خطوة جديدة تفتح أبواب العمل للمهاجرين في 27 دولة أوروبية: الشهادات ووثائق الضمان الاجتماعي في هاتفك

تتجه المفوضية الأوروبية إلى إعادة تنظيم إجراءات التنقل والعمل عبر دول الاتحاد الأوروبي من خلال حزمة جديدة من المقترحات التي تهدف إلى تسهيل الاعتراف بالمؤهلات المهنية، ورقمنة وثائق الضمان الاجتماعي، وتقليص الإجراءات الإدارية أمام العمال وأصحاب العمل.
وتتضمن الخطة، التي أعلنتها المفوضية الأوروبية في 15 سبتمبر/أيلول 2026، إنشاء جواز أوروبي رقمي للضمان الاجتماعي ESSPASS، وإتاحة المؤهلات والشهادات بصيغ رقمية يمكن تخزينها في محفظة الهوية الرقمية الأوروبية، إلى جانب تسريع الاعتراف بالمؤهلات المهنية، بما في ذلك بعض الشهادات التي حصل عليها مواطنون أوروبيون ومهنيون من دول خارج الاتحاد.
لكن هذه الإجراءات لم تدخل حيز التنفيذ بعد، إذ يتعين أن تمر المقترحات التشريعية عبر البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد قبل اعتمادها ودخولها حيز التطبيق.

ما الذي تقترحه بروكسل للعمال في أوروبا؟
أطلقت المفوضية الأوروبية ما تسميه حزمة التنقل العادل للعمل (Fair Labour Mobility Package)، وتتضمن مجموعة من المبادرات التشريعية التي تستهدف جعل انتقال العمال بين دول الاتحاد الأوروبي أكثر سهولة، مع تقليل الوقت الذي تستغرقه الإجراءات الإدارية المتعلقة بالعمل والضمان الاجتماعي والاعتراف بالمؤهلات.
وتقول المفوضية إن الهدف هو أن يتمكن العامل الذي ينتقل إلى دولة أوروبية أخرى من إثبات حقوقه الاجتماعية والصحية ومؤهلاته المهنية بصورة أكثر سهولة، بينما تحصل الشركات على آليات أبسط للتحقق من شهادات الموظفين ووثائقهم.
وتضم الحزمة خمسة مقترحات تشريعية رئيسية، من بينها تنظيم جواز الضمان الاجتماعي الأوروبي، وقانون قابلية نقل المهارات والمؤهلات، وتعديل القواعد الخاصة بالاعتراف بالمؤهلات المهنية، إضافة إلى مقترح يتعلق بالاعتراف بمؤهلات مواطني الدول خارج الاتحاد الأوروبي، وتعزيز صلاحيات الهيئة الأوروبية للعمل.
شهادات الدراسة والمهن في محفظة رقمية
من أبرز التغييرات المقترحة اعتماد صيغة رقمية موحدة للمؤهلات والشهادات، بحيث يمكن تخزينها في محفظة الهوية الرقمية الأوروبية واستخدامها لإثبات المؤهلات أمام أصحاب العمل أو السلطات المختصة.
وتعمل المفوضية أيضًا على تطوير أداة أوروبية جديدة لمقارنة المؤهلات، تسمح للعامل وصاحب العمل بفهم العلاقة بين الشهادات الصادرة في دول أوروبية مختلفة، والتحقق من صحتها بصورة أسهل.
وهذا يعني أن الشهادات الدراسية والمهنية لن تعتمد مستقبلًا بالضرورة على المستندات الورقية وحدها، بل يمكن أن تصبح جزءًا من الهوية الرقمية الأوروبية، بما يسمح بتقديمها إلكترونيًا عند التقدم لوظيفة أو طلب الاعتراف بمؤهل مهني.
وتشير المفوضية إلى أن الدول الأعضاء ستوفر محافظ الهوية الرقمية الأوروبية للمواطنين والمقيمين والشركات بحلول نهاية عام 2026، مع استخدامات تشمل تخزين الشهادات الجامعية والوثائق الرسمية وإثبات بعض الحقوق والخدمات.
تقليص مدة الاعتراف بالمؤهلات المهنية
تستهدف الخطة أيضًا تقليص المدة اللازمة للاعتراف بالمؤهلات في المهن المنظمة، وهي المهن التي يشترط القانون في الدولة المعنية الحصول على اعتراف رسمي بالمؤهل لممارستها.
وبحسب المفوضية الأوروبية، سيتيح الإجراء الرقمي الإلزامي المقترح تسريع الاعتراف بالمؤهلات في مهن مثل الطب والتمريض والهندسة والتدريس، بحيث يمكن أن تنخفض المدة في بعض الحالات من نحو ثلاثة أشهر إلى خمسة أسابيع.
كما تسعى بروكسل إلى توسيع نطاق الاعتراف التلقائي ليشمل مهن إضافية تعاني من نقص في اليد العاملة. وقد اعتمدت المفوضية بالفعل أول إطار مشترك من هذا النوع بالنسبة إلى مهنة العلاج الطبيعي، مع وجود قائمة أولية من مهن أخرى قيد الدراسة.
ماذا عن الشهادات التي حصل عليها المهاجرون خارج الاتحاد الأوروبي؟
تحمل المقترحات أهمية خاصة بالنسبة إلى المهنيين من الدول خارج الاتحاد الأوروبي، إذ تتضمن الحزمة قواعد مشتركة جديدة للاعتراف بالمؤهلات التي تم الحصول عليها خارج الاتحاد.
وتقول المفوضية إن إجراءات الاعتراف بالمؤهلات غير الأوروبية تستغرق حاليًا في المتوسط نحو 14 شهرًا، بينما تهدف القواعد المقترحة إلى تقليص هذه المدة إلى أربعة أشهر.
وتشمل الخطة مواطني الاتحاد الأوروبي الذين يحملون شهادات من خارج الاتحاد، وكذلك المهنيين من دول ثالثة الذين يعملون في السوق الأوروبية أو يتقدمون للعمل من الخارج.
وفي سبع مهن توجد بشأنها معايير تدريب أوروبية مشتركة، تقترح المفوضية إمكانية الاعتراف التلقائي ببعض المؤهلات الصادرة عن مؤسسات معتمدة خارج الاتحاد، بعد إخضاعها لإجراءات ضمان الجودة الأوروبية.
هل يستطيع المهاجر العمل في أي دولة أوروبية بمجرد امتلاك شهادة رقمية؟
ليس بهذه البساطة.
فالتحول إلى الشهادات الرقمية لا يعني أن جميع حاملي المؤهلات، وخاصة مواطني الدول خارج الاتحاد الأوروبي، سيحصلون تلقائيًا على حق العمل في أي دولة أوروبية.
وتؤكد المفوضية الأوروبية أن الدول الأعضاء ستحتفظ بصلاحياتها الكاملة بشأن شروط دخول الأشخاص إلى أراضيها وشروط ممارسة المهن. وبالتالي، فإن الاعتراف بالمؤهل لا يلغي تلقائيًا متطلبات التأشيرة أو تصريح الإقامة أو تصريح العمل عندما تكون هذه التصاريح مطلوبة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة للمهاجرين العرب المقيمين في أوروبا أو الموجودين خارج الاتحاد الأوروبي، لأن امتلاك شهادة جامعية أو مهنية معترف بها لا يعني بمفرده الحصول على حق الإقامة والعمل في دولة أخرى.
بمعنى آخر، قد يصبح الاعتراف بالمؤهل أسرع وأسهل، لكن إجراءات الهجرة وحق العمل تبقى مسألة منفصلة تخضع للقواعد المعمول بها في الدولة الأوروبية المعنية.

وثائق الضمان الاجتماعي والصحة على الهاتف
من بين أهم عناصر الخطة أيضًا إنشاء جواز الضمان الاجتماعي الأوروبي ESSPASS.
وسيسمح النظام المقترح للأشخاص بطلب وثائق الضمان الاجتماعي والحصول عليها إلكترونيًا، ومن بينها البطاقة الأوروبية للتأمين الصحي ووثيقة A1 الخاصة بالعمال الموفدين مؤقتًا للعمل في دولة أوروبية أخرى.
وبعد إصدار الوثائق، يمكن تخزينها في محفظة الهوية الرقمية الأوروبية وعرضها عبر الهاتف، بينما تستطيع السلطات في الدول المختلفة التحقق من صحتها إلكترونيًا وبصورة أكثر سرعة وأمانًا.
وتهدف هذه الخطوة إلى الحد من الاعتماد على الوثائق الورقية وتسهيل انتقال العمال بين الأنظمة المختلفة للضمان الاجتماعي، خصوصًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعملون في دولة ويقيمون في دولة أوروبية أخرى أو ينتقلون مؤقتًا للعمل عبر الحدود.
ماذا سيحدث للعمال من دول خارج الاتحاد الأوروبي؟
تولي المقترحات الجديدة اهتمامًا خاصًا بالعمال القادمين من دول ثالثة، سواء كانوا موجودين أصلًا في السوق الأوروبية أو يتقدمون للعمل من خارج الاتحاد.
وتقترح المفوضية قواعد مشتركة للاعتراف بالمؤهلات التي حصل عليها هؤلاء العمال خارج الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تعزيز دور الهيئة الأوروبية للعمل في مكافحة الاستغلال والعمل غير القانوني والانتهاكات التي قد يتعرض لها العمال من دول ثالثة.
وتشمل الانتهاكات التي تستهدف الخطة التصدي لها حالات العمل غير المعلن، والأجور الأقل من المستحق قانونًا، وأشكال أخرى من الاستغلال في الحالات العابرة للحدود.
متى تبدأ هذه القواعد الجديدة؟
رغم الإعلان عن الحزمة الأوروبية، فإنها ليست قانونًا نافذًا في الوقت الحالي.
وتحتاج المقترحات إلى موافقة البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي قبل اعتمادها، ولذلك قد تتغير بعض التفاصيل خلال العملية التشريعية. وتوضح المفوضية أن الفوائد العملية الأولى ستظهر بعد اعتماد المبادرات ودخولها حيز التنفيذ.
وبحسب الجدول الزمني الذي عرضته المفوضية، ستتم رقمنة وثائق الضمان الاجتماعي على مراحل؛ إذ يُفترض أن تبدأ وثيقة A1 بعد عام من دخول النظام الخاص بها حيز التنفيذ، بينما ستتبعها البطاقة الأوروبية للتأمين الصحي وغيرها من الوثائق خلال فترة تصل إلى ثلاث سنوات.
أما التغييرات المتعلقة بالمؤهلات، فتتوقع المفوضية تطبيق تبسيط الاعتراف بالمؤهلات غير الأوروبية خلال عامين من اعتماد القواعد، في حين يُفترض أن تتوسع صيغة المؤهلات الرقمية وإجراءات الاعتراف بالمهن المنظمة خلال نحو ثلاث سنوات.
خطوة مهمة للعمال الراغبين في التنقل داخل أوروبا
تأتي هذه المبادرات في وقت يعيش فيه ملايين الأشخاص أو يعملون خارج دولهم الأصلية داخل الاتحاد الأوروبي. وتقدر المفوضية عدد الأوروبيين الذين يعيشون في دولة عضو أخرى بنحو 14 مليون شخص، بينهم أكثر من 10 ملايين في سن العمل، وفق بيانات عام 2024. كما يعمل نحو مليوني شخص في دولة أوروبية تختلف عن الدولة التي يقيمون فيها.
وبالنسبة إلى العمال والمهنيين، قد يؤدي توحيد الوثائق الرقمية وتسريع الاعتراف بالمؤهلات إلى تقليص جزء مهم من الإجراءات التي تعيق الانتقال المهني بين الدول الأوروبية.
لكن بالنسبة إلى المواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي، ومن بينهم كثير من العمال والمهنيين العرب، تظل هناك نقطة أساسية: تسهيل الاعتراف بالمؤهلات لا يساوي تلقائيًا منح حق الإقامة أو العمل. فالمقترحات الأوروبية تستهدف تبسيط الإجراءات المهنية والاجتماعية، بينما تبقى قرارات الدخول والإقامة وشروط ممارسة المهن من اختصاص الدول وفق القواعد الأوروبية والوطنية المعمول بها.

الخلاصة
تضع المفوضية الأوروبية تصورًا جديدًا لتسهيل العمل والتنقل المهني داخل أوروبا من خلال الشهادات الرقمية، ومحفظة الهوية الرقمية، وجواز الضمان الاجتماعي الأوروبي، وتسريع الاعتراف بالمؤهلات، بما في ذلك مؤهلات حصل عليها مهنيون خارج الاتحاد الأوروبي.
غير أن هذه التغييرات لا تزال مقترحات تشريعية وليست قواعد نهائية. وفي حال اعتمادها، يمكن أن تقلل من الإجراءات الورقية وتسرّع الاعتراف بالمؤهلات، لكنها لن تلغي تلقائيًا شروط التأشيرة أو الإقامة أو تصاريح العمل الوطنية.
وبالتالي، فإن التطور الأبرز بالنسبة إلى العمال العرب والمهنيين من خارج الاتحاد سيكون في تسهيل الاعتراف بالمؤهلات والوثائق المهنية والاجتماعية، وليس في منح حق تلقائي بالعمل في أي دولة أوروبية.
إسبانيا بالعربي
