آخر الأخباراقتصاددولي

ماذا تعرف عن الكابل البحري الإسباني الحيوي الذي يغذي المغرب؟

تعود العلاقات المغربية الإسبانية إلى واجهة التوتر من بوابة الطاقة، بعدما أثارت أزمة سبتة الأخيرة نقاشًا داخل إسبانيا حول إمكانية استخدام شبكة الربط الكهربائي مع المغرب كورقة ضغط سياسية. وبينما لم تعلن الحكومة الإسبانية قرارًا بقطع الكهرباء عن المملكة، بدأت وسائل إعلام إسبانية تتحدث عن أهمية الكابل الكهربائي الممتد تحت مضيق جبل طارق، في وقت قرأت فيه الصحافة المغربية هذه الطروحات باعتبارها محاولة لفتح جبهة جديدة في العلاقة بين الرباط ومدريد.

كابل تحت مضيق جبل طارق يتحول إلى ورقة سياسية

لا يتعلق الأمر بمجرد خط لنقل الكهرباء، فشبكة الربط بين إسبانيا والمغرب أصبحت جزءًا من البنية الطاقية التي تربط المملكة بالمنظومة الأوروبية.

وتشير تقارير صحفية إلى أن الصادرات الصافية للكهرباء من إسبانيا إلى المغرب بلغت خلال عام 2025 نحو 3743 غيغاواط/ساعة، وهو أعلى مستوى منذ عام 2017، ما يعكس الأهمية المتزايدة لهذا الربط بالنسبة إلى استقرار الشبكة المغربية وتلبية حاجات الاستهلاك خلال فترات الضغط.

وتكمن أهمية الربط وفق المعطيات المنشورة، ليس فقط في حجم الكهرباء المنقول عبر الشبكة، وإنما أيضًا في قدرته على دعم استقرار الشبكة وتعويض الاختلالات المفاجئة في الإنتاج أو الطلب.

النفق بين إسبانيا والمغرب
مضيق جبل طارق

أزمة سبتة تشعل النقاش

جاء تصاعد الحديث عن الكهرباء بعد أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة، والتي وضعت مدريد والرباط أمام اختبار جديد في ملف الحدود والهجرة.

وقد دفعت التطورات الأخيرة إسبانيا إلى تعزيز وجودها الأمني والعسكري في المدينة، فيما أعلنت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس خلال زيارتها سبتة في 12 أغسطس/آب أن سبتة ومليلية “لا تمسان”، مؤكدة التزام الحكومة الإسبانية بحماية المدينتين.

وفي هذا المناخ المشحون، ظهرت مقترحات إعلامية إسبانية تتحدث عن إمكانية توظيف الاعتماد الطاقي المغربي ضمن أدوات الضغط السياسي، وهو ما التقطته وسائل الإعلام المغربية بسرعة واعتبرته مؤشرًا على انتقال الخلاف من ملف الهجرة والحدود إلى مجال الطاقة.

سبتة
سبتة

هل تستطيع إسبانيا فعلًا الضغط على المغرب بالكهرباء؟

من الناحية النظرية، يمثل الربط الكهربائي ورقة نفوذ، لأن المغرب يستفيد من الكهرباء القادمة من الشبكة الإسبانية، كما أن الربط يوفر مرونة مهمة للشبكة الوطنية. لكن تحويل هذه الورقة إلى سلاح سياسي ليس بالبساطة التي قد توحي بها بعض العناوين الإعلامية.

فقطع الكهرباء عن المغرب لا يعني بالضرورة “إطفاء الاقتصاد المغربي”، كما أن الاعتماد على الربط الكهربائي لا يعني أن المملكة تفتقر إلى منظومة إنتاج وطنية. لذلك فإن الحديث عن أزمة كهرباء شاملة وفورية في حال توقف الإمدادات الإسبانية يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ.

والأدق من هذا، هو القول يإن وقف أو تقليص الربط يمكن أن يرفع الضغوط على الشبكة المغربية، خصوصًا خلال فترات ارتفاع الطلب أو حدوث اختلالات في الإنتاج، لكنه لا يساوي تلقائيًا انهيار منظومة الكهرباء المغربية.

ورقة ضغط متبادلة بين الرباط ومدريد

تكمن المفارقة، في أن العلاقة بين المغرب وإسبانيا تقوم على قدر كبير من الاعتماد المتبادل. فإذا كانت مدريد تستطيع نظريًا امتلاك أدوات ضغط في قطاع الطاقة، فإن الرباط تملك بدورها أوراقًا مؤثرة، وفي مقدمتها ملف الهجرة والسيطرة على تدفقات العبور نحو سبتة ومليلية، وهو ما ظهر بوضوح خلال الأزمة الأخيرة.

وقد أظهرت أحداث سبتة مدى حساسية الحدود الجنوبية لإسبانيا، في وقت تواجه فيه مدريد ضغوطًا أمنية وسياسية بسبب تدفقات المهاجرين. وهكذا، تتحول العلاقة بين البلدين إلى شبكة معقدة من المصالح المتبادلة، حيث يمكن للطاقة والهجرة والتجارة والأمن أن تتحول جميعها إلى أوراق تفاوض وضغط.

لماذا تخشى الرباط من “الضغط الطاقي”؟

لا يرتبط القلق المغربي بالكمية الإجمالية للكهرباء الإسبانية فحسب، بل بالدور الذي يلعبه الربط في استقرار الشبكة. ففي حالات الطوارئ أو التغيرات المفاجئة في الطلب والإنتاج، يمكن للربط الخارجي أن يوفر هامشًا مهمًا للتوازن. ولذلك فإن تعطيل هذه الآلية قد تكون له آثار تتجاوز مجرد فقدان كمية محددة من الكهرباء. ومن هنا جاء التخوف من أن تنتقل الخلافات السياسية بين البلدين إلى قطاعات استراتيجية يفترض أن تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية.

مدريد أمام اختبار صعب

في المقابل، فإن استخدام الكهرباء كسلاح سياسي قد يحمل مخاطر على إسبانيا نفسها، خصوصًا إذا تحولت العلاقة مع المغرب إلى مواجهة مفتوحة. فالمغرب ليس مجرد جار جغرافي، بل شريك اقتصادي وأمني مهم لإسبانيا، كما أن ملفات الهجرة ومكافحة الجريمة والتجارة والطاقة تجعل التعاون بين الطرفين ضرورة عملية بالنسبة إلى مدريد.

ولهذا فإن الحديث الإعلامي عن قطع الكهرباء لا يعني بالضرورة وجود قرار حكومي إسباني في هذا الاتجاه. وحتى الآن، ينبغي التمييز بوضوح بين النقاش الإعلامي والاقتراحات السياسية وبين قرار رسمي صادر عن الحكومة الإسبانية.

الجيش الإسباني
الجيش الإسباني

من سبتة إلى الطاقة.. تصعيد يتجاوز الحدود

تكشف الأزمة الحالية أن الخلاف المغربي الإسباني، لم يعد محصورًا في قضية سبتة أو الهجرة. فكل ملف أصبح مرتبطًا بملفات أخرى: فالحدود الإسبانية المغربية أصبحت مرتبطة بالهجرة، وبدوره بات أمر الهجرة مرتبط بالأمن والأمن مرتبط بالعلاقات السياسية، وبالتالي، فإن الطاقة يمكن أن تتحول بدورها إلى عنصر ضغط في أي مواجهة مستقبلية.

وفي الوقت نفسه، فإن الاعتماد المتبادل يجعل التصعيد مكلفًا للطرفين. وبينما تراقب الرباط النقاش الإسباني حول الكابل الكهربائي، تبدو مدريد أمام معادلة أكثر تعقيدًا: كيف تضغط على المغرب في ملف سبتة والهجرة من دون أن تدفع العلاقات الثنائية إلى مواجهة قد تكون لها تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة؟

في الواقع، الحديث عن قطع الكهرباء عن المغرب بسبب أزمة سبتة يجب التعامل معه بحذر؛ فالمؤكد حتى الآن هو وجود نقاش إعلامي وسياسي حول إمكانية استخدام الربط الكهربائي كورقة ضغط، وليس إعلانًا رسميًا إسبانيًا بقطع الإمدادات.

لكن ظهور هذا النقاش في توقيت حساس يكشف أمراً في غاية الأهمية: فالطاقة أصبحت جزءًا من معادلة القوة في العلاقات المغربية الإسبانية، إلى جانب الهجرة والأمن والتجارة.

ومع استمرار تداعيات أزمة سبتة، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح الرباط ومدريد في احتواء التصعيد، أم تنتقل المواجهة تدريجيًا من معضلة الحدود والهجرة إلى الطاقة والاقتصاد؟

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى