إسبانيا قريبة من الانتخابات المبكرة: هل لإسرائيل علاقة بسقوط حكومة سانشيز؟
سانتوس سيردان، الأمين العام السابق لحزب العمال الاشتراكي الإسباني والذراع اليمنى ورجل الثقة لرئيس الحكومة، بيدرو سانشيز في الحزب، انتقل من مجلس النواب إلى سجن سوتو ديل ريال في غضون 19 يوما فقط. في دوامة تدهور لسمعة الحزب والحكومة الحالية بلغت ذروتها ليلة الاثنين مع أول صباح له في السجن في الأسبوع الذي سينتخب فيه الحزب خليفته في اللجنة الحزبية الفيدرالية، والذي من المتوقع أن يكون متوترا ومعقدا. سيردان هو الأمين العام الثاني للحزب الذي يتابعه القضاء بتهم فساد، إذا لا يزال خوسي لويس آبالوس، متابعا بقضايا فساد، ناهيك عن متابعة زوجة رئيس الحكومة وشقيقه في شبهات فساد واستغلال النفوذ.
ماذا يقول الرأي العام الإسباني؟
ونشرت اليوم صحيفة إل بايس المحسوبة على اليسار والمقربة من الحكومة مقال رأي ترى فيه أن استقالة رئيس الحكومة أصبحت ضرورية لإنقاذ إسبانيا وسمعتها وسلامة نظامها الديمقراطي. وجاء في مقال الرأي: قد قالها حزب “بوديموس”، لكن كل الأحزاب الداعمة للحكومة تعرف ذلك، بدءًا من الحزب الاشتراكي: ليس هناك شرعية لرئيسٍ يعمل تحت قيادته أقرب مساعديه على مدى عقدٍ من الزمن، والآن يتم التحقيق معهما بتهمة الانتماء إلى شبكة إجرامية (أحدهما دخل السجن مؤخرا)، ناهيك عن التحقيقات الجارية حول جرائم أخرى تتعلق بزوجته وشقيقه والنائب العام للدولة.
خلفية قضايا الفساد
في 7 نوفمبر 2023، استقال رئيس الوزراء البرتغالي الاشتراكي، أنطونيو كوستا، بمجرد أن تم توقيف شخصين من محيطه السياسي. كوستا، الذي يشغل الآن منصب رئيس المجلس الأوروبي، برر استقالته قائلا: “كرامة مهام رئيس الوزراء لا تتناسب مع أي شكوك حول النزاهة أو السلوك السليم، ناهيك عن أي أفعال إجرامية”. بغض النظر عن النتائج السياسية لقرار كوستا، فإن الأمر واضح.
يدّعي رئيس الحكومة الإسبانية سانشيز أنه لن يستقيل لأن تسليم الحكومة لليمين واليمين المتطرف سيكون “تصرفا غير مسؤول”. هذه العبارة تعترف ضمنا بأنه يحكم دون دعم الأغلبية الاجتماعية، وهو أمر مقلق: أليس من المفترض في الديمقراطية أن يحكم من يحظى بتأييد الأغلبية، سواء أعجبنا ذلك أم لا؟ أم نفضل أن يحكم “حزبنا” حتى لو كان في الأقلية؟
ما الأهم: اليسار أم الديمقراطية؟ والأهم من ذلك: هل يمكن لليسار أن يبقى يسارا إذا آمن بالديمقراطية فقط عندما تناسبه؟ أنا لا أعتقد أن اليسار أخلاقيا أفضل من اليمين – هذه الفكرة هي الأكثر سمّية في الساحة السياسية الإسبانية، خاصة لليسار نفسه. أؤمن بأن اليسار محق لسبب واحد لا جدال فيه: عقود من الاشتراكية الديمقراطية في شمال أوروبا أنتجت أكثر المجتمعات ازدهارا وحرية ومساواة في العالم (وربما في التاريخ). أنا من اليسار لأنني أطمح أن تصبح إسبانيا “نرويج الجنوب”، بشمسها ومقبلاتها. لكن إذا تخلّى اليسار عن الديمقراطية، أو أصبح التزامه بها ضعيفا أو خطابيا، فهو لم يعد يسارا. الديمقراطية هي شرط وجود اليسار، وجذرية اليسار تعتمد على جذرية التزامه بالديمقراطية.

حجتان زائفتان
من الواضح أن حجة الرئيس سانشيز تحتوي على كذبتين:
- أن حكومته هي الترياق ضد اليمين المتطرف: هذا غير صحيح، ليس فقط لأن الفضائح الحكومية – كما تظهر الاستطلاعات – تعزز اليمين المتطرف، بل لأن اليمين المتطرف يشارك بالفعل في الحكومة. من لا يعرف ذلك فهو يرفض المعرفة: “جونتس بور كات” ينحدر من حزب يميني حوّله “مسار استقلال كتالونيا” إلى حزب يميني متطرف. وجعل هذا الحزب دعامة أساسية للحكومة كان الخطأ الأصلي لهذه العهدة التشريعية، مما جعلها شبه مستحيلة منذ اليوم الأول.
- أن حزبي PP وPSOE (وحتى “سومار”) غير متوافقين: إذا حكمنا من خلال الخلافات الصاخبة في الكونغرس، قد يبدو ذلك صحيحا، لكنه ليس كذلك. الدليل هو أنه عند تغيير الحكومات، لا تحدث تغييرات جذرية في السياسات الأساسية. والدليل الآخر هو أن PSOE وPP يحكمان معا منذ عقود في بروكسل، حيث يتخذان معا حوالي 70% من القرارات التي تؤثر على جميع الإسبان (نعم، 70%).
الحل ليس تعقيدا
إذا استقال الرئيس سانشيز، لن يكون من الضروري إجراء انتخابات – كما يريد PP وVOX – بل يكفي أن يخلفه قائد اشتراكي آخر قادر على كسب ثقة الكونجرس، وهز الحكومة والحزب، وإخراجهما من المستنقع الذي غرقا فيه بسبب الفساد وإساءة استخدام السلطة، والوصول إلى انتخابات 2027 بأفضل الظروف.
بغض النظر عن نتائج تلك الانتخابات، هناك طرق عديدة لمنع وصول اليمين المتطرف إلى السلطة، بما في ذلك الحل المفضل لدى معظم الإسبان – وفقا للاستطلاعات – وهو ليس بالضرورة “تحالفا كبيرا” على الطريقة الألمانية، بل تفاهم مشروط ومؤقت بين PSOE وPP، يحافظ على المسار الأساسي للسياسة الاقتصادية والاجتماعية (التي حققت نتائج جيدة، وإن لم تكن تقدمية كما يدّعي الحكومة أو كما يتمنى البعض)، وينفذ الإصلاحات الكبرى التي يحتاجها البلد، والتي لا يمكن تحقيقها إلا باتفاق بين الحزبين الرئيسيين، بدءًا بإصلاح يقلص الفساد إلى ما لا أهمية له.
الاستمرار في السلطة كارثة
كل يوم يمرّ دون استقالة الرئيس، يزداد تشويه سمعة اليسار والديمقراطية الإسبانية محليا ودوليا. البلد كله في حالة ترقب: من سيكون الفاسد التالي الذي يظهر في التسريبات؟ الأوضاع لن تتحسن. لمصلحة حزبه، واليسار، والديمقراطية، يجب على الرئيس الذي انتخبه الكثيرون أن يستقيل.
هل سيفعلهاع؟
التاريخ يعلمنا أن السلطة تُعمي من يمسك بها، وتمنعه من رؤية الوضوح. كما أن المحيطين به نادرا ما يقولون الحقيقة – فالسلطة تجذب المتملقين. “خاتم سيد الخواتم” مجرد استعارة واضحة لحقيقة لا مفر منها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن حلفاء الرئيس والمستفيدون من حكمه سيفعلون كل ما بوسعهم لمنع استقالته، لأن مصالحهم تعتمد على بقائه. لذا، كل المؤشرات تقول إنه لن يستقيل، وسنواجه أشهرا عصيبة، حيث سيخسر الرئيس وحزبه وحكومته المزيد من المصداقية، وسيحتاجون وقتا أطول للتعافي (بينما يقترب اليمين المتطرف أكثر من السلطة).
السيناريو الكارثي
البعض يعتقد أن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز سيبقى في قصر “لا مونكلوا” خوفا من ظهور اسمه في التسريبات، ولحاجته إلى حصانة الرئاسة. أرفض تصديق ذلك، لأن ذلك يعني أنه توقف عن التفكير في بلده ولم يعد يفكر إلا في نفسه. سيكون ذلك أسوأ طريقة لإعطاء أعدائه سببا لهجومهم.
بالمقابل، تسليم السلطة لشخص قادر على حملها سيكون أفضل طريقة لإنقاذ سمعته، وإثبات أنه – رغم الأخطاء – كان دائما يسعى لخدمة بلده. قد تكون هزيمته الظاهرية انتصاره الأكبر. لكن ربما، في هذه المرحلة، هي الفرصة الوحيدة المتبقية له.
هل لإسرائيل علاقة؟
بدأ القضاء الإسباني متابعة زوجة رئيس الحكومة الإسبانية في شبهات فساد واستغلال النفود في أبريل 2024 بعد دعوى رفعتها منظمة “الأيادي النظيفة”، وحينها لم تكن العلاقة الإسبانية الإسبانية قد توترت كما هي عليه الآن. فضلا عن ذلك، الشبهات التي تتابع فيها زوجة رئيس الحكومة تعود إلى فترة فيروس كورونا حين توسطت زوجة الرئيس لشركة طيران للحصول على مساعدات حكومة بملايين اليوروهات، فضلا عن شبهات فساد في برنامج ماستر كانت مسؤولة عنه في جامعة بمدريد رغم أنها لا تمتلك المؤهلات الأكاديمية لشغل ذلك المنصب. أما قضية شقيقه دافيد الذي تم تعيينه في منصب قيادي في إقليم إكستريماذورا مع شبهات بتفضيله على غيره وخلق منصب خاص به كونه شقيق رئيس الحكومة.
لا أحد في إسبانيا يتحدث عن مؤامرة ضد إسبانيا، والشعب الإسباني بشكل عام يثق في أجهزته الأمنية وفي القضاء الذي لن ينجر وراء مؤامرة مزعومة تكون وراءها إسرائيل دون أن تتفطن المخابرات ولا الشرطة ولا القضاء ولا أي شخص في إسبانيا. المحاسبة مفيدة لسلامة النظام الديمقراطي الإسباني، والأدلة حول شبهات الفساد قوية، وقد يبدو سخيفا في إسبانيا محاولة الدفاع عن متهمين في قضايا فساد باستعمال نظرية المؤامرة أن إسرائيل تقف خلف ذلك بعد موافق الحكومة الإسبانية المؤيدة لفلسطين.
المصدر: إل بايس/ إسبانيا بالعربي.

















