هل تبحث عن منزل وعمل؟ إسبانيا تطلق خطة لجذب السكان إلى هذه البلدات وتمنح آلاف اليوروهات للقادمين الجدد
خطة طموحة لمحاربة هجرة السكان إلى المدن الكبرى
لم يعد الانتقال إلى بلدة صغيرة في إسبانيا مجرد قرار يتعلق بمكان السكن، بل أصبح في السنوات الأخيرة فرصة اقتصادية حقيقية. فقد تحولت ظاهرة “إسبانيا الخالية” من مشكلة ديموغرافية إلى محور اهتمام السياسات العامة، حيث تقدم المجالس المحلية والحكومات الإقليمية والحكومة الوطنية مساعدات تصل في بعض الحالات إلى آلاف اليورو للانتقال والعيش في البلدات التي تعاني انخفاضا في أعداد السكان.
والسبب واضح: يُعدّ انخفاض عدد السكان أحد أبرز المشكلات الهيكلية التي تواجه البلاد. فبينما تستمر المدن الكبرى في النمو، تشهد آلاف البلديات إغلاق المدارس، واختفاء الشركات، وشيخوخة السكان. ولمعالجة هذا التوجه، بدأت المؤسسات تتنافس لجذب السكان، مقدمةً حوافز متنوعة تتراوح بين المساعدة في شراء المنازل والإعانات المباشرة والإعفاءات الضريبية، وحتى دعم بدء المشاريع التجارية.
المشكلة الهيكلية: آلاف البلدات في خطر
يُعدّ انخفاض عدد السكان في المناطق الريفية بإسبانيا مشكلة هيكلية تتفاقم منذ عقود، وقد بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة. فبينما تتركز الكثافة السكانية والوظائف والخدمات في المدن الكبرى، تشهد البلدات في المناطق الداخلية انخفاضًا مطردًا في عدد سكانها.
بحسب دراسات ديموغرافية متعددة، تُعاني إسبانيا من آلاف البلدات المُعرّضة لخطر الزوال أو التي تشهد شيخوخة سكانية حادة. ويُقدّر أن أكثر من نصف البلديات الإسبانية يقلّ عدد سكانها عن ألف نسمة، وأن نسبة كبيرة منها تواجه ما يُسمّيه الخبراء خطرًا جسيمًا للهجرة السكانية.

إسبانيا الخالية
لا تقتصر هذه الظاهرة، المعروفة شعبيًا باسم “إسبانيا الخالية“، على انخفاض عدد السكان فحسب، بل تشمل أيضًا تراجعًا تدريجيًا في الخدمات الأساسية. فعندما ينخفض عدد السكان عن مستوى مُعيّن، يحدث تأثير مُتسلسل: تبدأ المدارس بالإغلاق بسبب نقص الطلاب، وتختفي المراكز الصحية أو تُقلّص ساعات عملها، وتُلغى خطوط النقل العام، وتصبح الشركات المحلية غير مُجدية اقتصاديًا. ونتيجةً لذلك، تُصبح الحياة في هذه البلدات أكثر صعوبة، مما يُسرّع من هجرة الشباب.
وأمام هذا الوضع، بدأت الحكومات تُولي اهتمامًا سياسيًا للهجرة السكانية. ولم يعد الحلّ يكمن فقط في تحسين البنية التحتية أو الخدمات، بل في حلّ أكثر مباشرة: استقطاب سكان جدد.
دعم يصل إلى 10,800 يورو لشراء منزل في البلدات
يُعدّ توفير السكن أحد أهمّ ركائز سياسات مكافحة نزوح السكان في إسبانيا. فعلى مدى سنوات، أدّى ارتفاع أسعار العقارات في المدن إلى عزوف العديد من الشباب عن سوق العقارات، بينما كانت المشكلة في المناطق الريفية عكس ذلك تمامًا: منازل متوفرة، ولكن دون طلب كافٍ. ولمعالجة هذا الوضع، أطلقت الحكومة برامج دعم مُخصصة تستهدف الراغبين في شراء منزل في هذه البلدات الصغيرة.
في إطار خطة الإسكان الحكومية، يُقدّم دعم يصل إلى 10,800 يورو لشراء منزل في البلديات التي يقلّ عدد سكانها عن 10,000 نسمة. ويستهدف هذا الدعم في المقام الأول الشباب دون سنّ 35 عامًا، مع إمكانية توسيعه ليشمل فئات أخرى بحسب المنطقة الإدارية المُشرفة عليه. والهدف واضح: تسهيل الحصول على السكن في المناطق الريفية للحفاظ على السكان الحاليين وجذب سكان جدد. هذا الدعم ليس مُتاحًا للجميع، إذ يجب استيفاء شروط مُحدّدة.
دعم التوظيف وريادة الأعمال الريفية
لا يقتصر الانتقال إلى قرية على مجرد إيجاد مسكن، بل يشمل أيضاً إيجاد سبل العيش. لذا، لا تقتصر سياسات مكافحة هجرة السكان على قطاع العقارات فحسب، بل تشمل أيضاً مجموعة من برامج الدعم المصممة لتعزيز التوظيف وريادة الأعمال في المناطق الريفية.
وفي هذا السياق، توجد برامج محددة تحفز إنشاء المشاريع التجارية في البلدات الصغيرة، من خلال تقديم إعانات للعاملين لحسابهم الخاص، ومساعدة في بدء المشاريع، وتمويل المشاريع التي تساهم في التنمية المحلية. يغطي هذا الدعم كل شيء بدءاً من الاستثمارات الأولية وصولاً إلى نفقات التشغيل، وفي كثير من الحالات، يُوجه نحو قطاعات رئيسية كالتجارة المحلية، والضيافة، والزراعة، والخدمات المجتمعية. علاوة على ذلك، تتضمن بعض المبادرات تقديم المشورة والتدريب والدعم خلال السنوات الأولى من التشغيل.
ومن الجوانب المهمة الأخرى ضمان استمرارية الأعمال بين الأجيال. فالعديد من القرى بحاجة ماسة إلى من يتولى إدارة المشاريع القائمة، كالحانات والمزارع والمتاجر، التي باتت على وشك الإغلاق بسبب انقطاع الأجيال. ولتسهيل هذا الانتقال، تم إطلاق برامج تربط رواد الأعمال بفرص حقيقية في المناطق الريفية، وأحياناً بشروط مواتية للغاية.

ما هي الشروط؟
في معظم البرامج التي تهدف إلى مكافحة تناقص السكان، تميل شروط الحصول على المساعدة إلى اتباع نمط متشابه إلى حد كبير. عمومًا، يُشترط التسجيل كمقيم في المدينة واستخدام العقار كمسكن رئيسي ودائم، مع الحفاظ على هذا الوضع لمدة لا تقل عن ثلاث إلى خمس سنوات. إضافةً إلى ذلك، تضع العديد من برامج المساعدة حدودًا للدخل لإعطاء الأولوية للأفراد أو الأسر ذوي الدخل المتوسط أو المنخفض، وفي بعض الحالات، تُشترط معايير محددة، مثل ألا يتجاوز عمر المتقدم 35 عامًا، أو أن يكون لديه أسرة، أو أن يمارس نشاطًا اقتصاديًا في المنطقة.
كما يشيع أيضًا أن تكون الإعانات مشروطة بعدم تجاوز سعر العقار حدًا أقصى معينًا أو بترميم مبنى قائم.
إسبانيا بالعربي.



