الاتحاد الأوروبي يدرس إقامة مراكز لإعادة المهاجرين في 12 دولة خارج حدوده
في أعقاب موافقة البرلمان الأوروبي على مقترح إنشاء ما يُعرف بـ”مراكز الإعادة” خارج حدود الاتحاد الأوروبي، بدأت الدول الأعضاء البحث عن مواقع محتملة لتنفيذ هذه الخطة، وسط تقارير تشير إلى دراسة نحو 12 دولة قد توافق على استضافة هذه المرافق، في خطوة تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل سياسات الهجرة في أوروبا.
وتعمل حكومات الدول الأعضاء، بالتعاون مع مؤسسات الاتحاد، على اعتماد نهج جديد في إدارة ملف الهجرة، يقوم على نقل جزء من الإجراءات خارج أراضي الاتحاد، مع توقعات ببدء تطبيق هذا التوجه اعتبارًا من شهر يونيو المقبل.
وفي هذا الإطار، تدرس دول مثل الدنمارك والنمسا واليونان وألمانيا وهولندا خيارات متعددة لإنشاء هذه المراكز خارج أوروبا. وبحسب مصادر أوروبية، فإن قائمة الدول التي يجري النقاش حولها تضم رواندا وغانا والسنغال وتونس وليبيا وموريتانيا ومصر وأوغندا وأوزبكستان وأرمينيا والجبل الأسود وإثيوبيا، مع التأكيد على أن هذه القائمة لا تزال أولية وغير نهائية، وأن المحادثات لا تزال في مراحلها الاستكشافية.
ورغم ذلك، التزمت الجهات الرسمية الصمت حيال هذه التطورات، في وقت تشير فيه التسريبات إلى أن الهدف الحالي يقتصر على اختبار مدى استعداد هذه الدول للدخول في مثل هذه الترتيبات.
هل تمثل مراكز الإعادة حلاً فعليًا؟
يرى أنصار هذه السياسة أن إنشاء مراكز خارجية قد يسهم في تسريع إجراءات اللجوء، ومعالجة واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه الاتحاد الأوروبي، وهي بقاء أعداد كبيرة من طالبي اللجوء المرفوضين داخل أراضيه بسبب صعوبة إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية أو إلى دول ثالثة.
وتُظهر بيانات يوروستات أن مئات الآلاف من أوامر المغادرة تُصدر سنويًا بحق مواطني دول خارج الاتحاد، غير أن نسبة التنفيذ تظل محدودة، حيث لا يغادر فعليًا سوى جزء بسيط من المعنيين بهذه القرارات.
ويأمل صانعو القرار أن تسهم هذه المراكز، سواء عبر معالجة الطلبات خارج الحدود أو نقل المرفوضين إليها، في تقليص أعداد المهاجرين داخل أوروبا، وتسريع عمليات إعادتهم إلى بلدانهم أو إلى دول تُعتبر آمنة.
تجارب سابقة لم تحقق النجاح
رغم الطموحات المرتبطة بهذه الفكرة، لم تتمكن أي دولة أوروبية حتى الآن من تطبيق هذا النموذج بشكل فعّال. ففي تجربة مماثلة، حاولت المملكة المتحدة تنفيذ خطة لنقل طالبي اللجوء إلى رواندا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي.
ورغم تخصيص ميزانيات ضخمة للمشروع، لم يتم ترحيل أي مهاجر فعليًا بسبب عراقيل قانونية متكررة، قبل أن تقرر الحكومة الجديدة بقيادة كير ستارمر إلغاء البرنامج بالكامل عام 2024.
النموذج الإيطالي – الألباني
في سياق مشابه، سعت إيطاليا إلى إنشاء مراكز لمعالجة طلبات اللجوء في ألبانيا بدعم من رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، التي رأت في هذه المبادرة نموذجًا قابلًا للتعميم على مستوى الاتحاد الأوروبي.
لكن هذه التجربة واجهت بدورها صعوبات كبيرة، حيث أعادت المحاكم الإيطالية معظم المهاجرين المنقولين إلى هذه المراكز، بسبب مخاوف تتعلق باحترام حقوق الإنسان، ما حدّ من فعالية المشروع.
كما تسعى هولندا إلى التوصل لاتفاق مع أوغندا، بينما أبدت دول مثل الجبل الأسود وتونس تحفظها على استقبال مهاجرين مرفوضين من دول أخرى.
ليبيا: حالة معقدة
تبقى ليبيا من أكثر الخيارات إثارة للجدل، نظرًا للوضع السياسي والأمني غير المستقر فيها منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
وتشهد البلاد انقسامًا بين سلطات متنافسة، في ظل تقارير متكررة عن انتهاكات بحق المهاجرين، تشمل الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة. ورغم ذلك، يواصل الاتحاد الأوروبي تعاونه مع الأطراف الليبية للحد من تدفقات الهجرة عبر البحر المتوسط.
مخاطر سياسية وأمنية محتملة
يحذر خبراء من أن نقل إدارة الهجرة إلى دول خارج الاتحاد قد يفتح المجال لاستخدام هذا الملف كورقة ضغط سياسي. وقد سبق أن وُجهت اتهامات إلى دول مثل روسيا وبيلاروسيا باستخدام الهجرة كأداة ضغط على الحدود الأوروبية.
كما يرى محللون أن دولًا مثل تركيا والمغرب استخدمت استراتيجيات مشابهة في سياقات تفاوضية سابقة مع الاتحاد الأوروبي.
تداعيات على الاستقرار
من جهة أخرى، يحذر مختصون من أن إنشاء هذه المراكز قد يفاقم عدم الاستقرار في بعض الدول المستضيفة، خاصة في مناطق هشة مثل الساحل الإفريقي، حيث تنشط جماعات مسلحة وتنتشر شبكات تهريب.
كما أن وضع المهاجرين في ظروف صعبة أو غير مستقرة قد يزيد من خطر استغلالهم من قبل جماعات متطرفة، أو يدفع بعضهم نحو مسارات خطيرة.
جدل داخل أوروبا
يدافع بعض السياسيين، خصوصًا من التيارات المحافظة، عن هذه الخطة باعتبارها وسيلة ضرورية لفرض قوانين الهجرة وتعزيز فعاليتها. في المقابل، تعارضها منظمات حقوقية، مثل هيومن رايتس ووتش، التي تحذر من مخاطر انتهاك حقوق طالبي اللجوء، خاصة في ظل الغموض المرتبط بمفاهيم “الدول الآمنة”.
يبقى مشروع “مراكز الإعادة” محل انقسام داخل الاتحاد الأوروبي، بين من يراه أداة فعالة لإدارة الهجرة، ومن يعتبره خطوة محفوفة بالمخاطر القانونية والإنسانية. وفي ظل استمرار النقاشات، يظل مستقبل هذه السياسة رهين التوازن بين متطلبات الأمن واحترام حقوق الإنسان.
إسبانيا بالعربي.




