من عبق التاريخآخر الأخبارشؤون إسبانية

بعد 1000 عام.. إسبانيا تعيد بناء السفينة الأندلسية الوحيدة المكتشفة في أوروبا

تعمل مجموعة من الباحثين والخبراء على إعادة بناء سفينة أندلسية تعود إلى القرن الحادي عشر بصورة رقمية، بعد العثور على بقاياها قبل 45 عاماً مدفونة على عمق نحو 11 متراً تحت قلب مدينة إشبيلية الإسبانية.

ويستخدم الفريق تقنيات التصوير المساحي والنمذجة ثلاثية الأبعاد 3D لدراسة أكثر من 400 قطعة خشبية ومعدنية من السفينة الأندلسية، بهدف معرفة شكلها الأصلي وطريقة بنائها والدور الذي كانت تؤديه في ميناء إشبيلية خلال العصر الإسلامي.

وتصف وزارة الثقافة في حكومة إقليم الأندلس هذه البقايا بأنها الوحيدة لسفينة أندلسية من القرن الحادي عشر التي عُثر عليها في كامل السجل الأثري الأوروبي.

ويعيد المشروع إلى الواجهة جانباً غير معروف من تاريخ إشبيلية الأندلسية، عندما كانت المدينة ميناءً نشطاً ومركزاً تجارياً مهماً على ضفاف نهر الوادي الكبير.

خريطة الدولة الأموية
خريطة الخلافة الأموية في أقصى اتساعها

اكتشاف السفينة الأندلسية تحت إشبيلية

تعود قصة الاكتشاف إلى يونيو/حزيران 1981، أثناء الأعمال الأولية لمشروع مترو إشبيلية في ساحة «بلازا نويفا» Plaza Nueva، وسط المدينة.

وعند قاعدة حفرة كبيرة بلغ عمقها نحو 11 متراً، ظهرت بقايا سفينة خشبية يبلغ طولها قرابة سبعة أمتار. كما عُثر على مرساة صليبية الشكل في طبقة أثرية تقع على عمق أكبر بنحو أربعة أمتار.

وأبلغ المسؤولون عن المشروع خبراء متحف الآثار في إشبيلية، الذين توجهوا سريعاً إلى الموقع لفحص البقايا ومحاولة إنقاذها.

لكن أشغال المترو لم تتوقف، ولم يكن أمام فريق الآثار سوى الساعات الفاصلة بين نهاية يوم العمل وبداية اليوم التالي لتوثيق السفينة وانتشال الأجزاء التي ظهرت منها.

ودخل الخبراء إلى الحفرة العميقة والتقطوا الصور وأعدوا مخططاً أولياً للسفينة ورقّموا القطع قبل إخراجها. ووصف متحف الآثار في إشبيلية العملية بأنها كانت أقرب إلى «الإنقاذ» منها إلى عملية تنقيب أثري عادية.

شاعرات الأندلس

الطين حافظ على السفينة طوال قرون

واجه فريق الإنقاذ ظروفاً صعبة بسبب وجود بقايا السفينة الأندلسية عند مستوى المياه الجوفية وتحت طبقة من الطين.

لكن هذا الطين نفسه ساهم، بصورة غير متوقعة، في حماية الخشب من التلف طوال قرون، إذ حدّ من تعرضه للهواء والعوامل التي تؤدي عادة إلى تحلل المواد العضوية.

وتمكن الخبراء من انتشال ما لا يقل عن 400 قطعة بأحجام مختلفة وفي حالة حفظ جيدة نسبياً، شملت:

  • أجزاءً من الهيكل الخشبي الخارجي.
  • الأضلاع والإطارات الداخلية للسفينة.
  • قطعاً قد تكون من المجاديف.
  • مسامير وعناصر معدنية.
  • مواد خزفية عُثر عليها في الموقع.

وتمثل القطع المستخرجة نحو 30% فقط من السفينة الأصلية، بينما بقي أكثر من نصفها مدفوناً خلف الجدار الترابي لحفرة المترو، وفق المعلومات التي نقلتها وكالة أوروبا برس.

5
الأندلس

اختبارات الكربون تكشف عمر السفينة

لم يكن أصل السفينة الأندلسي مؤكداً عند اكتشافها سنة 1981. وبعد سنوات من الدراسة، تمكن عالم الآثار كارلوس كابريرا تيخيدور Carlos Cabrera Tejedor من تحديد تاريخها بالاعتماد على اختبارات الكربون المشع.

وأظهرت النتائج أن السفينة بُنيت واستُخدمت على الأرجح خلال النصف الثاني من القرن العاشر أو الربع الأول من القرن الحادي عشر.

ويتزامن هذا التاريخ مع نهاية الخلافة الأموية في قرطبة وبداية عصر ملوك الطوائف، وهي المرحلة التي برزت فيها إشبيلية تدريجياً باعتبارها واحدة من أقوى مدن الأندلس.

ويمكن قراءة المزيد عن هذه المرحلة في تقرير «إسبانيا بالعربي» حول قصة مملكة بني عباد في إشبيلية.

لماذا كانت السفينة تبحر وسط إشبيلية؟

قد يتساءل القارئ كيف وصلت سفينة إلى مكان يقع اليوم تحت ساحة في قلب إشبيلية بعيداً عن المجرى الحالي لنهر الوادي الكبير.

وتشير الدراسة إلى أن المكان كان جزءاً من المجرى القديم للنهر أو من المجال المرتبط بالميناء، قبل أن تتغير تضاريس المدينة ومسارات المياه خلال القرون اللاحقة.

ويعتقد الباحثون أن السفينة كانت قارباً خفيفاً للخدمة ونقل البضائع، بطول يقارب سبعة أمتار وعرض نحو مترين.

ولم يعثر الخبراء على بقايا صارية، ما يرجح أنها لم تكن تعتمد على الأشرعة، وإنما كانت تتحرك بواسطة المجاديف والقوة البشرية.

وربما استُخدمت لنقل السلع والمؤن بين الميناء والسفن التجارية الكبيرة التي كانت ترسو في نهر الوادي الكبير. وقد يكون غرقها ناجماً عن حادث عرضي وقع أثناء عملها.

وتكشف هذه الفرضية صورة مختلفة عن الحياة في الأندلس؛ فلم تكن إشبيلية مجرد مدينة للقصور والمساجد والعلماء، بل كانت أيضاً مركزاً للتجارة والنقل وبناء السفن.

ولا يزال جزء من التراث الإسلامي للمدينة قائماً حتى اليوم، مثل مسجد ابن عديّس في إشبيلية، الذي يعود بناؤه إلى القرن التاسع الميلادي.

الدينار الأندلسي

صنعها نجارون أندلسيون محليون

تدرس الباحثة مارتا ديل ماسترو أوتشوا Marta del Mastro Ochoa حالياً أجزاء الهيكل والأضلاع الخشبية، وقد أتاح تحليل طريقة تجميعها الوصول إلى معلومات جديدة عن صناعة السفن في إشبيلية الإسلامية.

وتشير النتائج الأولية إلى أن القارب لم يُجلب من منطقة أخرى، بل بُني في البيئة المحلية على أيدي نجارين أندلسيين متخصصين في صناعة وإصلاح السفن النهرية.

وهذا ما يجعل الاكتشاف مهماً؛ لأنه لا يقدم مجرد بقايا سفينة غارقة، بل يكشف تقنيات العمل والمعرفة التي امتلكها الحرفيون في إشبيلية قبل نحو ألف عام.

إعادة بناء أكثر من 400 قطعة بتقنية 3D

يستخدم الباحثون حالياً تقنيات التصوير المساحي Photogrammetry لإنتاج صور دقيقة للقطع من زوايا متعددة، ثم تحويلها إلى نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد.

وتسمح هذه العملية بـ:

  • تسجيل شكل كل قطعة وأبعادها بدقة.
  • دراسة طريقة صناعة الهيكل وتجميعه.
  • تحديد موضع القطع داخل السفينة الأصلية.
  • اختبار تصورات مختلفة لشكل القارب.
  • متابعة حالة الخشب دون الإضرار به.
  • إعداد نموذج رقمي يساعد على عرض السفينة للجمهور مستقبلاً.

