البرلمان الإسباني يخير سانشيز بين الاستقالة أو تصويت الثقة والدعوة لانتخابات فورية
شهدت المشهد السياسي الإسباني تصعيداً غير مسبوق بعد أن طالب البرلمان بمجلسيه (النواب والشيوخ) رئيس الحكومة، بيدرو سانشيز، بالدعوة الفورية لانتخابات عامة أو تفعيل “مسألة ثقة” برلمانية. وتأتي هذه الخطوة لإجبار سانشيز على الخضوع لاختبار نيابي يعيد تقييم مدى احتفاظه بدعم ممثلي السيادة الوطنية، في ظل أزمة سياسية طاحنة تضرب ائتلافه الحاكم.
وتجسد هذا الضغط البرلماني عبر إقرار مقترحين (مذكرتين)؛ أحدهما في مجلس الشيوخ والآخر في مجلس النواب. وجاءت هذه الخطوات لتؤكد ما وصفه النواب بـ “استنزاف الولاية التشريعية”، وغياب الموازنة العامة لثلاثة أعوام متتالية، بالإضافة إلى “انعدام الأغلبية” الداعمة للحكومة، وتوالي قضايا الفساد التي تحيط بالجهاز التنفيذي.

زلزال سياسي في مجلس النواب: أغلبية مطلقة تطالب برحيل سانشيز
رغم محاولات الحكومة والحزب الاشتراكي وحلفائه لعرقلة وإحباط التصويت داخل مكتب مجلس النواب، نجحت المعارضة في تمرير مذكرة حجب الثقة السياسية بأغلبية مطلقة بلغت 178 صوتاً لصالح القرار (بمشاركة الحزب الشعبي PP، وفكس Vox، والاتحاد الشعبي النافاري UPN، وحزب معاً لأجل كتالونيا Junts) مقابل 171 صوتاً معارضاً.
وتحث المذكرة المعتمدة في الغرفة السفلى رئيس الحكومة على “النظر في جدوى طرح مسألة ثقة”، كما تشدد على ضرورة تحمله “المسؤولية السياسية الكاملة عن قضايا الفساد” التي تورط فيها أشخاص عيّنهم بنفسه في مناصب حساسة، مؤكدة أن هذه المسؤولية لا يمكن تسويتها إلا بـ “الاستقالة”. وعلاوة على ذلك، أدان النص البرلماني رغبة الحكومة وحلفائها في فرض “حق الفيتو” لتعطيل المبادرات والتعديلات القانونية للمعارضة.
مجلس الشيوخ يندد بـ “الشلل السياسي” ويطالب بحل البرلمان
بالتوازي مع أحداث مجلس النواب، أقر مجلس الشيوخ ــ الذي يتمتع فيه الحزب الشعبي المحافظ بالأغلبية ــ مذكرة أخرى حظيت بتأييد 145 صوتاً مقابل 106 أصوات معارضة وامتناع عضوين عن التصويت. وجاء هذا التصويت في وقت كان فيه سانشيز يقدم تقريراً أمام مجلس النواب حول قضايا الفساد.
وانتقد مجلس الشيوخ في خطابه ما وصفه بـ “الشذوذ الديمقراطي” المتمثل في عدم إجراء أي من الآليتين الديمقراطيتين اللتين تسمحان بالتحقق من ثقة البرلمان بالحكومة طوال الولاية الحالية، وهما:
- تمرير قانون الموازنة العامة للدولة.
- عقد جلسة نقاش حول “حالة الأمة” والتصويت على القرارات المنبثقة عنها.
وأكد مجلس الشيوخ أن البلاد تعيش حالة من “الإنغلاق والشلل السياسي”، مطالباً سانشيز بـ “حل الكورتيس (البرلمان بمجلسيه) والدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة”. وفي هذا التصويت، اختار حزب “خونيتس” الكتالوني عدم التصويت في مجلس الشيوخ، بينما منح الحزب القومي الباسكي (PNV) طوق نجاة أخير لسانشيز عبر التصويت بالرفض، بانتظار تقديم مشروع الموازنة قريباً.

الرمزية السياسية للقرارات: شرعية سانشيز في الميزان
من الناحية القانونية والدستورية، لا تلزم هذه المذكرات رئيس الحكومة من الناحية القانونية، إذ يبقى بيدرو سانشيز صاحب الصلاحية الحصرية والوحيدة للدعوة لانتخابات مبكرة أو تقديم مسألة الثقة.
ومع ذلك، فإن المغزى السياسي لهذه الجلسة يحمل وزناً هائلاً؛ فهو يثبت بالأرقام والأصوات المسجلة أن سانشيز فقد رسمياً الأغلبية النيابية التي أوصلته إلى السلطة في عام 2023، مما يضع حكومته في مهب الريح ويعزز موقف المعارضة التي تراه “رئيساً فاقداً للشرعية البرلمانية”.
ألبرتو نونييث فيخو: “سانشيز يحكم ضد إرادة الأغلبية المطلقة”
وفي أعقاب ظهور النتائج، وجه رئيس الحزب الشعبي (PP)، ألبرتو نونييث فيخو، انتقادات لاذعة لسانشيز مطالباً إياه بالاستقالة الفورية. وصرح فيخو قائلاً:
“إن المجلس نفسه الذي منح سانشيز الثقة في جلسة التنصيب لرئاسة الحكومة، قد طلب منه الآن رسمياً الاستقالة من منصبه. أي زعيم ديمقراطي أو رئيس وزراء أوروبي يجب عليه اتباع قرار البرلمان”.
وأضاف زعيم المعارضة مستنكراً رد فعل سانشيز الذي استقبل النتيجة بالضحك والتصفيق من فوق المقاعد الزرقاء المخصصة للحكومة: “رئيس الحكومة، من الآن فصاعداً، يتصرف ضد الأغلبية المطلقة لمجلس النواب. ما الذي يصفق له بالضبط؟ هل يصفق لأن الأغلبية تطلب منه التنحي؟”. واختتم فيخو معتبراً أن هذا المشهد يعكس “تدهوراً غير مسبوق في الديمقراطية الإسبانية” ولم تشهده البلاد أو أوروبا من قبل.
إسبانيا بالعربي.

