fbpx
شؤون إسبانية

يوم هاجر الإسبان إلى الجزائر للنجاة بأنفسهم

قبل سنتين بالتمام والكمال من الآن، سمحت الحكومة الاشتراكية الإسبانية للسفينة الإنسانية “آكواريوس” التي كانت تُقِلّ على متنها 629 مهاجرا بالرسو في إسبانيا، بعد أن رفضت كل من مالطا وإيطاليا استقبالها. ورغم أن الحكومة الإسبانية لم تمنح معظم مؤلاء المهاجرين وثائق الإقامة، بعد مرور سنتين، غير أنّ خطوة الحكومة الإسبانية خلّفت، حينها، أصداء إيجابية وإرتياحا كبيرا لا تخطئهما العين، سواء لدى الرأي العام الإسباني في عمومه أو لدى المنظمات الحقوقية والمدافعة عن حقوق الإنسان.

إسبانيا والهجرة.. علاقة قديمة

لكن علاقة إسبانيا مع الهجرة لطالما كانت معقدة عبر التاريخ، فإذا كان أكثر من مليوني مواطن إسباني قد وجدوا أنفسهم مضطرين للهجرة من بلدهم حاليا بسبب الأزمة المالية (2008) التي بدأت إسبانيا تتعافى منها بشكل بطيء، فإنه قبل 79 سنة من الآن، وجد قرابة الثلاثة آلاف إسباني آخرين أنفسهم فجأة في وضعية تشبه إلى حدّ كبير حال رُكّاب سفينة “آكواريوس” التي استقبلتها بلادهم قبل سنتين من الآن.

سفينة إنجليزية لإنقاذ المضطهدين الإسبان

ففي الـ 28 من مارس/ آذار سنة 1939 تمكّنت السفينة الإنجليزية “ستانبروك” من الرسو بميناء آليكانتي الإسباني مُتجنِّبةً قصف القوات الموالية للجنرال، فرانثيسكو فراكو، لتنقذ حياة 2638 مواطنا فارّين من الحرب الأهلية التي كانت تعصف بإسبانيا حينها والتي انتهت لصالح الجناح الوطني (اليمين) الذي يتزعمه الدكتاتور، فرانثيسكو فرانكو.

وتمكّن 2938 مواطنا إسبانيا من الصعود على متن السفينة التي أخذت تمخر عباب البحر قاصدة ميناء مدينة وهران الجزائرية الخاضعة للاحتلال الفرنسي حينها.

الوجهة: ميناء مدينة وهران الجزائرية

وكان العبور، الذي يدوم 20 ساعة، محفوفا بالمخاطر التي ليس أقلها حمولة السفينة الهائلة من البشر وهو ما يهدد توازنها على سطح البحر، إذ كانت الحشود تتمايل داخل السفينة كلما اقترب قارب منها، مخافة أن يكون ينتمي لبحرية فرانكو وهو ما يعني إغراق السفينة أو الاعتقال في أحسن السيناريوهات.

ولم يكن بحوزة السفينة أي ترخيص للرسو بميناء وهران الجزائري، كما لم يكن بحوزة “آكواريوس” أيضا أي ترخيص للتوقف بالموانئ الإيطالية أو المالطية.

تماطل فرنسي

ومما يزيد مَهَمة “ستانبروك” تعقيدا هو أنّ فرنسا كانت قد اعترافت رسميا بحكومة فرانكو في الـ 27 من فبراير/ شباط من نفس السنة، بعد احتلال كتالونيا واستسلام معظم مقاتلي المعسكر الجمهوري (اليسار).

وظلّت السفينة “ستانبروك” راسية في عرض البحر قبالة سواحل وهران في انتظار منحها التراخيص اللازمة، ما اضطر القبطان، ارتشيبالد ديكسون، للنزول إلى اليابسة بغرض قيادة مفاوضات مع السلطات الفرنسية للسماح للاجئين الإسبان بالنزول في الميناء.

وقد سمحت فرنسا، على مضض، وبعد الكثير من التماطل للنساء والأطفال والمرضى بالنزول حصرا دون غيرهم، متحججةً بِقِلّة الموارد اللازمة من إيواء وغذاء ورعاية صحية لاستقبالهم.

الخشية من تأجيج اليساريين للثورة

ويرى مؤرخون إسبان أن مبررات فرنسا برفض إستقبالهم كانت واهية، مؤكدين أن السبب الحقيقي يُعزى لخشية باريس من تدفق آلاف الفارّين من الحرب الأهلية الإسبانية أصحاب الفكر اليساري الثوري الذين قد يؤدي تلاقح أيديولوجيتهم مع السكان المحليين إلى تأجيج المشاعر التحررية لدى الجزائريين، وهو ما رأت فيه فرنسا تهديدا لتواجدها بالجزائر.

السماح للحالات الإنسانية بالنزول

وقد سمحت باريس لكبار السن والمرضى والنساء والأطفال بالتوجه إلى مراكز الإيواء التي تم تجهيزها بعين الترك وبعض السجون التي تم تكييفها بمدينة وهران، بينما تم الإبقاء على الرجال رهائن على ظهر السفينة لعدة أيام، حيث بدأت الأمراض تتفشى بينهم وازدادت المعاناة مع النقص الحاد في الغذاء والأدوية.

وبعد مرور أكثر من أسبوعين، بدأت السلطات الفرنسية تسمح لبقية اللاجئين الإسبان بالنزول من السفينة تدريجيا بعد تدهور الأوضاع الصحية.

ظروف مزرية بالسفينة

وأدى كل ذلك بالمصالح الصحية الفرنسية إلى تنظيم عملية تطهير صحية للسفينة، بعد شهر من رسوها بالميناء. وبعد الانتهاء من العملية، كان لا يزال على متنها أكثر من 1500 مهاجر إسباني ينتظرون في ظروف مزرية أن تسمح لهم السلطات الفرنسية بالنزول إلى مدينة وهران.

شيئا فشيئا سُمِح لجميع ركاب السفينة “ستانبروك” بالنزول في ميناء وهران، وقد فضّل بعضهم الهجرة إلى فرنسا أو أمريكا اللاتينية، بينما عاش آخرون في مراكز الإيواء والاحتجاز بوهران لسنوات. وقد كانوا ينحدرون من كل الطبقات والفئات الإجتماعية.

ظاهرة الهجرة عبر التاريخ

ويوضّح كل ذلك، بشكل جلي، أن ظاهرة الهجرة هي مسألة إنسانية قبل كل شيء، وأنّ البلدان التي تستقبل اللاجئين والمهاجرين لدواع إنسانية قد تجد نفسها في المستقبل بحاجةٍ لمن يستقبل مواطنيها، سواء بسبب الكوارث الطبيعية أو الأزمات الاقتصادية أ, الإنسانية التي قد تعصف بأي بلد، رغم أنها في العقود الأخيرة أصبحت ملازمة للدول الإفريقية والآسيوية وحتى اللاتينية، غير أنه لا يوجد أي بلد في العالم بمنأى عنها.

ويقودنا ذلك إلى تقدير المواقف الإنسانية والمبادرات الشجاعة التي تتخذها البلدان المُستقبِلة للاجئين والمهاجرين. وتتكرر اليوم والتي كان آخرها قرار الحكومة الإيطالية استقبال سفينة تديرها مننظمة غير حكومية ألمانية قبل أيام، تُقل على متنها أكثر من 200 مهاجر.

تابعونا على

تويتر

فيسبوك

إنستغرام

يوتيوب

تيليغرام

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى