أكثر من 300 ألف مجنّس في قلب نزاع قضائي في إسبانيا
طلبت هيئة محاماة الدولة الإسبانية (Abogacía del Estado) من المحكمة العليا رفض الطعن الذي قدمه حزب فوكس (Vox) على خلفية الإجراءات الانتخابية المرتبطة بتطبيق ما يُعرف إعلامياً بـ**«قانون الأحفاد»**، معتبرة في مذكرتها أن مجرد الارتفاع في عدد المسجلين في سجل الناخبين الإسبان المقيمين خارج البلاد لا يكفي، بحد ذاته، لإثبات وجود مخالفات أو «تغيير مصطنع» للسجل الانتخابي.
وتأتي هذه المرافعة في وقت كان فيه المحكمة العليا قد أوقفَت احترازياً الآثار الانتخابية لبعض التسجيلات المرتبطة بهذا المسار، بانتظار البت في أصل النزاع. ويؤكد الإجراء القضائي المؤقت أن الجنسية نفسها لم تُعلّق بموجب القرار، وإنما يتعلق الخلاف بإمكانية التسجيل في سجل الناخبين الإسبان المقيمين خارج البلاد (CERA) وممارسة حق التصويت في الحالات المعنية.

ما الذي يعترض عليه فوكس أمام المحكمة العليا؟
يرتبط النزاع بتفسير وتطبيق المادة الإضافية الثامنة من قانون الذاكرة الديمقراطية رقم 20/2022، التي فتحت، بشروط محددة، طريقاً للحصول على الجنسية الإسبانية لبعض الأشخاص المولودين خارج إسبانيا ممن كان آباؤهم أو أجدادهم إسباناً أصليين وتعرضوا للمنفى لأسباب سياسية أو أيديولوجية أو دينية أو بسبب التوجه أو الهوية الجنسية، إضافة إلى حالات أخرى نص عليها القانون.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2022، أصدرت المديرية العامة للأمن القانوني والإيمان العام تعليمة لتفسير وتطبيق هذه الأحكام لدى مكاتب السجل المدني والقنصليات. وتنص إحدى فقراتها على افتراض صفة المنفى بالنسبة إلى الإسبان الذين غادروا البلاد بين 18 يوليو/تموز 1936 و31 ديسمبر/كانون الأول 1955، شريطة إثبات مغادرة الأراضي الإسبانية.
وقد أصبحت هذه التعليمة جزءاً أساسياً من الجدل القضائي الحالي، بعدما شككت جهات معترضة في مدى توافق بعض تفسيراتها مع النص الأصلي للقانون.
المحكمة العليا أوقفت الأثر الانتخابي مؤقتاً
في 10 سبتمبر/أيلول 2026، وافقت المحكمة العليا على التدابير الاحترازية المطلوبة في قضيتين منفصلتين، إحداهما مقدمة من Vox والأخرى من Iustitia Europa، وفق السجل المنشور على الموقع الرسمي للجنة الانتخابية المركزية.
وكان قرار المحكمة يعني تعليق تسجيلات معينة في CERA مرتبطة بالحصول على الجنسية بموجب هذه الآلية، إلى أن يتم التحقق من استيفاء شرط المنفى في الحالات التي تدخل في نطاق النزاع. وفي المقابل، أوضحت المصادر القضائية أن القرار الاحترازي لا يلغي الجنسية الإسبانية بحد ذاتها ولا يحسم أصل القضية، وإنما يعلق آثارها الانتخابية مؤقتاً إلى حين صدور الحكم النهائي.
محامو الدولة: ارتفاع عدد الناخبين لا يثبت وجود مخالفة
في ردها على طعن فوكس، قالت هيئة محاماة الدولة إن زيادة عدد المسجلين في سجل CERA لا يمكن اعتبارها، بمفردها، دليلاً على وجود خلل قانوني.
وبحسب المذكرة التي نقلت عنها Cadena SER ووكالة EFE، فإن الاعتراض لا يقدم، وفق موقف الدولة، حالات محددة لأشخاص مسجلين بشكل مزدوج أو لأشخاص لا يحملون الجنسية الإسبانية رسمياً، وإنما يستند بصورة أساسية إلى حجم الزيادة المسجلة في السجل الانتخابي. وتقول الهيئة إن الزيادة الإحصائية يمكن أن تكون كبيرة وفي الوقت نفسه مبررة قانوناً نتيجة قوانين سابقة منحت الجنسية لمجموعات مختلفة من الأشخاص.
كما ترى هيئة الدفاع عن الدولة أن مكتب السجل الانتخابي يطبق آليات تقنية للتحقق من البيانات التي ترسلها القنصليات، بما في ذلك مطابقة المعلومات ومنع الازدواجية والحفاظ على إمكانية تتبع التغييرات في السجل، وهي نقاط أوردتها مصادر قانونية مستقلة نقلاً عن مذكرة الدولة.
أرقام مختلفة حول الأشخاص المعنيين
أظهرت المرافعة الحكومية أيضاً وجود اختلاف بين الأرقام التي استندت إليها المحكمة في إجراءاتها الاحترازية والأرقام التي قدمتها الإدارة.
فوفق بيانات نقلتها EFE عن مذكرات هيئة محاماة الدولة، بلغ عدد الأشخاص الذين اكتسبوا الجنسية في إطار مختلف حالات المادة الإضافية الثامنة 369,017 شخصاً، بينما حددت الإدارة بـ168,896 عدد المسجلين الذين حصلوا على الجنسية عبر الحالة التي ترتبط بالتعليمة التي تنص على افتراض صفة المنفى بين 1936 و1955. وكانت المحكمة العليا قد استخدمت رقماً أعلى، هو 408,262 ناخباً جديداً، عند تقييم التطور في سجل الناخبين المقيمين خارج إسبانيا.
وتشكل هذه الفروق جزءاً من النقاش حول حجم الفئة التي يمكن أن تتأثر مباشرة بالتدبير الاحترازي.
الحكومة تعترض أيضاً على مراجعة جماعية للملفات
ومن بين حجج الدولة أن مراجعة ما يقارب 170 ألف ملف خلال فترة قصيرة ستكون صعبة من الناحية العملية. وأفادت EFE في وقت سابق من سبتمبر بأن هيئة محاماة الدولة اعتبرت من الصعب مادياً التحقق من جميع هذه الملفات قبل إغلاق السجل الانتخابي في 1 يناير/كانون الثاني 2027.
وترى الدولة أن تعليق حق التصويت لفترة طويلة بالنسبة إلى أشخاص حصلوا بالفعل على الجنسية الإسبانية يمكن أن يثير مسألة قانونية مستقلة تتعلق بالحق في الانتخاب، خصوصاً عندما لا تكون الجنسية نفسها قد أُبطلت بقرار قضائي نهائي. وهذه حجج مقدمة من الجهة القانونية التي تمثل الحكومة أمام المحكمة، وليست حكماً نهائياً من المحكمة العليا.
لجنة الانتخابات المركزية فصلت بين الجنسية والسجل الانتخابي
في قرارها الصادر في 16 يوليو/تموز 2026، أكدت اللجنة الانتخابية المركزية أن النظر في شروط منح الجنسية ومدى قانونية النظام المنظم لها لا يدخل ضمن اختصاصها، وأن الطعون المتعلقة بهذه المسائل يجب أن تسلك القنوات القضائية المناسبة.
وفي المقابل، اعتبرت اللجنة أن لديها اختصاصاً في ما يتعلق بتكوين وتحديث CERA، ولذلك طلبت من مكتب السجل الانتخابي توضيحات حول المعايير المستخدمة لتحديد البلدية الإسبانية التي يُسجل فيها الناخب المقيم في الخارج، وطالبت بأن تكون هذه المعايير موضوعية وموحدة وقابلة للتحقق.
ويحتوي القرار نفسه على رأي مخالف لعدد من أعضاء اللجنة، قدم حججاً قانونية مختلفة بشأن مدى صلاحية بعض أجزاء تعليمة 2022. لكن هذا الرأي كان موقفاً مخالفاً للأغلبية، ولذلك لا ينبغي عرضه على أنه قرار اللجنة ككل.
ما علاقة القضية بالمواطنين الذين حصلوا على الجنسية عبر «قانون الأحفاد»؟
القضية الحالية مهمة خصوصاً للأشخاص الذين اكتسبوا الجنسية الإسبانية بالفعل في إطار قانون الذاكرة الديمقراطية، ويقيمون خارج إسبانيا ويرتبط وضعهم الانتخابي بالحالات التي يجري بحثها أمام المحكمة العليا.
لكن من المهم توضيح أن النزاع الحالي لا يعني إلغاء الجنسية الإسبانية التي مُنحت بموجب القانون ولا يمثل، حتى الآن، حكماً نهائياً بأن جميع هذه الجنسيات غير صحيحة. كما أن المحكمة العليا لم تحسم أصل القضية بعد، وإنما اتخذت تدبيراً احترازياً يتعلق بممارسة حق التصويت في الفئة محل النزاع.
كما أن باب تقديم الطلبات الجديدة بموجب قانون الذاكرة الديمقراطية أُغلق في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2025؛ وتؤكد وزارة الخارجية الإسبانية أن الطلبات التي قُدمت ضمن الأجل تستمر معالجتها بعد انتهاء المهلة. وبالتالي، فإن الجدل القضائي الحالي يتعلق أساساً بملفات وحقوق مرتبطة بطلبات قُدمت في المواعيد القانونية، وليس بفتح باب جديد للتقديم.

المحكمة العليا لم تصدر بعد حكماً نهائياً
تظل القضية مفتوحة أمام المحكمة العليا، التي ستفصل لاحقاً في أصل الطعون المتعلقة بقرار اللجنة الانتخابية المركزية وبالآثار الانتخابية المرتبطة بتفسير تعليمة 2022.
وفي انتظار الحكم النهائي، تبقى التدابير الاحترازية سارية ضمن نطاق ما قررته المحكمة، بينما تستمر هيئة محاماة الدولة في الدفاع عن موقف الحكومة القائل إن نمو سجل الناخبين لا يشكل، وحده، دليلاً على وجود تلاعب أو مخالفة، في حين يواصل مقدمو الطعون الدفع بوجود إشكالات قانونية في طريقة تطبيق أحكام الجنسية وانعكاسها على السجل الانتخابي.
إسبانيا بالعربي.