ويجري المشروع بتمويل من معهد الآثار البحرية Institute of Nautical Archaeology التابع لجامعة تكساس إيه آند إم Texas A&M، ويشارك في تنسيقه مارتا ديل ماسترو أوتشوا وكارلوس كابريرا تيخيدور والأستاذ جون بي كوبر John P. Cooper.

ولا تعني «إعادة بناء السفينة» تركيب أجزائها الأصلية مادياً في الوقت الحالي، وإنما إعادة تكوين شكلها رقمياً باستخدام تقنية ثلاثية الأبعاد.

معركة ملاذكرد 1071.. عندما فُتِحَت أبواب العالم والتاريخ للأتراك
ملاذكرد

أين توجد بقايا السفينة الآن؟

ظلت القطع محفوظة لعقود في متحف الآثار في إشبيلية، الواقع داخل منتزه ماريا لويزا.

وبعد إغلاق المبنى الرئيسي للمتحف سنة 2020 من أجل تنفيذ أعمال الترميم والتأهيل، نُقلت البقايا في 19 حاوية خاصة بالحفظ إلى المركز اللوجستي للتراث الثقافي الأندلسي في بلدة لا رينكونادا La Rinconada التابعة لمحافظة إشبيلية.

ولا تزال القطع محفوظة هناك ومتاحة للباحثين من أجل فحصها وإجراء الدراسات العلمية عليها.

ويضم متحف الآثار في إشبيلية أكثر من 700 ألف قطعة وسجل أثري، لكن بقايا هذه السفينة هي الأجزاء الوحيدة المرتبطة بسفينة غارقة ضمن مجموعته الواسعة.

هل تعود المرساة إلى السفينة نفسها؟

عُثر في الموقع أيضاً على مرساة ذات شكل صليبي، إلا أن الدراسات أوضحت أنها لا تنتمي على الأرجح إلى السفينة الأندلسية.

وكان عالم الآثار لويس خافيير غيريرو ميسا قد ربط صناعة المرساة بالتقاليد البيزنطية، وطرح احتمال أن تكون قد سقطت من سفينة أخرى أبحرت في ميناء إشبيلية القديم خلال النصف الثاني من القرن السادس الميلادي.

ويعني ذلك أن الموقع قد يحتفظ بآثار لحركة الملاحة في إشبيلية خلال فترات تاريخية مختلفة، وليس خلال العصر الأندلسي فقط.

معارك الأندلس

السفينة الأندلسية الوحيدة من نوعها في أوروبا

تؤكد حكومة إقليم الأندلس أن هذه البقايا تمثل الحالة الوحيدة المعروفة لسفينة أندلسية من القرن الحادي عشر ضمن السجل الأثري الأوروبي.

أما الباحثة مارتا ديل ماسترو، فتشير إلى أن أهميتها قد تتجاوز شبه الجزيرة الإيبيرية، موضحة أن سفينتين أخريين اكتُشفتا في مدينة مرسيليا الفرنسية، لكنهما كانتا في حالة حفظ سيئة.

وتتميز سفينة إشبيلية بأنها عُثر عليها داخل سياقها المحلي والاجتماعي، في منطقة شهدت حركة نهرية، إضافة إلى ثبوت أن حرفيين محليين شاركوا في بنائها.

وبذلك لا تعود إلى الحياة سفينة أندلسية فحسب، بل تعود معها صورة ميناء إشبيلية قبل ألف عام: مجاديف تتحرك فوق مياه الوادي الكبير، وقوارب صغيرة تنقل البضائع، ونجارون يصنعون السفن على ضفاف النهر، ومدينة تربط داخل الأندلس بالعالم المتوسطي.

وتتوفر معلومات إضافية عن تاريخ المدينة ومعالمها في موسوعة إشبيلية على موقع إسبانيا بالعربي.

المصادر الخارجية: Europa Press، Diario de Sevilla.

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى