ماذا تعرف عن القنوات الأندلسية المذهلة التي أمدّت مدريد بالماء لقرون؟

تحت شوارع مدريد، شبكة واسعة من القنوات والمنشآت التي تحكي جانباً مهماً من تاريخ تطور العاصمة الإسبانية، من أنظمة المياه التي تعود إلى العصر الإسلامي وصولاً إلى شبكة الصرف الصحي الحديثة التي تطورت بالتزامن مع النمو السكاني والعمراني للمدينة.
ولم يكن توفير المياه والتخلص من المياه المستعملة مسألة بسيطة في مدريد القديمة، إذ ظلت النظافة والصحة العامة من أبرز التحديات التي واجهتها المدينة لقرون، قبل أن تبدأ مشاريع هندسية كبرى في تغيير واقعها خلال القرن التاسع عشر.
نظام مائي يعود إلى العصر الإسلامي
قبل ظهور شبكة الصرف الصحي الحديثة، اعتمدت مدريد على نظام عُرف باسم «رحلات المياه»، وهو عبارة عن قنوات ومعابر جوفية كانت تستغل المياه الجوفية وتنقلها بالجاذبية إلى النوافير العامة والأديرة وبعض المباني المهمة. وقد مكّن هذا النظام المدينة من الحصول على المياه لقرون، لكنه لم يكن مصمماً للتعامل مع الاحتياجات المتزايدة لمدينة أخذ عدد سكانها في الارتفاع.
وفي المقابل، كان التخلص من المياه المستعملة أكثر بدائية، إذ ظلت شوارع مدريد لوقت طويل تؤدي دوراً يشبه مجاري التصريف المفتوحة، الأمر الذي ساهم في انتشار الروائح الكريهة والمشكلات الصحية.

محاولات مبكرة لبناء شبكة للصرف الصحي
بدأت محاولات معالجة المشكلة بشكل أكثر تنظيماً خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وفي عام 1618، وُضع مشروع لإنشاء قنوات للصرف الصحي في بعض مناطق مدريد، لكنه لم ينفذ على نطاق واسع. وفي عام 1717، اقترح المهندس المعماري تيودورو أرديمانس نظاماً لتصريف المياه المستعملة من المنازل نحو آبار مخصصة لذلك. غير أن القيود التقنية والمالية حالت دون تعميم هذه المشاريع، لتبقى مشكلة الصرف الصحي قائمة مع توسع المدينة.
كارلوس الثالث يمهد الطريق أمام التغيير
شهد عهد الملك كارلوس الثالث، الذي تولى العرش عام 1759، خطوات مهمة لتحسين نظافة مدريد. وبالتعاون مع المهندس المعماري فرانشيسكو ساباتيني، بدأت أعمال شملت رصف الشوارع وتركيب قنوات لتصريف مياه الأمطار وإنشاء المراحيض والآبار السوداء والمجاري.
كما جرى منع السكان من إلقاء النفايات والفضلات من النوافذ، وهي ممارسة كانت شائعة في المدينة، لتنتهي تدريجياً عادة الإعلان عن إلقاء المياه في الشوارع بالنداء الشهير «الماء قادم». لكن الشبكة الناشئة بقيت تعاني من مشكلات تقنية وتنظيمية، وبحلول عام 1850 كانت شبكة الصرف في مدريد تعاني من أوجه قصور كبيرة ولم تكن قادرة على أداء وظيفتها بكفاءة.

القرن التاسع عشر.. بداية الصرف الصحي الحديث
جاء التحول الأكبر في منتصف القرن التاسع عشر، بالتزامن مع إنشاء قناة إيزابيل الثانية لتوفير المياه للعاصمة. وفي عام 1855، نُقلت مسؤولية بناء شبكات الصرف الجديدة إلى قناة إيزابيل الثانية، وبدأت الأشغال في منتصف عام 1856 وفق تصور هندسي أكثر تكاملاً.
وصُممت الشبكة الجديدة بحيث تكون منفصلة عن شبكة مياه الشرب، مع جمع مياه الأمطار والمياه المستعملة في نظام واحد، وهو ما عُرف بالنظام الموحد. وبحلول عام 1865، كانت مدريد تضم أكثر من 90 كيلومتراً من شبكات الصرف العاملة، رغم استمرار مشكلات الانسداد الناجمة جزئياً عن إلقاء مواد صلبة داخل القنوات.
من مئات الكيلومترات إلى آلافها
استمر توسع الشبكة خلال أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين بالتوازي مع توسع مدريد عمرانياً وزيادة عدد سكانها. وفي عام 1909، أُعد مشروع عام لتنظيم البنية التحتية الموجودة تحت الأرض في مدريد، وأُقر في العام التالي، ليسهم في إعادة تنظيم جزء كبير من شبكة المجمعات والقنوات ووضع أسس شبكة الصرف الحديثة.
ومع مرور العقود، أضيفت شبكات جديدة ومحطات ضخ ومحطات لمعالجة مياه الصرف، وأصبحت إدارة دورة المياه أكثر تكاملاً.
وفي سياق متصل، تتجاوز شبكة الصرف الصحي في مدينة مدريد نفسها 5 آلاف كيلومتر حالياً، وتضم قنوات تتراوح أحجامها من أنابيب صغيرة يبلغ قطرها نحو 30 سنتيمتراً إلى مجمعات ضخمة يصل ارتفاع بعضها إلى سبعة أمتار.

بنية تحت الأرض تخدم ملايين السكان
تتعامل شبكة الصرف في العاصمة سنوياً مع أكثر من 500 مليون متر مكعب من مياه الصرف ومياه الأمطار، وهو ما يتطلب منشآت إضافية، من بينها خزانات مياه الأمطار ومحطات ومرافق أخرى. وتضم مدريد 36 خزاناً لمياه الأمطار، إضافة إلى نحو 110 آلاف فتحة لتصريف المياه و125 ألف بئر تفتيش، بحسب قناة إيزابيل الثانية.
وفي الوقت الحالي، لم تعد صيانة هذه الشبكة تعتمد فقط على الوسائل التقليدية، إذ تُستخدم تقنيات حديثة للمراقبة والكشف عن الأعطال، بما في ذلك أجهزة الاستشعار والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، بهدف فحص المنشآت الجوفية وتحسين أعمال الصيانة.
تحديات جديدة تحت شوارع مدريد
وعلى الرغم من التطور الكبير الذي شهدته شبكة الصرف الصحي، فإنها تواجه تحديات جديدة مرتبطة بالتوسع العمراني وتغير المناخ وتغير أنماط الاستهلاك. ومن أبرز المشكلات التي تواجهها الشبكة تراكم المواد غير القابلة للتحلل، ولا سيما المناديل المبللة، التي يمكن أن تتسبب في انسداد القنوات ورفع تكاليف الصيانة.
وهكذا، تحولت البنية التحتية الموجودة تحت شوارع مدريد من أنظمة مائية تعود جذورها إلى العصر الإسلامي إلى شبكة هندسية معقدة تراكمت مراحل تطورها على مدى قرون، وأصبحت اليوم جزءاً أساسياً من عمل العاصمة وسلامة سكانها.
إسبانيا بالعربي.
