لماذا اختارت الصين إسبانيا بوابة إلى أوروبا؟ استثماراتها تقفز بنسبة 540%
إسبانيا كبوابة للصناعة الأوروبية. في السنوات الأخيرة، فقد شنت الصين خلال السنوات الأخيرة حملة استثمارية واسعة بهدف ترسيخ وجود كبرى المجموعات والشركات الصينية داخل الأراضي الإسبانية. في الواقع، منذ عام 2023، مع بداية الدورة التشريعية الحالية، زادت الصين، عملاق الاستثمار الآسيوي، رأسمالها المستثمر في إسبانيا بنسبة 540%، وفقًا لأحدث البيانات الرسمية.
أثارت الصين مخاوف لدى كلٍّ من وزارة الدفاع الإسبانية ومركز الاستخبارات الوطني (CNI) بسبب مصنع السيارات الذي تعتزم شركة SAIC Motor الصينية إنشاؤه في فيرول عام 2028، والذي سيقع على مسافة قريبة من الميناء الاستراتيجي التابع للبحرية الإسبانية في المدينة الواقعة بمنطقة غاليسيا، وفقًا لما نشرته صحيفتا إل موندو وإل باييس. وترى السلطات أن هذا الموقع قد يشكل خطرًا للتجسس بسبب قرب المصنع أيضًا من حوض بناء السفن التابع لشركة Navantia، التي تستخدم أنظمة عسكرية أمريكية.
ارتفع رأس المال الصيني المستثمر في إسبانيا بشكل ملحوظ خلال الولاية التشريعية الحالية، التي بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023. فقد انتقلت قيمة صافي الاستثمارات الصينية من نحو 98.3 مليون يورو في نهاية ذلك العام إلى 628 مليون يورو بحلول نهاية عام 2025، وفق أحدث البيانات المتاحة عن سنة مالية كاملة في الإحصاءات الرسمية لوزارة الاقتصاد الإسبانية.
هذا النمو القياسي في الاستثمارات الصينية جعل إسبانيا شريكًا صناعيًا مهمًا في توسع الصين داخل السوق الأوروبية، ولا سيما في صناعة السيارات، ومصانع البطاريات العملاقة، والطاقة المتجددة. لكنه أثار في الوقت نفسه مخاوف داخل الأوساط المصرفية الاستثمارية، إذ يرى بعض المصرفيين أن إسبانيا تعمل على «فرش السجادة الحمراء» أمام الصين في قطاعات استراتيجية كان من المفترض أن تستثمر فيها دول الاتحاد الأوروبي وتطورها بنفسها، وفق ما يؤكد مسؤول تنفيذي رفيع في أحد أكبر بنوك الاستثمار في أوروبا، طلب عدم الكشف عن هويته.
الصين تدخل قائمة أكبر 10 مستثمرين
وفي إسبانيا، انتقل رأس المال الصيني من خارج قائمة أكبر 20 مستثمرًا أجنبيًا إلى المركز التاسع حاليًا، فيما تتصدر الولايات المتحدة القائمة بفارق كبير، إذ تستحوذ الاستثمارات الأمريكية على ما يقارب ثلث إجمالي الأموال الأجنبية المتدفقة إلى البلاد.
تشمل هذه القيمة من صافي الاستثمارات عمليات سحب الاستثمارات أيضًا، والتي بلغت في حالة الصين نحو 16 مليون يورو فقط، مسجلة انخفاضًا بنسبة 25% على أساس سنوي في نهاية العام الماضي. أما صافي الاستثمار في رأس المال وحقوق الملكية فقد بلغ 434.9 مليون يورو، بزيادة تراكمية قدرها 340% مقارنة بعام 2023.
كما ارتفع التمويل داخل المجموعة، الذي تستخدمه الشركات الكبرى لإعادة استثمار أرباحها في الشركات التابعة، بنسبة 589% مقارنة بعام 2024. ولا يمكن إجراء مقارنة مع عام 2023، لأن إحصاءات وزارة الاقتصاد الإسبانية لم تكن تفصل هذا النوع من التمويل بشكل مستقل في ذلك الوقت.
وتشير هذه الأرقام، بحسب مصادر في قطاع الأعمال، إلى دليل إضافي على النمو الكبير والمستقر للاستثمارات الصينية في إسبانيا.
سانشيز يعرض إقامة علاقات «أوثق»
عزّز رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز العلاقات التجارية مع الصين خلال الولاية التشريعية الحالية، وذلك بعد خلافه مع دونالد ترامب بشأن الإنفاق على حلف شمال الأطلسي (الناتو). وفي أبريل/نيسان من هذا العام، عرض سانشيز على الرئيس الصيني شي جين بينغ إقامة علاقة اقتصادية «أكثر قربًا وصحة وتوازنًا». وخلال زيارته إلى بكين قبل أربعة أشهر، وهي الزيارة الرابعة له إلى الصين منذ توليه رئاسة الحكومة الإسبانية، وقّع سانشيز نحو عشرة اتفاقيات تهدف إلى تشجيع الاستثمارات والشراكات التجارية، وشملت قطاعات مختلفة من الزراعة إلى التكنولوجيا. وتشير التقديرات إلى أن العجز التجاري الإسباني مع الصين يتجاوز 40 مليار يورو.
وعلى خلفية الجدل بشأن مصنع السيارات المزمع إنشاؤه في فيرول، سارعت حكومة إقليم غاليسيا والحزب الشعبي والحكومة الإسبانية إلى الدفاع عن الاستثمارات الصينية. وقال وزير التحول الرقمي والخدمة العامة أوسكار لوبيز، ردًا على التحذيرات الصادرة عن وزارة الدفاع ومركز الاستخبارات الوطني (CNI): «تخضع هذه الاستثمارات للتحليل، وقد تصدر مجموعة من التوصيات من الناحيتين الاقتصادية أو الأمنية، ويتم التعامل معها بما يجعل تنفيذ الصفقة ممكنًا».
وقد تزيد هذه المخاوف من توتر العلاقات مع الولايات المتحدة، التي سبق أن انتقدت خطط سانشيز المتعلقة بحلف الناتو، وكذلك رفض إسبانيا السماح باستخدام قاعدتي روتا ومورون في العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران.
أسطول سيارات MG التابع لحكومة غاليسيا
تُعد شركة SAIC Motor الصينية واحدة من أكبر شركات تصنيع السيارات في العالم، وتمتلك علامة MG ذات الأصل البريطاني، التي استحوذت عليها عام 2005 بعد إفلاس شركة MG Rover. وتُعد العلامة إحدى الركائز الأساسية لاستراتيجية الشركة في التوسع داخل السوق الأوروبية. وفي هذا السياق، أبرمت SAIC Motor اتفاقية مع حكومة إقليم غاليسيا، التي تمتلك، بحسب مصادر مطلعة، أسطولًا من السيارات الرسمية من علامة MG مخصصًا لكبار المسؤولين.
وتستثمر الصين في إسبانيا مبالغ تفوق استثمارات دول أوروبية غنية في شمال القارة، مثل السويد والنرويج والدنمارك، كما تتجاوز استثماراتها اليابانية. ومع ذلك، لا تزال الاستثمارات الصينية بعيدة عن مستويات الاستثمارات القادمة من الولايات المتحدة، التي تُعد أكبر مستثمر أجنبي في إسبانيا بنحو 6 مليارات يورو، ومن فرنسا التي تستثمر حوالي 3 مليارات يورو، وهي الأخرى من الدول التي تمتلك صناعة سيارات متقدمة.
إسبانيا بالعربي.

