اشترك في قناتنا على الواتساب
انقر هنا
شؤون قانونيةآخر الأخبار

تفكيك رواية “الهجرة والجريمة”: قراءة استقصائية في تقرير شرطة كتالونيا لعام 2025

أعاد تقرير داخلي منسوب إلى شرطة كتالونيا، في 11 مايو 2026، فتح نقاش سياسي واجتماعي واسع في إسبانيا حول طبيعة العلاقة بين الهجرة ومعدلات الجريمة، وذلك عقب نشر صحيفة El Español معطيات تشير إلى تمثيل مرتفع للأجانب ضمن فئة الموقوفين في عدد من الجرائم خلال عام 2025. ووفقاً لهذه البيانات، فقد شكّل غير الإسبان 84.3% من الموقوفين في قضايا السرقة البسيطة (hurtos)، و73% في جرائم السطو بالعنف أو التهديد، و60.3% في الاعتداءات الجنسية، و55% في قضايا القتل أو الشروع فيه، في حين لا تتجاوز نسبتهم السكانية 18.7% داخل إقليم كتالونيا بحسب معهد الإحصاء الكتالوني Idescat.
غير أن هذه الأرقام، رغم دلالتها الإحصائية، لا يمكن قراءتها باعتبارها مؤشراً مباشراً على علاقة سببية بين الهجرة والجريمة. فهي تتعلق بفئة “الموقوفين” في إطار الاشتباه والإجراءات الأمنية الأولية، وليس بفئة “المدانين” الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية نهائية، وهو ما يجعلها تعكس نشاط الاستجابة الشرطية بقدر ما تعكس الظاهرة الإجرامية ذاتها. كما أن عزل هذه المعطيات عن سياقها البنيوي الأوسع—بما يشمل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والقانونية—قد يؤدي إلى استنتاجات مبسطة تختزل ظاهرة مركبة في متغير واحد.
وتشير القراءة الأولية للمعطيات، في ضوء ما تطرحه المصادر الرسمية والتحليلات الصحفية، إلى أن الصورة التي تقدمها هذه الإحصاءات لا تعكس علاقة خطية بين الهجرة والجريمة، بقدر ما تكشف عن تداخل مجموعة من العوامل، من بينها الهشاشة الاجتماعية، والضغط الحضري في المدن الكبرى، وثغرات الاندماج القانوني والاقتصادي، إضافة إلى نشاط شبكات الجريمة المنظمة، فضلاً عن ظاهرة التكرار الإجرامي التي قد تؤدي إلى تضخيم بعض المؤشرات داخل الإحصاءات الشرطية

الإطار المنهجي – لماذا “الموقوف” ليس “المدان”


يمثل الخلط بين مستويات العدالة الجنائية إحدى أبرز الإشكاليات المنهجية في قراءة الإحصاءات الشرطية، خصوصاً عندما تُستخدم هذه البيانات في النقاش العام أو الإعلامي خارج سياقها الفني. فالنظام الجنائي لا يتعامل مع “الجريمة” ككتلة واحدة، بل يمر عبر مراحل قانونية متدرجة تختلف في طبيعتها القانونية والدلالية، وهو ما يجعل دمجها أو التعامل معها كمعطى واحد أمراً مضللاً من الناحية التحليلية.
يمكن التمييز في هذا السياق بين ثلاث طبقات رئيسية داخل المسار الجنائي. الأولى هي الموقوف (Detenido)، وهو شخص تم احتجازه من قبل الشرطة للاشتباه في تورطه في فعل جنائي، سواء في إطار تحقيق أولي أو عملية ضبط ميداني، دون أن يعني ذلك ثبوت المسؤولية القانونية بحقه. أما الطبقة الثانية فهي المتهم (Imputado)، وهي مرحلة أكثر تقدماً في المسار القضائي، حيث يتم توجيه اتهام رسمي بناءً على أدلة أولية تسمح بفتح مسار قضائي ضد الشخص المعني. في حين تمثل الطبقة الثالثة المدان (Condenado)، وهو الشخص الذي صدر بحقه حكم قضائي نهائي من محكمة مختصة بعد استنفاد مراحل التقاضي أو الطعن، ما يجعل مسؤوليته الجنائية مثبتة قانونياً.
الإشكال الأساسي في البيانات المتداولة حول ملف كتالونيا أنها تنتمي حصراً إلى الفئة الأولى، أي فئة “الموقوفين”، وهي الفئة الأكثر حساسية من حيث التفسير الإحصائي، لأنها لا تعكس نتائج قضائية نهائية، بل تعكس لحظة التدخل الأمني الأولي. كما أن هذه الفئة تتأثر بشكل مباشر بالسياسات الشرطية الميدانية، بما في ذلك توزيع الدوريات، وأولويات الأجهزة الأمنية، واستراتيجيات الاستجابة للجريمة في الفضاء العام.
إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة الجرائم التي تدخل عادة ضمن بيانات التوقيف تميل إلى ما يُعرف بالجرائم “المرئية” أو “الشارعية”، مثل السرقات البسيطة، والنشل، والاعتداءات في الأماكن العامة، وهي جرائم يسهل رصدها والتدخل فيها بشكل فوري. في المقابل، تبقى الجرائم “غير المرئية” — مثل الاحتيال المالي، والجرائم الاقتصادية، والجرائم السيبرانية — أقل حضوراً في إحصاءات التوقيف، لأنها تتطلب تحقيقات معقدة ومسارات قضائية أطول، ولا تظهر بنفس الكثافة في بيانات الاعتقال الفوري.
وبناءً على ذلك، فإن الأرقام المتعلقة بالموقوفين لا يمكن قراءتها بوصفها انعكاساً مباشراً لمستوى الجريمة في المجتمع، بل هي في الواقع تعبير مزدوج يعكس من جهة نشاطاً جنائياً محتملاً، ومن جهة أخرى نمطاً من النشاط الشرطي وآليات التدخل الأمني. وهذا الفارق المنهجي بين “قياس الجريمة” و“قياس الاستجابة الشرطية” يمثل نقطة مركزية في أي تحليل علمي دقيق لهذه الإحصاءات، ويحدد إلى حد كبير مدى صحة الاستنتاجات المستخلصة منها.

حقوق المعتقل في اسبانيا ، محام
معتقل

البنية الاجتماعية الخفية وراء الأرقام

عند تفكيك معطيات ملف كتالونيا خارج الإطار الأمني المباشر، يتضح أن قراءة الظاهرة تتطلب الانتقال من التفسير الأحادي إلى تحليل متعدد المستويات يأخذ في الاعتبار مجموعة من العوامل البنيوية المتداخلة التي تشكل السياق الاجتماعي والاقتصادي الأوسع. فالأرقام الشرطية، في حد ذاتها، لا تكتسب معناها الكامل إلا عند وضعها داخل البيئة الحضرية التي تنتجها وتؤثر فيها.
في هذا السياق، يبرز عامل الفقر والهشاشة الحضرية كأحد المحددات الأساسية. فالأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة، ومستويات البطالة الأعلى من المتوسط، وأنماط السكن غير المستقرة، تمثل بيئات أكثر عرضة لانتشار الجرائم منخفضة العتبة مثل السرقة والنشل. وهذه العوامل لا ترتبط بالانتماء القومي بقدر ما ترتبط بالموقع الاجتماعي والاقتصادي داخل المدينة، حيث تتقاطع محدودية الفرص مع ضعف الحماية الاجتماعية.
كما يشكل التعثر القانوني والاقتصادي في سوق العمل عنصراً إضافياً في تفسير الهشاشة. ففترات الانتظار الطويلة للحصول على تصاريح العمل أو تسوية الوضع الإداري تخلق فجوة زمنية بين الوصول إلى البلد والاستقرار الاقتصادي الفعلي، وهي فترة غالباً ما تكون عالية الحساسية من حيث التعرض للاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي أو فقدان الاستقرار المعيشي، بما ينعكس على مستويات الهشاشة الفردية.
ومن زاوية أخرى، يبرز الاستقطاب الجغرافي داخل المدن الكبرى كعامل ضاغط، حيث تشير الحالة في مدن مثل برشلونة وL’Hospitalet de Llobregat إلى تركز جزء كبير من السكان المهاجرين في أحياء مكتظة ذات ضغط مرتفع على الخدمات العامة. هذا التركز المكاني يؤدي إلى زيادة الاحتكاك الاجتماعي في الفضاء العام، ويضاعف التحديات المرتبطة بإدارة التعايش الحضري داخل بيئات عالية الكثافة السكانية.
إلى جانب ذلك، تشير تقارير أمنية متعددة إلى دور الشبكات الإجرامية المنظمة التي تستغل أوضاع الهشاشة الاقتصادية لبعض الأفراد، سواء عبر تجنيدهم في أنشطة مثل النشل والسرقات السياحية، أو عبر إدماجهم في شبكات الاتجار غير المشروع. في هذه الحالة، لا تعود بعض الوقائع نتاجاً لانحراف فردي معزول، بل تتحول إلى جزء من بنية إجرامية منظمة تستفيد من هشاشة اجتماعية قائمة.
كما لا يمكن إغفال البعد الديموغرافي المرتبط بالتركيبة العمرية، حيث يميل جزء كبير من المهاجرين الجدد إلى الفئات الشابة، وهي الفئة التي تُظهر في الإحصاءات الدولية، بغض النظر عن الجنسية، معدلات أعلى نسبياً في الانخراط في بعض أشكال الجريمة مقارنة بالفئات العمرية الأكبر سناً، وهو ما يرتبط بعوامل اجتماعية وسلوكية عامة لا تقتصر على سياق بعينه.
في المقابل، اكتسبت هذه المعطيات بعداً سياسياً وإعلامياً متزايداً داخل إسبانيا، حيث تحولت أرقام شرطة كتالونيا إلى مادة نقاش عامة تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع السجال السياسي حول الهجرة. فقد وظفت بعض التيارات السياسية هذه البيانات في إطار الدعوة إلى تشديد سياسات الهجرة وضبط الحدود، بينما حذرت أطراف أخرى من مخاطر استخدام الإحصاءات الشرطية خارج سياقها العلمي، لما قد يترتب على ذلك من وصم جماعي لفئات اجتماعية محددة.
وفي هذا الإطار، دعت وسائل إعلام إسبانية مثل Cadena SER وEl País إلى مقاربة أكثر حذراً في قراءة هذه الأرقام، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين المؤشرات الشرطية الأولية والنتائج القضائية النهائية. ويعكس هذا التباين في المواقف تحول البيانات الأمنية من كونها أدوات تقنية متخصصة إلى عناصر فاعلة في النقاش العام، تُستخدم ضمن صراع أوسع حول قضايا الهوية والهجرة والسياسات الاجتماعية في إسبانيا.

الشرطة
مهاجرين

تداعيات الملف على ملف التسوية الذي تقودك حكومة سانشيز


عند صدور أو تسريب معطيات منسوبة إلى شرطة كتالونيا حول نسب الموقوفين حسب الجنسية، انتقل الملف سريعاً من نطاقه الأمني التقني إلى ساحة الجدل السياسي في إسبانيا، حيث أصبح جزءاً من النقاش الأوسع حول الهجرة، في سياق يتزامن مع دفع حكومة حزب العمال الاشتراكي PSOE بقيادة Pedro Sánchez نحو سياسات تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين داخل البرلمان الإسباني وعلى المستوى الأوروبي.
في هذا السياق، تعاملت أحزاب اليمين واليمين المحافظ، وعلى رأسها Partido Popular وVox، مع هذه المعطيات باعتبارها فرصة سياسية لإعادة تأطير النقاش حول الهجرة من زاوية أمنية. وقد تجلى ذلك من خلال التركيز على أكثر المؤشرات حساسية في البيانات، خصوصاً نسب الموقوفين المرتبطة بالجنسية، وربطها بشكل مباشر بخطاب “الأمن العام”، ثم توظيفها ضمن نقد أوسع لسياسات الهجرة والتسوية التي تتبناها الحكومة. هذا النمط من التفاعل لا يُعد استثناءً في السياق الإسباني، بل يتكرر بشكل لافت كلما ظهرت بيانات جنائية قابلة للتأويل حسب الهوية أو الأصل.
وتقوم آلية التوظيف السياسي لهذه البيانات على تحويل تدريجي في المعنى: إذ يتم الانتقال من كونها “بيانات شرطية تتعلق بالموقوفين في قضايا محددة” إلى اعتبارها مؤشراً على “مشكلة هجرة تؤثر على الأمن العام”، ثم تُستخدم لاحقاً لتوجيه نقد سياسي مباشر مفاده أن “سياسات الحكومة في إدارة الهجرة غير فعّالة”. وبهذا الشكل، لا يبقى التقرير في نطاقه الإحصائي، بل يتحول إلى أداة في الصراع السياسي حول تعريف أسباب الجريمة وأولويات السياسات العامة.
كما يتم إدراج هذه المعطيات داخل سياق أوسع يتعلق بسياسة التسوية (regularización) التي تدفع بها الحكومة، حيث تقدم المعارضة هذا المسار باعتباره مرتبطاً ضمنياً بزيادة الضغط على النظام الأمني، عبر طرح سؤال سياسي متكرر: كيف يمكن المضي في تسوية أوضاع مهاجرين غير نظاميين في وقت تُظهر فيه بعض الإحصاءات الشرطية ارتفاعاً في نسب الموقوفين ضمن فئات معينة؟ ورغم أن هذا الربط لا يقوم على علاقة سببية مثبتة، إلا أنه يكتسب قوة سياسية وإعلامية داخل النقاش العام.
وتستفيد هذه الديناميكية من ما يُعرف في الأدبيات السياسية والإعلامية بـ “نافذة الفرصة الإعلامية” (media opportunity window)، حيث يتم استثمار لحظات صدور بيانات مثيرة للجدل أو عالية الحساسية لتكثيف الضغط السياسي على الحكومة، خصوصاً عندما تكون السياسات المطروحة — مثل التسوية — في مراحل تشريعية قابلة للنقاش أو التعديل.
ولا يمكن اعتبار هذا النمط استثناءً في السياق الإسباني، بل هو جزء من نمط متكرر في التعامل مع ملفات الهجرة والجريمة. فعند ظهور أي بيانات مرتبطة بالجريمة أو الهجرة أو الأمن الحضري، يتوزع الخطاب السياسي والإعلامي وفق خطوط واضحة: يميل اليمين إلى التركيز على الأمن والانفلات، بينما يركز اليسار على الاندماج والعوامل الاجتماعية والاقتصادية، في حين يعكس الإعلام بدوره هذا الانقسام عبر اختلاف الأطر التفسيرية المستخدمة في تغطية الحدث، وهو ما تصفه الدراسات السياسية والإعلامية بظاهرة “تسييس الإحصاءات الجنائية”.
وفي هذا الإطار، تصبح سياسة التسوية التي تقودها حكومة سانشيز جزءاً من هذا السجال البنيوي، حيث تُقدم من جانب الحكومة باعتبارها أداة لإدماج المهاجرين غير النظاميين في سوق العمل وتقليص الاقتصاد غير الرسمي، بينما تُطرح من جانب المعارضة بوصفها عاملاً قد يؤدي إلى زيادة الضغط على النظام الأمني أو تشجيع الهجرة غير النظامية. وبهذا المعنى، تتحول أي بيانات أمنية إلى مادة قابلة للتوظيف داخل خطاب سياسي متنازع عليه.
وتسمح قراءة هذا المشهد بشكل إجمالي بفهم أن ما يحدث لا يندرج بالضرورة ضمن إطار “تضخيم منظم” أو توجيه مباشر للبيانات، بل يعكس في جوهره تفاعلاً سياسياً وإعلامياً طبيعياً داخل نظام ديمقراطي شديد الاستقطاب، حيث تتداخل البيانات الأمنية مع الصراع حول السياسات العامة والهوية والهجرة.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن أحزاب اليمين استثمرت هذه المعطيات لتعزيز خطابها السياسي المعارض لسياسات التسوية، دون أن يعني ذلك وجود علاقة إنتاج أو توجيه لهذه البيانات نفسها، بل هو توظيف سياسي لاحق لحدث إحصائي ضمن سياق أوسع من النقاش حول الهجرة في إسبانيا.

الشرطة
الشرطة

توصيات عملية

تتمثل نقطة الانطلاق لأي معالجة فعّالة للملف في إعادة ضبط أدوات القياس والتحليل على المستوى الرسمي، بحيث تعكس الإحصاءات الجنائية بصورة أدق الفروق بين مراحل العدالة الجنائية المختلفة. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تطوير أنظمة إحصائية أكثر تفصيلاً تميز بشكل واضح بين فئات الموقوفين والمتهمين والمدانين، بما يحد من سوء التفسير الذي قد ينشأ عن قراءة بيانات أولية على أنها نتائج قضائية نهائية.
كما تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه الاستراتيجية الأمنية نحو مقاربة أكثر انتقائية وفعالية، تركز على شبكات الجريمة والمجرمين متكرري الفعل بدلاً من التوسع في سياسات الاعتقال العامة. ويوازي ذلك تعزيز التكامل المؤسسي بين الأجهزة الأمنية والخدمات الاجتماعية، خصوصاً في المناطق ذات الهشاشة المرتفعة، بما يسمح بالتعامل مع الجريمة باعتبارها ظاهرة اجتماعية أيضاً وليست أمنية فقط. وفي الإطار نفسه، يظل تسريع إجراءات تسوية الإقامة والعمل عاملاً محورياً في تقليص فترات الهشاشة القانونية التي قد تشكل بيئة خصبة للانكشاف الاجتماعي والاقتصادي.
وعلى المستوى السياسي، تبرز أهمية ضبط الخطاب العام المتعلق ببيانات الجريمة، بما يحد من استخدامها في سياقات انتخابية أو سجالية بطريقة تبسيطية تُخرجها من سياقها الفني. ويستدعي ذلك تطوير مقاربة تشريعية وسياسية توازن بين مبدأ الشفافية في نشر الإحصاءات من جهة، ومنع إنتاج خطاب وصم جماعي من جهة أخرى، مع إعادة توجيه سياسات الهجرة نحو نموذج يركز على الإدماج الاقتصادي والاجتماعي باعتباره جزءاً من إدارة الاستقرار العام.
أما على المستوى المجتمعي والإعلامي، فتتمثل الأولوية في رفع مستوى الوعي العام بكيفية قراءة البيانات الجنائية، بما في ذلك التمييز بين مفهوم “الموقوف” و“المدان”، وتجنب التعميمات القائمة على الجنسية أو الأصل في تفسير الظواهر الإجرامية. كما يبرز دور الإعلام في تعزيز مقاربات تحقيقية تربط الأرقام بسياقها الاجتماعي والاقتصادي بدلاً من الاقتصار على العناوين المثيرة، إلى جانب دعم المبادرات المحلية الهادفة إلى تعزيز الاندماج والتماسك الاجتماعي في الأحياء ذات الضغط الحضري المرتفع.
وبهذا المعنى، لا يعود السؤال المركزي محصوراً في تحديد من يرتكب الجريمة، بل يتحول إلى إشكالية أكثر تركيباً تتعلق بكيفية إنتاج المدن الحديثة لأنماط من الهشاشة الاجتماعية، وبمدى قدرة السياسات العامة على إدارتها بفعالية دون المساس بأسس التماسك الاجتماعي أو تقويض مسارات التعايش داخل المجتمعات الحضرية المتعددة.

خاتمة

لا تقدم بيانات شرطة كتالونيا، في حدودها الإحصائية والأمنية، دليلاً مباشراً على وجود علاقة سببية بين الهجرة والجريمة، بقدر ما تعكس صورة مركبة لمدينة كبرى تخضع لضغوط اجتماعية واقتصادية وأمنية متداخلة. ويعني ذلك أن قراءة هذه المعطيات خارج سياقها المؤسسي والبنيوي قد تؤدي إلى استنتاجات مبسطة لا تعكس تعقيد الظاهرة ولا تعددية عواملها.
وتتمثل الإشكالية الأساسية، في هذا السياق، في أن التركيز لا ينبغي أن ينصب على وجود فئات مهاجرة داخل الإحصاءات بحد ذاته، بل على فهم السياقات الحضرية والاقتصادية التي تُنتج بيئات هشّة، تتقاطع فيها عوامل الفقر، والهجرة، وعدم تكافؤ الفرص، مع أنماط مختلفة من السلوك الإجرامي. فالمسألة في جوهرها ترتبط بكيفية إدارة التحولات الاجتماعية داخل المدن الكبرى، أكثر من ارتباطها بهوية فئة بعينها.
وفي موازاة ذلك، اكتسب الملف بعداً سياسياً وإعلامياً أوسع من نطاقه الإحصائي، ضمن سياق النقاش الدائر في إسبانيا حول سياسات تسوية أوضاع المهاجرين التي تقودها حكومة بيدرو سانشيز. وقد جرى توظيف هذه المعطيات في بعض الخطابات العامة بوصفها مؤشرات على مخاطر اجتماعية وأمنية محتملة، وهو ما ساهم في إعادة تأطيرها خارج سياقها التقني المرتبط بعمل الأجهزة الشرطية. وينعكس هذا النمط من التأطير على مستوى الرأي العام من خلال تعزيز قراءات تبسيطية للعلاقة بين الهجرة والأمن، بما قد ينعكس على تصورات التماسك الاجتماعي ومساحات التعايش داخل المجتمع.
وفي المقابل، يبرز في النقاش العام تيار آخر يدعو إلى مقاربة أكثر توازناً، تربط بين سياسات الهجرة من جهة، وبين متطلبات الاندماج والعدالة الاجتماعية وإدارة التفاوتات الحضرية من جهة أخرى، بما يضمن معالجة التحديات القائمة ضمن إطار مؤسساتي شامل يوازن بين الاعتبارات الأمنية وحقوق الأفراد، ويعزز في الوقت ذاته أسس التعايش داخل مجتمع متعدد الثقافات.

د. راسم بشارات – المدير العام جمعية جسور – مركز الدراسات حول الهجرة والتماسك الاجتماعي والتعاون الثقافي

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى