضخم هدف إلى توسيع نفوذ إسبانيا عبر التحالفات الملكية والزواج السياسي.

لوحة زيتية للملكين الإسبانييْن الكاثوليكييْن، فرناندو ملك أراجون يسارًا، وإيزابيلا ملكة قشتالة يمينُا- ويكيبيديا
لوحة زيتية للملكين الإسبانييْن الكاثوليكييْن، فرناندو ملك أراجون يسارًا، وإيزابيلا ملكة قشتالة يمينُا- ويكيبيديا

الزواج من فيليب الوسيم

في إطار سياسة التحالفات الأوروبية، تم تزويج خوانا عام 1496 من فيليب هابسبورغ المعروف بلقب «فيليب الوسيم»، ابن الإمبراطور ماكسيميليان الأول.

كان هذا الزواج من أنجح الزيجات السياسية في أوروبا من الناحية الدبلوماسية، إذ مهّد لانتقال النفوذ الإسباني إلى أسرة هابسبورغ، لكن الحياة الزوجية لم تكن سعيدة.

أحبت خوانا زوجها حباً شديداً، بينما عُرف فيليب بعلاقاته المتعددة وخياناته المتكررة، الأمر الذي تسبب في معاناة نفسية كبيرة للملكة الشابة وأشعل نوبات من الغيرة الحادة.

كيف أصبحت وريثة عرش إسبانيا؟

لم تكن خوانا في البداية المرشحة الأولى لخلافة العرش، لكن سلسلة من الوفيات داخل الأسرة الملكية غيّرت مجرى الأحداث. فقد توفي شقيقها الأمير خوان، ثم شقيقتها إيزابيلا، وبعدها ابن شقيقتها الأمير ميغيل، ليصبح الطريق مفتوحاً أمام خوانا لتكون الوريثة الشرعية لعرش قشتالة. وعند وفاة والدتها الملكة إيزابيلا الأولى عام 1504، أصبحت خوانا ملكة قشتالة رسمياً.

بداية الصراع على السلطة

لم يكن والدها فرناندو الثاني راغباً في التخلي عن النفوذ داخل قشتالة، كما أن زوجها فيليب كان يسعى إلى حكم المملكة بنفسه. وفي خضم هذا الصراع ظهرت لأول مرة اتهامات بعدم أهلية خوانا العقلية.

ففي الوقت الذي كان فرناندو يصف ابنته بأنها غير قادرة على الحكم، كان فيليب يستخدم حقوقها الشرعية للمطالبة بالسلطة، ما يكشف حجم التناقض السياسي الذي أحاط بقضيتها.

شعار خوانا ملكة قشتالة
شعار خوانا ملكة قشتالة

وفاة فيليب الوسيم والاتهام بالجنون

في عام 1506 توفي فيليب الوسيم بشكل مفاجئ، وهو الحدث الذي غيّر حياة خوانا بالكامل.

انتشرت روايات تقول إن الملكة انهارت بعد وفاة زوجها، وإنها رفضت مفارقته، بل ورافقت نعشه خلال تنقلاته لفترات طويلة.

ومن هنا بدأت أسطورة «الملكة المجنونة».

وتقول بعض الروايات التاريخية إنها كانت تحتفظ بجثمان زوجها المحنط أو تصر على رؤيته باستمرار، وهو ما ساهم في ترسيخ صورة المرأة التي فقدت عقلها بسبب الحب.

لكن عدداً من المؤرخين يشيرون إلى أن هذه القصص ربما جرى تضخيمها لخدمة أهداف سياسية.

هل كانت خوانا مجنونة حقاً؟

خلال القرن التاسع عشر أعاد الباحث الألماني غوستاف أدولف برغنروت دراسة الوثائق المحفوظة في أرشيف سيمانكاس الإسباني، وكشفت أبحاثه عن معطيات جديدة شككت في الرواية التقليدية.

كما توصل الباحث كارل هيلبرانت إلى نتائج مشابهة، معتبراً أن خوانا كانت ضحية تلاعب سياسي أكثر من كونها مريضة عقلياً.

ويرى عدد من المؤرخين أن رفضها لبعض الممارسات الدينية السائدة وانتقادها لمحاكم التفتيش جعلها شخصية غير مرغوب فيها لدى بعض رجال الدين والنخب الحاكمة.

سجن خوانا الأولى لأكثر من 40 عاماً

بعد وفاة زوجها، أمر والدها فرناندو الثاني بعزلها واحتجازها في تورديسيلاس عام 1509 تقريباً.

وعندما توفي فرناندو عام 1516، انتقلت السلطة إلى ابنها شارل الخامس، الذي أبقى والدته في السجن رغم أنها ظلت ملكة قشتالة رسمياً.

عاشت خوانا في عزلة قاسية لأكثر من أربعة عقود، وسط ظروف صعبة ومراقبة مشددة، بينما كان الحكام الفعليون يديرون شؤون المملكة باسمها.

شجرة النسب لخوانا الأولى
شجرة النسب لخوانا الأولى

ثورة البلديات وشهادة على سلامة عقلها

خلال ثورة البلديات القشتالية عام 1520 تمكن الثوار من الوصول إلى خوانا وإطلاق سراحها مؤقتاً. وحاول المتمردون إقناعها بدعم حركتهم ضد نفوذ الفلاندرين الموالين لابنها شارل الخامس.

لكنها رفضت التوقيع على الوثائق التي تمنح الشرعية للثورة، وهو ما اعتبره كثيرون دليلاً على أنها كانت تدرك تماماً أبعاد الموقف السياسي.

كما نقلت بعض المصادر المعاصرة شهادات تؤكد أنها كانت تتمتع بقدر كبير من الوعي والإدراك، خلافاً للصورة التي رُسمت عنها.

وفاة خوانا الأولى

أمضت خوانا بقية حياتها في تورديسيلاس حتى توفيت في 12 أبريل 1555 عن عمر ناهز 75 عاماً. ودُفنت في المصلى الملكي بكاتدرائية غرناطة إلى جانب زوجها فيليب الوسيم ووالديها الملكين الكاثوليكيين.

أبناء خوانا الأولى

أنجبت خوانا الأولى وفيليب الوسيم ستة أبناء لعبوا أدواراً مهمة في تاريخ أوروبا:

  • إليونورا: ملكة البرتغال ثم ملكة فرنسا.
  • شارل الخامس: إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة وملك إسبانيا.
  • إيزابيلا: ملكة الدنمارك.
  • فرديناند الأول: إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة لاحقاً.
  • ماريا: ملكة بوهيميا والمجر.
  • كاتارينا: ملكة البرتغال.

لا يزال الجدل قائماً حول حقيقة الحالة العقلية لخوانا الأولى ملكة قشتالة وأراغون. فبينما رسخت الرواية التقليدية لقب «الملكة المجنونة»، يرى العديد من المؤرخين المعاصرين أنها كانت ضحية لصراعات السلطة داخل الأسرة الحاكمة، وأن اتهامها بالجنون استُخدم لتجريدها من سلطاتها السياسية وإبعادها عن الحكم.

وبين الحب المأساوي، والمؤامرات السياسية، والسجن الطويل، تبقى قصة خوانا الأولى واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ إسبانيا وأوروبا.

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى