من عبق التاريخ

من هم الموريسكيون و ما هو التعريف الصحيح لمصطلح “موريسكي” ؟

أخبار إسبانيا بالعربي / يشيع إستعمال مصطلح “الموريسكيون أو الموريسكي” بين المؤرخين المعاصرين. وحسب تعريف ليفي بروفينسال، في الطبعة الأولى من موسوعة الإسلام، الموريسكي: “اسم يطلق في إسبانيا على المسلمين الذين بقوا في البلاد بعد أن استولى الملكان الكاثوليكيان فرديناند وإيزابيلا على غرناطة يوم 2 كانون الثاني عام 1492، وبعد زوال حكم آخر أمراء بني نصر”.

ماذا يعني مصطلح موريسكي..؟

هذا التعريف على أهميته يقتصر على جانب واحد فقط من معنى المصطلح، لذا قد يكون من المفيد التوقف عند ما يورده معجم الأكاديمية الملكية الإسبانية، والذي نقرأ أن لفظة الموريسكي: “تطلق على “الموروس” الذين بقوا وتعمدوا بعد سقوط غرناطة”. ويذكر هذا التعريف ميزة الموريسكيين الأساسية: وهي أنهم تعمدوا بوصفهم مسيحيين. وحتى هذا التعريف يتفادى الإشارة إلى أن تعميد هؤلاء “الموروس” (أي المسلمون) لم يحدث بناء على إرادة حرة من جانبهم. فلا غرابة أن تبقى غالبية هؤلاء على إسلامها، أو كما ورد في اتهام إحدى محاكم التفتيش: “لا يقلون اسلاما عن مسلمي الجزائر”. لكنهم كانوا مسلمين من نوع شديد الخصوصية: مسلمين سراً.

ولكي نتحاشى احتمال الخلط في المعنى، لا بد من الإشارة إلى أن الكلمة الإسبانية “موريسكي” كانت تستعمل قديما بل حتى اليوم، بمعناها الأساسي الأصلي الذي يفيد “موري” الإنكليزية. (والصفة الإسبانية موريسكي) توازي “موري” قدر ما توازي الصفة الإنكليزية (Moorish) صفة (moro). فعندما يتحدث مطران هيتا (Hita) مثلا في كتاب الحب العفيف (بواكير القرن الرابع عشر الميلادي) عن “القيتارة الموريسكية” فإن الآلة المقصودة “مورية” في صفتها وليست “موريسكية” بالمعنى الخاص الذي نحن بصدده.

طالع أيضا دبلوماسي من البيرو يكتب: مساهمة اللغة العربية في اللغة الإسبانية

وطوال ما يقرب من قرنين من الزمان قبل عام 897 هـ / 1492م كان المسلمون في إسبانيا ينقسمون إلى قسمين، القسم الأول يعيش في مملكة غرناطة المستقلة المسلمة العربية اللسان في عهد بني نصر، والقسم الثاني يعيش في كنف ممالك مسيحية شتى، يطلق عليهم اسم المدجنين.

وكانت شروط استسلام غرناطة عام 897 هـ / 1492م تكرر بتعديلات بسيطة، شروط الاستسلام التي فرضت على كثير من المدن والحواضر الأخرى عبر القرون. وبوجه عام، كانت المدن التي تقاوم حتى النهاية يتم اجتياحها ويطرد سكانها، كما حدث في مالقة عام 892 هـ / 1487م.

بينما المدن التي كانت تبدأ فيها المفاوضات قبل أن تشرع القوات المسيحية في هجومها الأخير، كان المسلمون في العادة يسمح لهم بالعيش في كنف المسيحيين لو اختاروا ذلك. وفي نهاية القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، كانت ثمة جماعات كثيرة من المدجنين في جميع الممالك المسيحية وليس فقط في مملكة غرناطة.

ولكن وجود مملكة مستقلة في غرناطة كان يمثل الضمانة الأخيرة لحقوق المسلمين في جميع أرجاء شبه الجزيرة الإيبيرية. وكانت هذه المملكة بوصفها دولة إسلامية تعني أن الحكام المسيحيين ـ بل المسيحيون على جميع المستويات ـ يتوجب عليهم معاملة المسلمين باحترام.

لقد كان بين جموع المسيحيين في جميع الأوقات من يود لو يرى مزيدا من المساعي لحمل زملائهم المواطنين المسلمين على اعتناق المسيحية، لكن مثل ذلك الحماس كان لابد أن يكبح، لأن المسيحيين كان يمكن أن يجدوا أنفسهم في قبضة حكام مسلمين.

الموريسكيون تحت حكم المسيحيين

لقد كان ثمة موريسكيون، منذ العام 1500م فصاعدا، يعيشون في الأقاليم القشتالية (قبل أن يوجدوا في أراضي أراغون ونافارا) وهم المسلمون سابقا، الذين تعمدوا وغدوا مسلمين في السر، تحت حكم المسيحيين. لكن كلمة “موريسكي” لم تكن قد ادرجت في الاستعمال بعد، بل إنها لم تغد كذلك حتى أواخر ذلك القرن. وتتحدث الوثائق عن “الناس الذين اعتنقوا المسيحية حديثا بعد أن كانوا مسلمين”، ومثل ذلك من العبارات الخرقاء. وهنا يبرز السؤال إن كان لنا أن نستخدم هذا المصطلح هذه الأيام في الكلام عن أحداث جرت بعد عام 1501 مثلا.

وهذه مفارقة تاريخية ولا شك، لكن الإعترض الأقوى على تعميم استخدام المصطلح يجب أن يصدر عن كونه وسيلة استخدمها أولئك الذين أرادوا تهميش هذه الجماعة وحرمانها من حقها في الاستمرار في إخلاصها للإسلام. فإزاء إعادة تصنيف الناس تحت اسم موريسكيين دون الموروس (أي المسلمون)، كانت السلطات قد أخضعتهم لسلطة محاكم التفتيش (التي يستثنى منها جميع غير المؤمنين).

وهكذا يكون المصطلح نفسه قد تفادى مقدما البحث في مسألة خطيرة: هل كان المسلمون أحرارا في ممارسة دينهم في إسبانيا في القرن السادس عشر؟ ومهما يكن من أمر، فإن مصطلح الموريسكي قد اتخذ موقعا راسخاً في الكتابات التاريخية بحيث غدا تجنبه مدعاة لإثارة سوء الفهم. وقد غدت كلمة الموريسكيين شائعة الإستعمال حتى في الكتابات العربية. وربما يكون قد فات الأوان اليوم لمحاولة استبدالها، ولكن من الواجب بذل كل جهد لتجنب ما قد تحدثه الكلمة من مزالق مذهبية.

تابعو آخر أخبار إسبانيا على جوجل نيوز

المصادر : الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس الجزء الأول، بتصرف،ليونارد باتريك هارفي.

مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية: بيروت 1999.

لـ مركز الدراسات الأندلسي / موقع إسبانيا بالعربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *