آخر الأخبارشؤون إسبانية

سبتة والهجرة من المغرب: من يحق لإسبانيا إعادته بعد موجة العبور الجماعي؟

بعد عبور أكثر من 72 ألف شخص إلى سبتة خلال موجة الهجرة الجماعية الأخيرة، تواجه إسبانيا معضلة قانونية وإنسانية معقدة: من يمكن إعادته إلى المغرب؟ وما مصير القاصرين وطالبي اللجوء؟

شهدت مدينة سبتة الإسبانية واحدة من أكبر أزمات الهجرة في تاريخها، بعدما عبر عشرات الآلاف من الأشخاص من المغرب إلى المدينة في نهاية يوليو الماضي، في موجة غير مسبوقة وضعت السلطات الإسبانية أمام تحديات أمنية وإنسانية وقانونية ضخمة.

وبحسب أحدث المعطيات، عبر نحو 72 ألف شخص إلى سبتة خلال موجة العبور الجماعي، بينما لا يزال آلاف المهاجرين في المدينة، في وقت تسعى فيه السلطات الإسبانية إلى تسريع الإجراءات القانونية لإعادة من تنطبق عليهم شروط العودة إلى المغرب.

لكن السؤال الأكثر حساسية لا يتعلق بعدد الأشخاص الذين دخلوا المدينة، وإنما بـمن يحق لإسبانيا إعادته قانونياً، ومن يتمتع بحماية تمنع إعادته بصورة فورية؟

المغرب يرفض استقبال مواطتيه

المحكمة العليا تحسم مسألة العبور سباحة

تأتي الأزمة الحالية بعد قرار مهم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في يوليو 2026، أكدت فيه أن ما يُعرف قانونياً بـالإعادة الفورية على الحدود لا يمكن تطبيقه بالطريقة نفسها على الأشخاص الذين يدخلون سبتة أو مليلية سباحة.

ووفق المحكمة، فإن رفض دخول الأشخاص فوراً عند الحدود لا ينطبق على من يصلون عن طريق البحر، إذ لا يمكن اعتبارهم في الوضع القانوني نفسه لمن يحاولون تجاوز وسائل الحماية الحدودية، مثل السياج الحدودي.

ويعني ذلك أن وصول شخص إلى الأراضي الإسبانية سباحةً لا يمنح السلطات صلاحية إعادته تلقائياً إلى المغرب من دون المرور بالإجراءات القانونية المطلوبة.

هل يمكن إعادة البالغين إلى المغرب؟

يسمح القانون الإسباني باتخاذ إجراءات الإعادة بحق بعض الأشخاص الذين يدخلون البلاد بصورة غير نظامية، غير أن السلطات مطالبة بدراسة الوضع القانوني لكل حالة، مع احترام الضمانات المنصوص عليها في القانون الإسباني والاتفاقيات الدولية. وتعمل السلطات حالياً على تسريع ملفات الإعادة، فيما تحدثت الحكومة عن إجراءات تهدف إلى إنهاء معالجة أعداد كبيرة من الملفات خلال فترة قصيرة.

كما تسمح القواعد القانونية، في الحالات التي تستوفي الشروط، باحتجاز بعض الأجانب في مراكز احتجاز الأجانب لفترة يمكن أن تصل إلى 60 يوماً، بهدف ضمان تنفيذ إجراءات الإعادة. لكن ذلك لا يعني أن جميع من دخلوا سبتة يمكن إرسالهم إلى المغرب بشكل جماعي.

سبتة
سبتة

القاصرون.. الفئة الأكثر تعقيداً

يُعد القاصرون من أكثر الفئات التي تفرض على السلطات الإسبانية التعامل معها وفق قواعد مختلفة، فإجراءات إعادتهم ليست مماثلة لإجراءات البالغين، بل تتطلب دراسة ظروفهم، ومراعاة مصلحتهم الفضلى، والتحقق من وضعهم العائلي، والتأكد من وجود الضمانات اللازمة لحمايتهم واستقبالهم في حال إعادتهم. ولهذا، لا يمكن للسلطات الإسبانية التعامل مع القاصرين بالطريقة نفسها التي يمكن أن تتعامل بها مع بعض البالغين.

وأكدت وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية سيرا ريغو أن القاصرين الذين وصلوا إلى سبتة يتمتعون بحقوق يجب احترامها، وأن أي قرار بشأن إعادتهم يحتاج إلى إجراء التحقيقات اللازمة وتوفير الضمانات القانونية المطلوبة.

وماذا عن طالبي اللجوء؟

يختلف الوضع أيضاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يطلبون اللجوء أو الحماية الدولية، فمجرد دخول شخص إلى إسبانيا بصورة غير نظامية لا يعني تلقائياً أنه فقد حقه في طلب الحماية.

وإذا تقدم الشخص بطلب لجوء، فإن السلطات مطالبة بالنظر في طلبه وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، مع مراعاة مبدأ عدم الإعادة إلى مكان قد يتعرض فيه للاضطهاد أو لخطر جسيم. وهذا يجعل تنفيذ عمليات إعادة جماعية أمراً شديد الحساسية، خصوصاً عندما تكون السلطات غير قادرة على التحقق بشكل فردي من الوضع القانوني لكل شخص.

الجيش الإسباني
الجيش الإسباني

إسبانيا والمغرب.. تعاون لتسريع عمليات العودة

بعد الأزمة، أعلنت مدريد والرباط عزمهما العمل على تسريع إعادة الأشخاص الذين عبروا الحدود خلال موجة يوليو. ويأتي ذلك في ظل تعاون أمني وفي مجال الهجرة بين البلدين، لكن إعادة الأشخاص الموجودين في سبتة لا تعتمد على قرار إسباني منفرد فقط، إذ تحتاج عمليات الإعادة إلى تعاون السلطات المغربية وقبولها استقبال الأشخاص المعادين.

وقد أصبح هذا الجانب أحد أبرز التعقيدات السياسية في الأزمة، خصوصاً مع بقاء آلاف الأشخاص في المدينة بعد مرور أسابيع على موجة العبور الجماعي.

آلاف الأشخاص ما زالوا في سبتة

وبحسب أحدث الأرقام المتداولة، لا يزال ما بين 5 آلاف و9 آلاف شخص في سبتة، وفق اختلاف تقديرات الحكومة الإسبانية والسلطات المحلية. وتسعى الحكومة إلى تسريع الإجراءات لإخراج المهاجرين من الشوارع والمنشآت المؤقتة، ثم إعادة من تنطبق عليهم شروط العودة إلى المغرب، بينما تتواصل معالجة الملفات التي تتطلب حماية أو إجراءات قانونية خاصة.

وفي المقابل، تطالب قوى سياسية إسبانية بتسريع عمليات الإعادة، بل إن حزب الشعب الإسباني دعا إلى إعادة جميع المهاجرين الذين دخلوا المدينة، بما في ذلك القاصرون، وهو مطلب يصطدم بالتعقيدات القانونية الخاصة بهذه الفئة.

لماذا لا تستطيع إسبانيا إعادة الجميع فوراً؟

المعضلة الأساسية هي أن القانون لا ينظر إلى جميع الوافدين باعتبارهم حالة واحدة. فهناك بالغون دخلوا بصورة غير نظامية، وقاصرون، وطالبو لجوء وحماية دولية، وأشخاص قد تكون لديهم ظروف إنسانية أو قانونية خاصة.

كما أن قرار المحكمة العليا الأخير جعل من الصعب التعامل مع العبور سباحةً باعتباره حالة يمكن فيها تنفيذ رفض فوري عند الحدود. لذلك، فإن إعادة الأشخاص الموجودين في سبتة تحتاج إلى إجراءات قانونية تتناسب مع الوضع الخاص لكل فئة، وليس إلى عملية إعادة جماعية واحدة.

نقل مهاجرين سبتة
نقل مهاجرين سبتة

أزمة الهجرة تعيد اختبار العلاقة بين مدريد والرباط

وتضع الأزمة الجديدة التعاون الإسباني المغربي في مجال الهجرة أمام اختبار مهم، فمن جهة، تحتاج إسبانيا إلى تعاون المغرب في إعادة الأشخاص الذين يمكن قانوناً إعادتهم، ومن جهة أخرى، تواجه الحكومة الإسبانية ضغوطاً داخلية لتشديد الرقابة على الحدود وتسريع عمليات العودة.

وفي الوقت نفسه، تفرض الأحكام القضائية والقواعد الأوروبية والدولية قيوداً على عمليات الإعادة الجماعية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقاصرين أو طالبي اللجوء أو الأشخاص الذين قد يكونون عرضة للخطر.

سبتة بين أمن الحدود والالتزامات القانونية

وبعد موجة العبور التاريخية، لم يعد السؤال في سبتة مجرد مسألة أمنية تتعلق بمنع الدخول، بل تحول إلى اختبار قانوني وسياسي لإسبانيا. فالحكومة مطالبة بإدارة آلاف الملفات في وقت قصير، والتعاون مع المغرب، وتخفيف الضغط عن المدينة، وفي الوقت نفسه احترام حقوق القاصرين وطالبي الحماية وضمان عدم تنفيذ عمليات إعادة مخالفة للقانون.

ومع استمرار وجود آلاف الأشخاص في سبتة، يبدو أن المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بسرعة معالجة الملفات أكثر من مجرد إعادة فتح الحدود؛ إذ ستحدد الإجراءات التي تتخذها مدريد وموقف الرباط من عمليات الاستقبال والإعادة شكل الأزمة خلال الأسابيع المقبلة.

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى