لماذا خرج الإسبان إلى الشوارع؟ أزمة السكن تشعل الغضب والأسعار تحطم الأرقام القياسية
لم تعد أزمة السكن في إسبانيا مرتبطة فقط بارتفاع أسعار المنازل أو صعوبة العثور على شقة للإيجار، بل تحولت إلى مشكلة تتداخل فيها الزيادة السكانية مع نقص المعروض، وارتفاع تكلفة السكن بوتيرة تفوق نمو الأجور، وتراجع قدرة قطاع البناء على مواكبة عدد الأسر الجديدة، إلى جانب محدودية مخزون السكن الاجتماعي.
وخلال السنوات الأخيرة، اتسعت الفجوة بين عدد الأشخاص والأسر الباحثين عن مسكن وبين عدد المنازل التي تدخل السوق فعلياً، لتصل أسعار شراء العقارات والإيجارات إلى مستويات قياسية. ووفق بيانات نقلتها صحيفة «20 مينوتوس»، ارتفع سعر شراء المساكن في إسبانيا بنسبة 52.6% منذ عام 2021، بينما زادت الإيجارات بنسبة 43.8% خلال الفترة نفسها.
وتكشف الأرقام أن المشكلة لم تظهر فجأة، وإنما تراكمت على مدى سنوات، بدءاً من آثار انهيار القطاع العقاري بعد الأزمة السابقة، مروراً بالنمو السكاني وتغير أنماط السكن، وصولاً إلى ارتفاع الطلب في المدن الكبرى والمناطق السياحية.

ثمن المنزل يقترب من 8.4 سنوات من دخل الأسرة
أصبح امتلاك منزل في إسبانيا يتطلب جهداً مالياً أكبر بكثير مما كان عليه قبل سنوات. وبحسب بيانات بنك إسبانيا التي أوردها التقرير، يعادل سعر المنزل حالياً نحو 8.4 سنوات كاملة من دخل الأسرة المتوسط، وهو أعلى مستوى من حيث الجهد المطلوب لشراء مسكن منذ بداية عام 2011.
وقبل عامين فقط، كان هذا المؤشر يتجاوز بقليل سبع سنوات من الدخل. كما أصبحت الأسر تخصص في المتوسط نحو 38% من دخلها لسداد أقساط الرهن العقاري، وهي نسبة تتجاوز العتبة التي تعتبر عادةً مؤشراً على ارتفاع عبء السكن.
ويزداد الضغط لأن أسعار العقارات تحركت بوتيرة أسرع بكثير من الأجور. ووفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، ارتفعت أسعار المساكن خلال السنوات الثلاث الأخيرة بنحو ثلاثة أضعاف سرعة ارتفاع الرواتب تقريباً. كما تجاوزت أسعار العقارات بالفعل مستويات الذروة المسجلة خلال فترة الفقاعة العقارية السابقة، عند احتسابها من دون خصم أثر التضخم.
أكثر من 52% زيادة في أسعار المساكن منذ 2021
منذ عام 2021، ارتفعت أسعار المساكن في إسبانيا بنسبة 52.6%، فيما بلغت الزيادة خلال عام واحد فقط 12.2%، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
وتؤكد بيانات المعهد الوطني للإحصاء الاتجاه نفسه؛ فقد سجل مؤشر أسعار المساكن في الربع الثاني من عام 2026 ارتفاعاً سنوياً قدره 12.2%، مع زيادة بلغت 12.9% في أسعار المساكن المستعملة و7.4% في المساكن الجديدة.
وفي المقابل، لم تتجاوز الزيادة المتوسطة المتفق عليها في الأجور عبر الاتفاقيات الجماعية هذا العام نحو 3%.
وبحسب وزارة الإسكان، يبلغ متوسط سعر مسكن مساحته 80 متراً مربعاً نحو 188,500 يورو، لكن الفارق يصبح كبيراً في المدن الأكثر طلباً.
فالمسكن نفسه بهذه المساحة يصل، وفق الأرقام الواردة في التقرير، إلى نحو 433,500 يورو في مدريد و368,000 يورو في برشلونة.

الإيجار لم يعد بديلاً سهلاً عن الشراء
ارتفاع أسعار الشراء دفع مزيداً من الأسر، وخصوصاً الشباب، إلى سوق الإيجار، لكن هذا السوق نفسه أصبح أكثر كلفة، فالإيجارات ارتفعت بنسبة 43.8% منذ عام 2021، وبنسبة 5.6% خلال عام واحد، بينما تجاوز متوسط إيجار مسكن بمساحة 80 متراً مربعاً حاجز 1,200 يورو شهرياً في إسبانيا، وفق البيانات التي أوردها التقرير.
وتغيرت تركيبة الأسر المستأجرة بشكل واضح أيضاً. فوفق المعهد الوطني للإحصاء، أصبح نصف الأسر التي تقل أعمار أفرادها عن 30 عاماً تقريباً يعيشون في مساكن مستأجرة، بينما تبلغ النسبة نحو الثلث بين الأسر التي تتراوح أعمار أفرادها بين 30 و44 عاماً.
وقبل عقدين، كانت النسب أقل بكثير، إذ بلغت 31.5% لدى من هم دون 30 عاماً و15% لدى الفئة بين 30 و44 عاماً. وفي الوقت نفسه، تأخر سن الاستقلال عن منزل الأسرة، ليتجاوز حالياً 30 عاماً.
إسبانيا تكسب سكاناً أسرع مما تبني منازل
أحد المفاتيح الأساسية لفهم الأزمة يكمن في الفجوة بين تكوين الأسر الجديدة وعدد المنازل التي يجري بناؤها.
فقد ارتفع عدد سكان إسبانيا من نحو 47.4 مليون نسمة عام 2021 إلى 49.8 مليوناً عام 2026.
وخلال السنوات الخمس الماضية، تشكل في المتوسط نحو 240 ألف أسرة جديدة سنوياً، في حين بدأ بناء متوسط يقارب 121,600 مسكن سنوياً، ولم يتجاوز عدد المساكن المكتملة نحو 93,600 مسكن سنوياً.
وهكذا نشأت فجوة واضحة بين الطلب الجديد والمعروض الفعلي.
ويقدر بنك إسبانيا أن العجز المتراكم بين عامي 2021 و2025 وصل إلى نحو 750 ألف مسكن.
لكن جذور المشكلة تعود إلى ما هو أبعد من السنوات الأخيرة.

جرح الفقاعة العقارية لم يختفِ بالكامل
عندما انهار القطاع العقاري الإسباني بعد سنوات الازدهار السابقة، تراجع البناء بصورة حادة، فبعد أن تجاوز عدد المساكن المكتملة 600 ألف وحدة عام 2008، هبط إلى نحو 36 ألفاً فقط عام 2013.
ورغم أن البناء بدأ يتعافى تدريجياً في السنوات الأخيرة، فإنه لم يصل بعد إلى المستوى الذي يسمح بمواكبة العدد المتزايد من الأسر الجديدة، وفق المعطيات التي يستند إليها التقرير.
وهذا ما جعل الأزمة الحالية مختلفة عن فقاعة العقارات السابقة: المشكلة الحالية لا تقوم فقط على ارتفاع الأسعار، وإنما أيضاً على نقص المعروض في الأماكن التي يتركز فيها الطلب.
ويشير النص الرسمي للمرسوم الحكومي الأخير بشأن السكن إلى أن إسبانيا تحتاج، وفق تقديرات بنك إسبانيا، إلى نحو 750 ألف مسكن لتغطية تكوين الأسر خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.
منازل موجودة.. لكنها لا تدخل سوق السكن التقليدي
ولا يتعلق نقص المعروض فقط بعدد المنازل الجديدة التي يجري بناؤها، فجزء من المخزون العقاري الموجود تغير استخدامه، مع توسع الإيجارات السياحية والإيجارات الموسمية وغيرها من الاستخدامات غير السكنية التقليدية.
وبحسب البيانات التي أوردها التقرير، يوجد في إسبانيا نحو 341 ألف مسكن سياحي، فيما يقدر بنك إسبانيا عدد العقارات الموجودة لدى أجانب غير مقيمين أو المخصصة للإيجار السياحي بنحو 900 ألف عقار.
وفي الوقت نفسه، توسع الإيجار الموسمي بصورة كبيرة، فإعلانات هذا النوع من الإيجار تضاعفت أكثر من مرة منذ عام 2023، بينما تراجعت المعروضات الخاصة بالإيجار السكني التقليدي بنحو 20%، وفق البيانات التي نقلها التقرير عن منصة «إيدياليستا».
وتشير تقديرات مرصد الإيجار التابع لمؤسسة «ألكيلير سيغورو» إلى أن عدد المساكن المعروضة للإيجار انخفض من نحو 1.05 مليون مسكن عام 2021 إلى 660,993 مسكناً عام 2026.
الحلقة الأضعف: السكن الاجتماعي
حتى لو تمكنت إسبانيا من زيادة البناء، تبقى مشكلة أخرى مرتبطة بحجم السكن الاجتماعي المتاح للأسر ذات الدخل المحدود. ووفق آخر تقرير لوزارة الإسكان بشأن هذا الملف، والذي يعود إلى عام 2025، لا يمثل السكن الاجتماعي سوى 3.3% من إجمالي مخزون المساكن في إسبانيا، أي أقل من 1.3 مسكن اجتماعي لكل 100 نسمة.
وتظهر الفجوة بوضوح عند المقارنة مع دول أوروبية أخرى؛ إذ تصل النسبة إلى نحو 29% في هولندا، و24% في النمسا، و20% في الدنمارك، و17% في فرنسا، وفق البيانات نفسها.
كما أشار تقرير لوكالة الأنباء الإسبانية إلى أن السكن العام يمثل نحو 1.5% فقط من إجمالي المخزون العقاري في إسبانيا، ما يحد من قدرة القطاع العام على امتصاص صدمات الأسعار وتوفير بدائل للأسر التي لا تستطيع تحمل أسعار السوق.

مفارقة قديمة: ملايين المساكن المحمية لم تبقَ كلها عامة
تكشف البيانات الرسمية عن جانب آخر من المشكلة، فخلال العقود الماضية، بُني في إسبانيا أكثر من مليوني مسكن محمي بدعم عام، لكن عمليات فقدان صفة الحماية وتحول بعض هذه المساكن إلى ملكيات خاصة أدت إلى تراجع المخزون الذي تملكه الإدارات العامة.
وبحسب النص الرسمي للمرسوم الحكومي الصادر في سبتمبر 2026، لا تملك الإدارات العامة حالياً سوى ما يزيد قليلاً على 300 ألف مسكن من تلك المساكن المحمية التي شُيدت تاريخياً بدعم من المال العام. وهذا يفسر جزئياً لماذا أصبح بناء مخزون عام دائم أحد المحاور الأساسية في سياسات السكن الحالية.
الحكومة تتحرك وسط أزمة متصاعدة
تأتي هذه الأرقام في وقت وضعت فيه الحكومة الإسبانية السكن في صدارة أجندتها، وأقرت في نهاية سبتمبر مرسوماً بقانون يتضمن إجراءات عاجلة لحماية الوظيفة الاجتماعية للمساكن وتوسيع العرض بأسعار ميسرة.
وينص المرسوم، من بين إجراءات أخرى، على تمديد استثنائي لعقود الإيجار وتقييد زيادات معينة في الإيجارات حتى نهاية عام 2027، إلى جانب إجراءات مرتبطة بحماية المستأجرين وتوسيع العرض السكني الميسر.
لكن معالجة فجوة عمرها سنوات لا يمكن أن تتم بمجرد إجراء واحد، خصوصاً أن بناء المساكن يحتاج إلى وقت، فيما يتركز الطلب بشدة في المدن الكبرى والمناطق التي ترتفع فيها فرص العمل والنشاط الاقتصادي والسياحي.
وتبقى المعادلة الأساسية واضحة: إسبانيا شهدت زيادة سريعة في عدد السكان والأسر، بينما لم يرتفع المعروض السكني بالسرعة نفسها، في وقت أصبح فيه جزء من المساكن يستخدم لأغراض أخرى، ولم يتطور مخزون السكن الاجتماعي بما يكفي لتغطية الطلب.
لهذا تبدو أزمة السكن الحالية نتيجة تراكم طويل بين العرض والطلب والأسعار والقدرة المحدودة على توفير السكن الاجتماعي، وليس مجرد موجة مؤقتة في سوق العقارات.
ومع استمرار أسعار المساكن في الارتفاع بنسبة 12.2% سنوياً حتى الربع الثاني من 2026، يبقى التحدي أمام إسبانيا مزدوجاً: زيادة عدد المساكن في الأماكن التي يتركز فيها الطلب، وفي الوقت نفسه ضمان أن يكون جزء أكبر من هذا العرض متاحاً بأسعار تستطيع الأسر تحملها.
إسبانيا بالعربي.

