القضاء الإسباني يحفظ مؤقتا قضية ضد نتنياهو بشأن احتجاز عسكري في لبنان.. ما السبب؟
قررت المحكمة الوطنية الإسبانية الحفظ المؤقت للتحقيق القضائي الذي فُتح بشأن احتجاز جندي إسباني من قوات حفظ السلام في جنوب لبنان على يد الجيش الإسرائيلي، بعد أن خلص القاضي إلى وجود تحقيقات جارية لدى الأمم المتحدة والسلطات الإسرائيلية بشأن الواقعة، وعدم توافر مبررات كافية لتدخل القضاء الإسباني في هذه المرحلة.
ويشمل القرار الشكوى التي قدمها حزب «Iustitia Europa» ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي هرتسي هاليفي، ومسؤولين عسكريين آخرين، على خلفية ما وصفه الحزب بأنه جرائم حرب واحتجاز غير قانوني وإكراه. وأوضح القاضي أن الحفظ مؤقت، ويمكن إعادة تقييم القضية إذا طرأت تطورات جوهرية على التحقيقات القائمة أو ظهرت أدلة جديدة ذات صلة.
ماذا حدث للجندي الإسباني في لبنان؟
تعود الواقعة إلى 7 أبريل/نيسان 2026، عندما اعترض الجيش الإسرائيلي قافلة لوجستية تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، واحتجز أحد جنود حفظ السلام الإسبان الذين كانوا ضمن القافلة.
وذكرت اليونيفيل، في بيان رسمي صدر في اليوم نفسه، أن الجندي أُطلق سراحه خلال أقل من ساعة، بعد اتصالات مباشرة وفورية أجرتها قيادة البعثة وقسم الارتباط مع الجهات المعنية. واعتبرت القوة الأممية أن احتجاز أحد أفرادها يمثل انتهاكاً للقانون الدولي، وأن عرقلة حركة قوات حفظ السلام تتعارض مع قرار مجلس الأمن رقم 1701.
وأثارت الواقعة اعتراض الحكومة الإسبانية. ووفقاً لما نقلته «Cadena SER»، استدعت وزارة الخارجية الإسبانية القائمة بالأعمال في السفارة الإسرائيلية بمدريد في اليوم التالي للاحتجاج على ما وصفته بأنه احتجاز غير مبرر.
وبعد عشرة أيام من الحادثة، تقدم حزب «Iustitia Europa» بشكوى إلى المحكمة الوطنية الإسبانية، مطالباً بالتحقيق في المسؤولية الجنائية المحتملة لنتنياهو وكبار القادة العسكريين الإسرائيليين عن الواقعة.
لماذا قرر القاضي إغلاق القضية مؤقتاً؟
استند القاضي أنطونيو بينيا إلى تقرير النيابة العامة، الذي أشار إلى أن الأمم المتحدة فتحت تحقيقاً داخلياً بشأن الحادثة، وأن المعلومات المتعلقة بها نُقلت أيضاً إلى السلطات الإسرائيلية التي اتخذت إجراءات بشأن الوقائع المبلغ عنها.
ووفقاً لما أورده موقع «elDiario.es»، فإن مكتب الشؤون القانونية في الأمم المتحدة أفاد، في 21 يوليو/تموز 2026، بأن الحادثة أُبلغت رسمياً للمنظمة، وأن اليونيفيل نقلت تفاصيلها إلى السلطات الإسرائيلية، فيما بدأت الأمم المتحدة تحقيقاً داخلياً وفق إجراءاتها المعتمدة.
كما أفاد تقرير النيابة بوجود إجراءات لدى السلطات الإسرائيلية، من دون أن تتوافر معلومات تسمح بالجزم، في تلك المرحلة، بعدم وجود تحقيق فعال.
وبناءً على ذلك، طبق القاضي مبدأ «التبعية» في الاختصاص القضائي، مستنداً إلى المادة 23.5 من القانون التنظيمي للسلطة القضائية الإسبانية. ويقضي هذا الإطار، في الحالات التي تنطبق عليها شروطه، بعدم ممارسة القضاء الإسباني اختصاصه إذا كانت هناك إجراءات قائمة لدى الجهات الدولية أو سلطات الدولة المعنية، ما لم تتوافر مؤشرات على عدم استعداد تلك الجهات للتحقيق أو عجزها عن القيام بذلك.
ورأى القاضي أنه لا توجد، وفق المعلومات المتاحة في الملف، أدلة على تقاعس السلطات المعنية أو على ضرورة تدخل القضاء الإسباني بصورة احتياطية. ولهذا خلص إلى عدم توافر أساس كافٍ لمواصلة الإجراءات الجنائية الإسبانية في الوقت الحالي.

اتهامات الحزب المشتكي ورد النيابة العامة
استندت الشكوى التي قدمها «Iustitia Europa» إلى اتهامات تتعلق بالاحتجاز غير القانوني والإكراه وجرائم حرب محتملة، وطالبت بالتحقيق في مسؤولية نتنياهو وقادة عسكريين عن الواقعة.
لكن تقرير النيابة العامة، بحسب التفاصيل التي نشرتها «elDiario.es»، وصف الحادثة بأنها احتجاز وقع في سياق حادث عملياتي أثناء تنفيذ مهام اليونيفيل، مشيراً إلى أنه لم يتضح مبدئياً استخدام العنف الجسدي، وأن الحرمان من الحرية لم يتجاوز المدة المذكورة، أي أقل من ساعة.
ويمثل ذلك تقييماً ورد في تقرير النيابة ضمن الملف، وليس حكماً نهائياً يفصل في صحة جميع الاتهامات أو ينفيها. كما أن الشكوى التي قدمها الحزب تتضمن روايته للواقعة وطلبه تحديد المسؤوليات الجنائية المحتملة، ولا يجوز التعامل مع تلك الاتهامات باعتبارها إدانة قضائية.
هل يعني القرار أن نتنياهو بُرّئ من الاتهامات؟
لا. الحفظ المؤقت لا يعادل حكماً بالبراءة ولا يعني أن المحكمة حسمت مشروعية الواقعة من الناحية الموضوعية. فالقرار يتعلق أساساً بمدى توافر شروط ممارسة القضاء الإسباني اختصاصه، في ظل وجود تحقيقات أخرى بشأن الحادثة.
كما ترك القاضي الباب مفتوحاً أمام إعادة تقييم الملف إذا طرأ تغيير جوهري على وضع التحقيقات القائمة أو ظهرت عناصر جديدة ذات أهمية. وبذلك، لا يمنع القرار من حيث مضمونه إعادة النظر في المسألة إذا تغيرت الظروف التي استند إليها الحفظ المؤقت.
وأعلن حزب «Iustitia Europa» عزمه الطعن في القرار، معتبراً أن الواقعة تستوجب تحديد المسؤولية عن احتجاز عسكري إسباني أثناء أدائه مهامه ضمن بعثة أممية لحفظ السلام. ويظل هذا الموقف تعبيراً عن موقف الجهة المشتكية، ولا يغير في حد ذاته الوضع القضائي للقضية ما لم تقرر المحكمة المختصة خلاف ذلك.
قضية تتجاوز الحادثة إلى حدود الاختصاص القضائي
تعكس القضية التداخل بين حماية أفراد بعثات حفظ السلام، والتحقيق في الوقائع التي تحدث خارج الأراضي الإسبانية، والقيود التي تحكم ممارسة القضاء الإسباني لاختصاصه الجنائي في هذه الحالات.
فمن جهة، أكدت اليونيفيل أن حرية حركة أفرادها واحترام وضعهم المحمي أمران أساسيان لتنفيذ مهمتها في لبنان. ومن جهة أخرى، رأى القضاء الإسباني أن مواصلة إجراءاته لا تستند حالياً إلى أساس كافٍ ما دامت هناك تحقيقات قائمة لدى جهات أخرى، ولم تظهر مؤشرات تستدعي تدخله بصورة احتياطية.
وبذلك، يبقى التطور الأهم الذي يستحق المتابعة هو مسار التحقيقات لدى الأمم المتحدة والسلطات الإسرائيلية، إلى جانب الطعن الذي أعلن الحزب المشتكي عزمه تقديمه. وحتى الآن، لا يمثل قرار الحفظ المؤقت حكماً نهائياً بشأن المسؤولية الجنائية عن الحادثة، بل قراراً إجرائياً يستند إلى وضع التحقيقات والاختصاص القضائي في المرحلة الحالية.
إسبانيا بالعربي.
