ماذا يحدث لجيوب الإسبان؟ تراجع إيرادات ضريبة البيرة يكشف مؤشرًا لافتا
سجلت إيرادات ضريبة البيرة في إسبانيا انخفاضاً بنسبة 9.5% خلال أغسطس/آب 2026 مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، في وقت تتراجع فيه إيرادات عدد من الضرائب الخاصة بالكحول، رغم استمرار ارتفاع الحصيلة الضريبية الإجمالية للدولة. ويعيد هذا التطور طرح التساؤلات بشأن أنماط استهلاك الإسبان وتأثير ارتفاع الأسعار في ميزانيات الأسر، لكنه لا يكفي بمفرده لإثبات أن القدرة الشرائية وصلت إلى حدها الأقصى.
وبحسب أحدث تقرير شهري لتحصيل الضرائب نشرته وكالة الضرائب الإسبانية، بلغت إيرادات ضريبة البيرة نحو 30.5 مليون يورو في أغسطس/آب 2026، مقابل 33.7 مليون يورو في الشهر نفسه من 2025. أما الحصيلة التراكمية بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب، فوصلت إلى نحو 196.7 مليون يورو، بتراجع نسبته 2.6% على أساس سنوي.
وتعني هذه الأرقام أن الانخفاض لا يقتصر على شهر واحد، وإن كان التراجع التراكمي أقل حدة من الانخفاض المسجل في أغسطس/آب وحده.
تراجع إيرادات الكحول أيضاً
لم يقتصر الانخفاض على البيرة. فقد بلغت إيرادات الضريبة على الكحول والمشروبات المشتقة منه نحو 85.4 مليون يورو في أغسطس/آب، بانخفاض 7.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وخلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بلغ إجمالي الإيرادات من هذه الفئة نحو 480.9 مليون يورو، بتراجع 3.9% على أساس سنوي.
كما انخفضت حصيلة الضرائب الخاصة في إسبانيا عموماً بنسبة 7.9% خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أغسطس/آب، لتصل إلى 14.02 مليار يورو. ويشمل هذا التصنيف ضرائب متعددة، من بينها الضرائب المفروضة على الكحول والوقود والتبغ والكهرباء، ولذلك لا يمكن تفسير حركته من خلال استهلاك البيرة وحده.
في المقابل، ارتفعت الإيرادات الضريبية الإجمالية إلى 230.277 مليار يورو خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، بزيادة 9.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وسجلت ضريبة الدخل الشخصي زيادة سنوية قدرها 11.6%، بينما ارتفعت إيرادات ضريبة القيمة المضافة بنسبة 7.4%. وهذا يعني أن تراجع الضرائب على بعض السلع لا يعكس انخفاضاً عاماً في تحصيل الضرائب الإسبانية.

هل يعني ذلك أن الإسبان يقلصون مشترياتهم بسبب الغلاء؟
يربط تقرير نشرته صحيفة «The Objective» في 16 أكتوبر/تشرين الأول التراجع في إيرادات ضريبة البيرة بضغوط تكاليف المعيشة واحتمال لجوء بعض الأسر إلى تقليص نفقاتها الاستهلاكية. ونقل التقرير عن الاقتصادي خوسيه رامون رييرا، رئيس معهد الاقتصاد الفعال، تقديره أن الأسر أصبحت تقلص بعض النفقات لمواجهة صعوبة تغطية المصروفات اليومية.
لكن هذا التفسير يظل تحليلاً اقتصادياً، وليس نتيجة محسومة تثبتها أرقام الضرائب وحدها. فقد تتأثر الإيرادات بحجم الاستهلاك، والأسعار، والتغيرات في أنماط الشراء، فضلاً عن توقيت تسجيل الضرائب وتحصيلها.
وهناك تفصيل مهم في تقرير وكالة الضرائب: تحصيلات أغسطس/آب تتضمن، من بين عناصر أخرى، الضرائب المتعلقة بالربع الثاني من العام على الكحول والبيرة والمنتجات الوسيطة. لذلك لا تمثل الحصيلة المسجلة في أغسطس بالضرورة ما استهلكه الإسبان خلال أغسطس نفسه أو خلال الصيف كله.
بيانات رسمية تؤكد تراجع استهلاك البيرة في 2025
يوفر تقرير وكالة الضرائب السنوي عن عام 2025 سياقاً إضافياً لهذه التطورات. فقد أشار إلى انخفاض استهلاك البيرة بنسبة 1.6% خلال العام، وتراجع إيرادات الضريبة الخاصة عليها بنسبة 2.8%. كما انخفض استهلاك المشروبات الكحولية المشتقة بنسبة 1.3%، بالتزامن مع تراجع إيرادات الضرائب المرتبطة بها.
وفي تحليل نشرته الوكالة في يونيو/حزيران 2026، أوضحت أن استهلاك أنواع من المشروبات الكحولية تراجع بعد تعافيها من تداعيات جائحة كورونا. لكنها أشارت أيضاً إلى أن مستويات الاستهلاك في 2025 ظلت أعلى من مستويات عام 2015، مع اختلاف التطورات باختلاف نوع المشروب.
وتدعم هذه البيانات وجود اتجاه تنازلي في استهلاك البيرة خلال 2025، لكنها لا تثبت وحدها أن تراجع القوة الشرائية هو السبب الوحيد. فقد تتداخل مع الظروف الاقتصادية عوامل أخرى، مثل تغير العادات الاستهلاكية أو التحولات في الطلب على المشروبات المختلفة.

ما الذي تكشفه الأرقام عن ميزانيات الأسر؟
تأتي هذه المؤشرات في وقت تستمر فيه الإيرادات الضريبية الإجمالية في الارتفاع. وقد يثير التباين بين زيادة حصيلة الضرائب العامة وتراجع الإيرادات المرتبطة ببعض السلع تساؤلات بشأن توزيع الإنفاق الاستهلاكي، لكنه لا يسمح وحده باستنتاج أن الأسر الإسبانية تعاني جميعها المستوى نفسه من الضغوط المالية.
ولقياس القدرة الشرائية بصورة أدق، ينبغي النظر إلى مؤشرات أخرى، من بينها تطور الأجور الحقيقية مقارنة بالتضخم، والإنفاق الاستهلاكي للأسر، وتكاليف السكن والطاقة والغذاء، إلى جانب بيانات الاستهلاك الفعلي حسب فئات السلع.
أما ضريبة البيرة، فهي مؤشر واحد ضمن مجموعة أوسع من البيانات الاقتصادية. والانخفاض المسجل فيها يستحق المتابعة، خاصة مع تراجعات مماثلة في بعض الضرائب على الكحول، لكنه لا يمثل بمفرده دليلاً قاطعاً على وصول ميزانيات الأسر إلى حدودها القصوى.
وتشير الحصيلة الأحدث إلى اتجاهين متزامنين: تراجع إيرادات بعض الضرائب الخاصة على الاستهلاك، مقابل استمرار ارتفاع الإيرادات الضريبية الإجمالية. وستساعد البيانات الشهرية المقبلة على تحديد ما إذا كان انخفاض إيرادات البيرة يمثل استمراراً لاتجاه قائم أم تراجعاً محدوداً في فترة بعينها.
إسبانيا بالعربي.
