مدفع الهاون.. السلاح الذي عرفه المسلمون في العصور الوسطى وغيّر تاريخ المدفعية
لم تكن المدافع في العصور الوسطى مجرد أسلحة ضخمة تقذف كرات من الحديد أو الحجر باتجاه التحصينات، بل كانت بداية لثورة عسكرية غيّرت شكل الحروب والحصارات. ومن بين أبرز الأسلحة التي ظهرت في تلك المرحلة مدفع الهاون، الذي ارتبط اسمه بتاريخ المدفعية العثمانية وتطور تقنيات القصف من زوايا مرتفعة.
ويعود أحد أشهر الاستخدامات المبكرة لهذا النوع من الأسلحة إلى حصار القسطنطينية عام 1453، عندما قاد السلطان العثماني محمد الثاني جيشه لإسقاط المدينة التي ظلت لقرون من أقوى الحصون في العالم.
كيف ظهر مدفع الهاون؟
كانت المشكلة التي واجهت المدفعية في ذلك الوقت أن المدافع التقليدية كانت تطلق قذائفها في مسارات منخفضة نسبيًا، ما جعل الأسوار والتحصينات عائقًا أمام الوصول إلى بعض الأهداف.
وخلال حصار القسطنطينية، ظهرت الحاجة إلى سلاح يستطيع إطلاق المقذوفات في مسار شديد الانحناء، بحيث تتجاوز العوائق وتسقط على الهدف من الأعلى.
وتشير روايات تاريخية إلى أن السلطان محمد الثاني أمر صانعي المدافع بابتكار سلاح يستطيع إطلاق قذائفه إلى ارتفاع كبير، ثم تهبط على الهدف. وقد ارتبط هذا التطوير بما أصبح يُعرف لاحقًا بالـ«مورتار» أو مدفع الهاون. وتذكر Encyclopedia of the Ottoman Empire أن محمد الثاني دفع صانعي المدافع إلى ابتكار نوع مختلف من المدافع يستطيع إطلاق المقذوفات إلى ارتفاع كبير، قبل أن يُعرف السلاح لاحقًا باسم الهاون.
مدفع الهاون في حصار القسطنطينية
في عام 1453، حاصر الجيش العثماني القسطنطينية، المدينة التي كانت محمية بأسوار ضخمة جعلت اقتحامها مهمة بالغة الصعوبة. واعتمد محمد الثاني على قوة مدفعية كبيرة، كان من أشهر عناصرها المدافع العملاقة التي صُنعت خصيصًا للحصار، ومن بينها المدفع المعروف باسم المدفع السلطاني، الذي ارتبط بالمهندس أوربان.
لكن المدافع العثمانية لم تكن جميعها ضخمة. فقد احتاج الجيش أيضًا إلى أسلحة أكثر قدرة على التعامل مع الأهداف التي لا يمكن ضربها مباشرة. وهنا ظهرت أهمية إطلاق القذائف بزاوية مرتفعة.
فبحسب روايات المؤرخين الذين تناولوا الحصار، كان العثمانيون يواجهون مشكلة في استهداف السفن الموجودة في القرن الذهبي بسبب العوائق التي كانت تحجب خط الرؤية المباشر. ولذلك جرى تطوير طريقة لإطلاق المدافع بزاوية عالية، بحيث ترتفع القذيفة في الهواء ثم تهبط على الهدف من الأعلى.
وكان هذا المبدأ مختلفًا عن الاستخدام التقليدي للمدافع التي تطلق قذائفها بصورة مباشرة نحو الهدف.
لماذا كان الهاون مختلفًا؟
تكمن الفكرة الأساسية في زاوية الإطلاق. فالمدفع التقليدي يعتمد بصورة أكبر على إصابة الهدف عبر مسار مباشر، بينما يسمح الهاون بإطلاق المقذوف بزاوية مرتفعة، ما يمنحه القدرة على تجاوز الأسوار والعوائق الطبيعية أو التحصينات.
ولهذا أصبح هذا النوع من المدفعية مناسبًا بشكل خاص للحصارات. وفي حالة القسطنطينية، كان هذا الأمر مهمًا بسبب طبيعة المدينة وتحصيناتها، إضافة إلى وجود السفن البيزنطية في القرن الذهبي.
ويصف المؤرخ أنتوني كالديليس في كتابه عن حصار القسطنطينية كيف لجأ العثمانيون إلى تقنية إطلاق المدافع بزاوية مرتفعة، بحيث تتجاوز القذيفة العائق ثم تهبط على الهدف من الأعلى.
هل اخترع المسلمون مدفع الهاون؟
هنا يجب التمييز بين اختراع السلاح وتطويره واستخدامه.
تنتشر على بعض المواقع العربية رواية تقول إن مدافع الهاون كانت «صناعة إسلامية» وظهرت خلال حصار القسطنطينية.
لكن المصادر التاريخية الأكثر تخصصًا لا تجعل المسألة بهذه البساطة. فالمؤكد أن العثمانيين كانوا من أبرز القوى التي طورت استخدام المدفعية في القرن الخامس عشر، وأن حصار القسطنطينية مثّل محطة مهمة في تطور المدفعية ذات المسار المرتفع.
كما أن بعض المؤرخين يذكرون أن التقنية التي استخدمها العثمانيون عام 1453 كانت ابتكارًا أو تطويرًا ميدانيًا مرتبطًا بظروف الحصار، وليس بالضرورة اختراعًا ظهر من الصفر في تلك اللحظة.
لذلك فإن العبارة الأكثر دقة تاريخيًا هي أن العثمانيين ساهموا في تطوير واستخدام الهاون والمدفعية ذات المسار المرتفع خلال القرن الخامس عشر، بدل الجزم بأن المسلمين اخترعوا السلاح للمرة الأولى في التاريخ.
المدافع العثمانية.. ثورة في حروب الحصار
لم يكن الهاون السلاح الوحيد الذي أظهر تطور المدفعية العثمانية. فقد امتلك الجيش العثماني خلال حصار القسطنطينية عددًا كبيرًا من المدافع، بينها مدافع ضخمة قادرة على إطلاق كرات حجرية هائلة نحو الأسوار.
وكان المدفع الكبير الذي ارتبط بالمهندس أوربان واحدًا من أشهرها. وتصف المصادر المتعلقة بالحصار عملية صب المدفع ونقله واستخدامه، فيما تؤكد الدراسات الحديثة أن المدفعية العثمانية لعبت دورًا مهمًا في الضغط المتواصل على أسوار المدينة.
لكن حجم المدافع الضخمة كان له ثمن أيضًا؛ إذ كانت عملية نقلها وتشغيلها وإعادة تلقيمها صعبة وبطيئة، ولذلك احتاج الجيش إلى أنواع أخرى من المدافع أكثر مرونة. ومن هنا تظهر أهمية الهاون، الذي يقوم على مبدأ مختلف ويتيح ضرب الأهداف من أعلى.
من القسطنطينية إلى ساحات الحرب الحديثة
بعد القرن الخامس عشر، استمرت تقنيات المدفعية في التطور، وأصبح الهاون واحدًا من الأسلحة الأساسية في الجيوش. وتغير تصميمه تدريجيًا، وأصبح أكثر سهولة في النقل وأكثر دقة وفاعلية، قبل أن يتحول في العصر الحديث إلى سلاح مدفعي معروف بقدرته على إطلاق القذائف في مسارات شديدة الانحناء.
وبذلك، فإن السلاح الذي ارتبط في بدايات تطوره بحروب الحصار في العصور الوسطى أصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من منظومة المدفعية الحديثة.
يكشف تاريخ مدفع الهاون عن مرحلة مهمة من تطور التكنولوجيا العسكرية في العالم الإسلامي والعثماني. فحصار القسطنطينية عام 1453 لم يكن مجرد مواجهة بين جيشين، بل كان أيضًا اختبارًا لأسلحة وتقنيات جديدة في عصر بدأت فيه البارود والمدفعية بتغيير قواعد الحرب.
واللافت أن فكرة بسيطة نسبيًا — إطلاق القذيفة إلى الأعلى لتسقط على الهدف من زاوية مرتفعة — تحولت مع مرور القرون إلى نظام مدفعي لا يزال معروفًا حتى اليوم باسم الهاون.
ولهذا فإن قصة الهاون ليست قصة سلاح واحد ظهر فجأة، وإنما جزء من مسار طويل من التجارب والتطوير في تاريخ المدفعية، كان للعلماء والمهندسين وصانعي الأسلحة في العالم الإسلامي والعثماني دور بارز في إحدى مراحله.
إسبانيا بالعربي.

