بعد أزمة 50 ألف مهاجر في سبتة.. اتحاد علماء المسلمين يعلن موقفه من القضية
أُجبر رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، علي القره داغي، على توضيح موقفه من سبتة والتراجع عن صياغة أثارت جدلاً واسعاً في المغرب، بعدما اعتبر ناشطون أنها تمثل اعترافاً ضمنياً بالسيادة الإسبانية على المدينة.
واندلعت الأزمة بعد تعليق نشره القره داغي حول دخول عشرات الآلاف من المواطنين المغاربة إلى سبتة، ربط فيه ما وقع بموقف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز من القضية الفلسطينية.
وتحدث القره داغي في تعليقه الأول عن سبتة بطريقة أثارت غضباً كبيراً على شبكات التواصل الاجتماعي المغربية، بعدما وصفها بأنها تقع على «الحدود بين إسبانيا وأوروبا».
واعتبر منتقدوه أن هذه العبارة تتعامل مع سبتة باعتبارها جزءاً من إسبانيا، ولا تنسجم مع الموقف المغربي الذي يطالب بالسيادة على سبتة ومليلية.

ماذا قال عن أزمة سبتة؟
فسر القره داغي دخول الأعداد الضخمة من المهاجرين المغاربة إلى سبتة على أنه «مؤامرة» تقف خلفها، بحسب تعبيره، جهات صهيونية بمساعدة بعض الدول الإسلامية.
وذهب إلى أن تحرك المهاجرين نحو سبتة قد يكون عملاً انتقامياً ضد بيدرو سانشيز بسبب مواقف رئيس الحكومة الإسبانية المؤيدة للقضية الفلسطينية.
ولم يقدم رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أدلة تثبت وجود هذه المؤامرة أو تورط الجهات التي أشار إليها، كما أن السلطات المغربية قدمت تفسيراً مختلفاً لما وقع.
فقد أرجعت وزارة الداخلية المغربية الأزمة إلى انتشار معلومات مضللة على شبكات التواصل الاجتماعي، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، والتفسير الخاطئ لحكم قضائي إسباني يتعلق بإعادة الأشخاص الذين يُعترضون في البحر.
عبارة عن سبتة تثير غضب المغاربة
لم يكن الربط بين أزمة سبتة وإسرائيل هو الجزء الوحيد الذي أثار الجدل، بل تركز غضب عدد كبير من المغاربة على الطريقة التي وصف بها القره داغي المدينة.
واعتبر منتقدوه أن الحديث عن سبتة بصيغة توحي بأنها مدينة إسبانية يمثل خروجاً عن الموقف المغربي، خاصة أن القره داغي يرأس مؤسسة دينية دولية كان يرأسها قبله العالم المغربي أحمد الريسوني.
وأدت الانتقادات والضغوط المتزايدة عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى إصدار القره داغي توضيحاً جديداً يوم الأحد، بحسب ما نشرته صحيفة La Razón.

القره داغي يحمّل فريقه الإعلامي المسؤولية
أوضح القره داغي في بيان مطول أن النص الأول أعده فريقه الإعلامي، وأن الهدف منه كان الإشادة بموقف بيدرو سانشيز من القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا التي وصفها بالعادلة.
وأضاف أن المقال كان يريد إظهار أن «الصهاينة وحلفاءهم»، وفق روايته، يحاولون الإضرار بكل من يدعم فلسطين.
وقال إن العبارات الواردة في المقال يجب أن تُفهم ضمن سياقها الإعلامي، ولا ينبغي اعتبارها إعلاناً رسمياً أو موقفاً نهائياً صادراً عنه.
لكنه لم يقدم اعتذاراً صريحاً عن الصياغة الأولى، بل نسبها إلى فريقه الإعلامي وركز على تفسير الغرض من نشرها.
موقف جديد من سبتة ومليلية
أنهى رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الجدل بإعلان موقف واضح من المدينتين، مؤكداً أنه يعتبر سبتة ومليلية أرضين مغربيتين إسلاميتين.
ويمثل هذا التصريح تراجعاً عن الانطباع الذي تركه النص الأول، واستجابة مباشرة للانتقادات المغربية التي اتهمته بالاعتراف بإسبانية سبتة.
وفي المقابل، تعتبر الحكومة الإسبانية أن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان وجزء من أراضي الدولة، وتؤكد أن سيادتها عليهما ليست موضع تفاوض.
وقد وصف بيدرو سانشيز الدخول الجماعي الأخير إلى سبتة بأنه «اعتداء وانتهاك لوحدة الأراضي الإسبانية»، مؤكداً استخدام جميع إمكانات الدولة لحماية المدينة وسكانها.

من هو علي القره داغي؟
علي محيي الدين القره داغي عالم دين عراقي من أصل كردي، ويتولى رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين خلفاً للعالم المغربي أحمد الريسوني.
وكان الريسوني قد غادر رئاسة الاتحاد سنة 2022 بعد تصريحات أثارت أزمة سياسية، عندما دعا إلى «الزحف» نحو مدينة تندوف الجزائرية، وهو ما تسبب في احتجاجات واستقالات داخل المؤسسة.
ويواجه خلفه الآن جدلاً من نوع مختلف، لكن سببه يرتبط أيضاً بملفات السيادة والحدود والخلافات السياسية في شمال إفريقيا.
أزمة 50 ألف مهاجر تعيد ملف سبتة إلى الواجهة
جاءت تصريحات القره داغي بعد الأزمة غير المسبوقة التي شهدتها سبتة، عندما دخل إليها عشرات الآلاف من الأشخاص القادمين من المغرب خلال فترة زمنية قصيرة.
وقدرت السلطات الإسبانية عدد الداخلين بأكثر من 50 ألف شخص، بينما قدمت السلطات المغربية أرقاماً أقل. كما خلفت الأزمة عشرات الضحايا غرقاً وعدداً غير محدد من المفقودين.
وأعادت هذه الأحداث ملف سبتة إلى صدارة النقاش السياسي في إسبانيا والمغرب، خصوصاً مع التساؤلات المتعلقة بموقف السلطات المغربية وكيفية وصول هذا العدد الكبير إلى المنطقة الحدودية.
كما أظهرت قضية القره داغي مدى حساسية استخدام أي عبارة تتعلق بالسيادة على سبتة ومليلية، إذ كان كافياً أن تُفهم صياغته على أنها اعتراف بإسبانية المدينة حتى يتعرض لحملة واسعة اضطرته إلى إعلان موقف معاكس بصورة صريحة.
إسبانيا بالعربي.
