مفارقة غريبة في إسبانيا: 10 ملايين كلب مقابل 1.7 مليون طفل فقط
لم تعد صورة الأسرة في إسبانيا تقتصر بالضرورة على الزوجين والأطفال، إذ تكشف أرقام حديثة عن تحول لافت في أنماط المعيشة والعلاقات الأسرية، مع تسجيل أكثر من 10 ملايين كلب في البلاد، مقابل نحو 1.8 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين صفر وأربع سنوات.
وبحسب بيانات شبكة التعريف الإسبانية للحيوانات الأليفة، بلغ عدد الكلاب المسجلة في إسبانيا 10 ملايين و165 ألفًا و498 كلبًا في منتصف عام 2023. وفي الفترة نفسها، أظهرت بيانات المعهد الوطني للإحصاء وجود مليون و786 ألفًا و406 أطفال تتراوح أعمارهم بين الولادة وأربع سنوات.
ولا تعني هذه الأرقام أن عدد الكلاب يفوق عدد الأطفال في إسبانيا بشكل عام، بل إن المقارنة الواردة في التقرير تتعلق بعدد الكلاب المسجلة مقابل فئة الأطفال الأصغر سنًا، وهي فئة عمرية محددة.

الكلب يتحول إلى فرد من الأسرة
يرصد تقرير «إر تي في إي» تغيرًا في علاقة عدد متزايد من الإسبان بحيواناتهم الأليفة، حيث لم تعد الحيوانات بالنسبة إلى بعض الأسر مجرد حيوانات منزلية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية.
ويقدم التقرير قصة سيرخيو، البالغ من العمر 46 عامًا، والذي يعيش مع زوجته وكلبه «برونو». ويخصص الرجل أكثر من ثلاث ساعات يوميًا لمواعيد التنزه والعناية بالكلب، الذي أصبح بالنسبة إليه جزءًا أساسيًا من الأسرة.
ويرى سيرخيو أن العيش مع كلب يمكن أن يكون أقل تكلفة والتزامًا من تربية طفل، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصادية وضيق الوقت وعدم الاستقرار الذي يعيشه كثير من الشباب والأسر.
أزمة السكن وتأجيل الإنجاب
ولا ينفصل هذا التحول عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية، التي تواجهها فئة من الشباب في إسبانيا، وعلى رأسها ارتفاع تكلفة السكن.
ويعرض التقرير تجربة إيفلين، البالغة من العمر 24 عامًا، والتي تعيش في مدريد مع كلبتها «أرابيا». وتقول إن وجود الكلبة منح منزلها شعورًا بالأسرة والاستقرار، بينما ترى أن إنجاب طفل في الوقت الحالي يحتاج إلى قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي.
وتشير تجربتها إلى أن ارتفاع أسعار السكن وصعوبة الاستقلال المادي، يمكن أن يؤثرا في القرارات المرتبطة بتكوين الأسرة والإنجاب. ويشرح عالم الاجتماع ألفارو سولير أن هناك تناقضًا بين التوقعات الاجتماعية التقليدية بتكوين أسرة وبين الظروف المادية التي قد تجعل تحقيق ذلك أكثر صعوبة.

لماذا يرتبط الناس أكثر بحيواناتهم؟
من الجانب السلوكي، تشرح خبيرة سلوك الحيوانات ساندرا بورتالس، أن عددًا متزايدًا من الشباب يختارون العيش مع الكلاب أو القطط بدلًا من إنجاب الأطفال.
وترتبط هذه العلاقة أيضًا بعوامل بيولوجية وعاطفية، إذ يمكن للتفاعل بين الإنسان والحيوان أن يرتبط بإفراز هرمون الأوكسيتوسين، الذي يرتبط بدوره بمشاعر الارتباط والأمان وتقليل التوتر.
لكن الخبيرة تحذر في الوقت نفسه من المبالغة في التعامل مع الحيوانات باعتبارها أطفالًا بشريين، لأن لكل نوع احتياجاته وسلوكياته الخاصة. فالحب والعناية بالحيوان لا يعنيان تجاهل طبيعته واحتياجاته الأساسية.

مجتمع يتغير مع تراجع معدلات الإنجاب
ويأتي انتشار الحيوانات الأليفة داخل الأسر الإسبانية في سياق ديموغرافي يشهد تغيرات أوسع، من بينها انخفاض أعداد المواليد وارتفاع متوسط أعمار السكان.
وبالنسبة إلى بعض الأشخاص الذين يتحدث عنهم التقرير، لا تمثل الحيوانات الأليفة مجرد بديل مؤقت، وإنما أصبحت جزءًا من نموذج مختلف للحياة الأسرية، يقوم على الرعاية والارتباط والمسؤولية دون أن يكون إنجاب الأطفال جزءًا منه بالضرورة.
وهكذا، تكشف ظاهرة انتشار الكلاب في المنازل الإسبانية عن تغيرات تتجاوز العلاقة بين الإنسان والحيوان، لتلامس أيضًا تكلفة السكن، والاستقرار الاقتصادي، وتأخر تكوين الأسرة، وتغير مفهوم الحياة العائلية في إسبانيا.
إسبانيا بالعربي.

