fbpx
متفرقات

عشرة دروس علّمنا إيّاها الأندلس

اخبار اسبانيا بالعربي/ لعل أهم وأشهر الدروس التي نتعلمها من الأندلس هو أهمية التوحد وكارثية التفرق والحرص على المصلحة الذاتية على حساب الآخرين الذين يشتركون معنا في المصير.. وهذا درس نسمعه باستمرار وهو درس تاريخي فائق الأهمية، لكنني سأتحدث هنا عن دروس أخرى.

الدرس الأول: شعور العار من التاريخ

سأبتعد قليلا عن الأندلس إلى مدينة سالزبورغ النمساوية، زرت قلعة سالزبورغ الضخمة التي يقارب عمرها ألف سنة، والتي كانت مقرّ حكم الأساقفة الذين حكموا المدينة لقرون وكان الكثير منهم طغاةً متجبرين يترفون على أنفسهم ويفقرون الناس، ككثير من حكام ذلك الوقت.. تشكّل هذه القلعة اليوم معلماً سياحياً بارزاً، وقد لفتت نظري عبارة كتبوها للسياح في القلعة في معرض الحديث عن أولئك الحكام، قالوا:

وكالة: فرنسا تغلق مساجد باستخدام سلطات يتردد أنها تستعين “بأدلة سرية”

“علينا أن نتعلم أن نتقبل ونحترم تاريخنا، وندع شخصياته ترتاح”.. ندعهم لما قدّموا كما نقول بالعربية.

وهذا موقف يستحق الاحترام، ويختلف جذريا عما نراه عند بعض العرب الذين يشعرون بالعار والخزي من أخطاء شخصيات تاريخهم ويكررون التبرؤ منها بشكل اجتراري.

بالعودة إلى الأندلس، فحتى محاكم التفتيش يعرضها الإسبان الآن في معارض بشكل صريح، يعترفون ببشاعتها طبعا ولا يشرعونها، ولكنهم لا يشعرون بالعار منها ولا يحاولون إخفاءها أو تبريرها.. بل تباع منها تذكارات حتى الآن في أغلب محلات souvenirs التي يملكها إسبان.. لسان حالهم يقول: هذا هو التاريخ وكفى ولا نستطيع تغييره.. نستطيع التعامل اليوم بشكل أفضل وحسب..

قد نتفق على أن بيع هذه التذكارات سلوك خاطئ، لكننا نتحدث الآن عن جزئية محددة. شعور العار من التاريخ لم أره إلا عند بعض العرب المهزومين حضاريا ونفسيا (وعند الألمان تجاه هتلر تحديدا).. الأمر يحتاج منهم عملا جاداً مخلصاً للتخلص من هذا الشعور المدمر.

هناك من يشعرون بالعار حتى من أخطاء صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ومن أكثر فترات التاريخ البشري نصاعة وعظمة.. فما بال هؤلاء؟

أقدم المصادر التي تناولت قصة الفتح الأموي للأندلس

أفهم أن التشديد على ذكر الأخطاء يأتي كردة فعل على من يقدسون الصحابة فضلا عن تقديس الأمويين والعباسيين وتقديس مجمل التاريخ، وهي مواقف خاطئة طبعا، ولكن هل يجب أن ننطلق في مواقفنا من حقّ أم من ردة فعل؟ تطرف الآخرين لا يبيح لك التطرف ولا يحلّه لك يا عزيزي.. الحق أحق أن يقال.

مع كل ما في تاريخنا من أخطاء ومشاكل، لكنه يحتوي أيضا من القيم والعظمة والإيمان والإخلاص ما لا يحتويه تاريخ آخر.. والجرائم في التاريخ الأوروبي أضعاف ما في تاريخنا بل ليست هناك مقارنة أصلا.

فلنبحث في التاريخ عما يقوي عزيمتنا ويملأ شعورنا بالذات والانتماء، ونتعلم من أخطائه ومشاكله حتى لا تتكرر، دون خزي أو عار.. ودون تقديس لأشخاصه بطبيعة الحال.

أوروبا لا تشعر بالخزي من مشاكل تاريخها التي تتجاوز مشاكل تاريخنا، وهذا شيء يجب أن نتعلمه منهم اليوم. التاريخ جزء من الهوية الجماعية والذات الجماعية، إن انكسر في عيوننا انكسر جزء كبير من الهوية الجماعية.. وإصلاح أخطاء الماضي يكون بالاعتراف الناضج بها والعمل على صنع حاضر أفضل منها، لا بالبقاء عالقين عندها مخزيين من حدوثها.. اعتراف العزيز لا اعتراف الذليل. وقد تحدثت في مقالتي “الأندلس.. فتح أم احتلال؟” عن الذاكرة التاريخية وعن الحرب النفسية التي تسعى لتشويه الذاكرة التاريخية للأمة وتصغير شعورها بالهوية ونظرتها لنفسها.

هل تعرف من هو السلطان المسلم الذي انتصر في 1000 معركة؟

الدرس الثاني: ذاكرة محاكم التفتيش

زرت معرضين لمحاكم التفتيش Inquisition، أحدها في مدينة رودسهايم الألمانية والآخر في غرناطة.. كلاهما يعرض الشيء نفسه، أدوات التعذيب في العصور الوسطى والحديثة الأوروبية، والتي كانت تستخدمها الكنيسة الكاثوليكية في قمع معارضيها من مسلمين أو يهود أو مسيحيين من طوائف أخرى.

معرض رودسهايم مصمم ليشعر الزائر بالجو، ضوء أصفر خافت وأنغام كنسية من تلك العصور، لدرجة أني شعرت بالدوار وشيء من الغثيان أثناء مشاهدة الأدوات وقراءة وصفها على وقع هذه الأنغام والأضواء.. كان الأمر مزعجا جدا ومخيفا.

أما معرض غرناطة فقد أتبع عرض الأدوات ببعض الإحصائيات عن ضحايا محاكم التفتيش الإسبانية؛ كمثال: 26 ألف شخص تم حرقهم أحياءً خلال الـ 100 سنة التالية لسقوط غرناطة، ثم بدأت أعداد المحروقين أحياء تتناقص تدريجياً حتى القرن الـ 18.. أما من كان يتوب فكان “يُكافأ” (هم من وضعوا كلمة “يكافأ” بين علامتي تنصيص) بالإعدام شنقاً بدلا من الحرق، ثم يُحرق جثمانه وهو ميت.

إسبانيا: عرض أكثر من 3000 منزل ريفي للبيع بأسعار منخفضة

في مقابل ذلك، نرى في “متحف الأندلس الحيّ Museo Vivo de Al-Andalus” في قرطبة إنجازات علماء الأندلس في الجغرافيا والفلك مقرونة بتعليق لطيف، وهو أنهم عرفوا وكتبوا في كروية الأرض ودورانها حول الشمس ولم يتعرضوا لاضطهاد ديني في علومهم واكتشافاتهم، بعكس ما حدث لغاليليو في إيطاليا بعد عدة قرون عندما تحدث عن الظاهرة نفسها.

ما أريد الوصول إليه من هذا هو أن قيام أوروبا بتحييد الدين عن الحياة لم يأت من فراغ.. ومن يأتي عندنا ليقول “إن أوروبا حيّدت الدين فتطورت إذن علينا نحن أن نحيّد الدين” فهو يتحدث خارج السياق تماما.. ولا يعرف تاريخنا ولا تاريخها ويجهل الدين الذي ازدهرنا به والدين الذي ازدهرت هي بتحييده.

أوروبا حيّدت دينها لأن باسمه ارتُكبت جرائم وحروب ومحاكم تفتيش وأُبقي العامة فقراء وجهلة وحورب العلماء والمفكرون.. أوروبا عانت من سلطة الكنيسة فحجّمتها، ونحن ليس عندنا “سلطة مسجد”. هذه مشكلة أوروبية بحتة ونابعة من السياق الأوروبي وموجودة في الذاكرة التاريخية الأوروبية، وليست موجودة عندنا ولا في ذاكرتنا التاريخية، فلماذا سنحيّد نحن ديننا؟ لم يحدث عندنا شيء من ذلك، وكل الهزائم حدثت لدينا أصلا عند الابتعاد عن منهج الدين وروحه وأهم ما فيه.

من بينها شقق مفروشة.. أرخص خمس إيجارات في سرقسطة اليوم

في الوقت ذاته، نتعلم من تاريخ أوروبا أنه من الممكن أن ترتكب جرائم ومجازر باسم الدين حتى لو كان الدين ذاته بريئا منها، ومن الممكن ترسيخ الجهل والفقر والظلم باسم الدين حتى لو كان بريئا منهما، فنبذل جهدنا لتجنب ذلك عندنا، ولا نتهاون مع من يغذي هذه المفاهيم التي مثّلت انتحاراً تاريخيا للكنيسة في أوروبا.

الدرس الثالث: الهوية المسيحية في أوروبا

ما نراه ونتعلمه من قصة الأندلس ومآلاتها اليوم في إسبانيا وتعامل الدولة الإسبانية معها هو أن أوروبا مسيحية أكثر مما نظن. وقد تحدثت في مقالتي “الأندلس.. فتح أم احتلال؟” عن الهوية المسيحية الكاثوليكية للدولة الإسبانية. علما بأن الأمر يتجاوز إسبانيا ويشمل القارة الأوروبية بأكملها بدرجات متفاوتة.

حتى مع تحييد أوروبا للدين عن الحياة اليومية وتحجيمها لسلطة الكنيسة، إلا أن هويتها العميقة ما تزال مسيحية بشكل واضح، حتى عند من لم يصلِّ في كنيسة في حياته، وعند من يعرّف نفسه كملحد من خلفية مسيحية، وحتى فرنسا الدولة الأكثر علمانية، أتى رئيسها ماكرون في فبراير 2022 بتصريح مثل “دعم مسيحيي الشرق هو التزام علماني لفرنسا ومهمة تاريخية” تعليقاً على زيادة فرنسا تمويلها للمدارس المسيحية في الشرق.

هل تُفقد الجنسية الأصلية إذا حصلت على الجنسية الإسبانية عن طريق الإقامة؟

قارة أوروبا بتاريخها المسيحي الموحد والطويل لا تقف على مسافة واحدة من كل الأديان كما يشيع بعض العلمانيين في البلاد العربية.. ولا يُتوقع منها ذلك أصلا.. حتى وإن كانت قد حققت خطوات كبيرة جدا في تحقيق العدل بين سكانها.

ليس عندي مشكلة أبدا في تبني دولة للهوية المسيحية، وأنا أساسا من أنصار تبني الهوية الإسلامية للبلاد ذات الأغلبية المسلمة، وأستشهد بهذا لأن العديد من العلمانيين العرب هم من لديهم مشكلة في الأمرين… أما عن معنى الهوية المسلمة للدولة فيمكن الرجوع إلى برنامج “الدولة التي أحلم بها” للدكتور طارق السويدان، وهو معنى لا علاقة له بكثير من مخاوف المتخوفين مما يظنونه الهوية المسلمة.. وأما عن معنى الهوية المسلمة للحضارة فيمكن الرجوع إلى كتابات المسيري وبيغوفيتش رحمهما الله.

الدرس الرابع: المظلومية التاريخية

أثناء زيارتنا لمدن الأندلس ورؤية أطلال المسلمين فيها وقراءتنا عن محاكم التفتيش، كنا نحاول جاهدين ألا نشعر بالظلم، ألا نشعر بأننا ضحايا، لا يكاد يوجد شعور أسوأ من شعور المظلومية ولا سيما المظلومية التاريخية.. دور الضحية يصنع شخصا غير متزن العقل ولا العاطفة ولا السلوك.. باختصار إذا شعرنا به نكون قد تشوّهنا بسبب ما فعله القشتاليون في الماضي.. نكون قد تأذّينا نحن اليوم من أفعالهم، والخاسر إن تأذينا هو نحن فقط، ويكون انتصاراً جديدا لهم.

كيفية الحصول على تصريح الإقامة في إسبانيا عن طريق Arraigo Familiar

حاولنا البقاء متزنين متعقلين، نرى الأحداث بعين الباحث عن الحقيقة الذي يضع الأمور في مواضعها، نعترف بما لنا وما علينا، ندرك فضائل ورذائل ملوك الأندلس، وندرك فضائل ورذائل أوروبا.. وفي نفس الوقت نسعى للتعلم من التاريخ من أجل الحاضر والمستقبل، لا لنبقى في الماضي، نبحث في تاريخنا عما يحويه من عز وانتصار لنقوي عزيمتنا ونزيد شعورنا بذاتنا الجماعية.. ونبحث عما فيه من أخطاء لنتعلم.. ونستنكر بشدة شعور بعض إخوتنا بالعار من التاريخ، الذين يبحثون عن الأخطاء ليزدادوا انهزاما، ويبحثون عن العز ليطعنوا فيه.

الدرس الخامس: حتى يغيّروا ما بأنفسهم

نتعلم من الأندلس أن الأمة هي أكثر من يؤثر في تاريخها؛ لم تنهض الأندلس من فراغ، بل أنهضها أهلها وعلماؤها وحكامها، ولم تسقط بعد ذلك من دون سبب، بل أسقطها سكانها وحكامها.. والأمر ذاته ينطبق على أوروبا التي تخلفت بسبب سلوكيات أهلها، ثم نهضت بسبب سلوكيات أهلها

لذا، فتقديس تاريخنا وإنكار دور أجدادنا في سقوط الأندلس ونسبة الدور كله للطرف الآخر ما هو إلا عبث وإنكارٌ للبديهيات.. والأهم من ذلك أنه يسلبنا القدرة على التغيير.. إذا كان الطرف الآخر هو السبب في السقوط، فلا يمكننا الآن إذن إلا أن ننتظره حتى يمنّ علينا ويسمح لنا بالنهوض.

هل يمكنني الحصول على الجنسية الإسبانية إذا كنت حفيدا لمواطن إسباني؟

الدرس السادس: مثالب الخلفاء

لم يكن أحد من الخلفاء الأندلسيين مثل الخلفاء الراشدين، يخشى الله أن يسأله عن بعير تعثر في الطريق.. بل كانت هناك بعض المظالم حتى في فترات المجد والعزة والنصر.

علينا أن نتعلم أن الأخطاء لا تلغي الإنجازات، وأن العزة والمجد لا يتطلبان منا أن ننكر وقوع السلبيات ولا يتطلبان انعدام وجودها، فلا حاجة لتقديس التاريخ ولا للشعور بأن وجود الأخطاء تلغي جوانبه المشرقة.. ولا حاجة أيضا للشعور بالعار من هذه الأخطاء… نتحدث هنا عن الخلفاء العظام الذين أقاموا الحضارة وفعلوا بعض الأخطاء.. لا عن أولئك الذي قضوا كل فترة خلافتهم أو جلها في فعل الأخطاء والغرق في الترف والملذات!

في نفس الوقت نتعلم أن الإنجازات أيضا لا تلغي الأخطاء، ولا تبرر للحاكم تقاعسه المزمن عن إصلاحها ولا تبرر التأييد الأعمى له حتى في الخطأ.. فالله تعالى سيحاسب الحاكم فعلا عن كل بعير تتعثر في منطقة حكمه بل عن كل مثقال ذرة من خير أو شر يحدث تحت سلطته وفي دائرة تأثيره. الحكم مسؤولية هائلة ومخيفة لمن وعى.

هذا هو التاريخ المتوقع لإلغاء إلزامية الكمامة في الداخل بإسبانيا

الدرس السابع: القصور الشاهقة

نتعلم من الأندلس أن متاع الدنيا فارغ زائل، فالقصور الشاهقة والباهرة التي بناها الخلفاء الماجنون وأنفقوا عليها الملايين، وتركوا الرعية جياعا والدولة ضعيفة، قد فنيت وتحولت إلى كومة حجارة ومر على هذه الكومة ألف سنة أيضا.. وأتى الناس من مختلف البقاع يتفرجون على هذه الأنقاض ويصورونها بهواتفهم ويصورون أطفالهم يقفزون فوقها… لو عرف الخليفة بما سيحدث لقصره ومنتجعه وضريحه الذي كان يعدّ له طول حياته لربما ما كلف نفسه وبناه.. ولو عرف الحساب العسير الذي سيلقاه أمام الجبار عن كل فلس أنفقه على قصوره وعن سقوط الدولة بأكملها وفتك الأعداء بأهلها بسبب تبذيره وغبائه وانشغاله بملذات الدنيا لما بناه مطلقا… لكنه كان وقتها يحسبُ أن ماله أخلده.. كلا ليُنبذنّ في الحطمة.

حتى قصر الحمراء الذي بناه ملوك بني الأحمر الخونة الطغاة، وتصارعوا عليه، وتحالفوا مع الأعداء ضد جيرانهم المسلمين من أجله، وسفكوا دماء رعيتهم للبقاء فيه، صار بعد سقوط غرناطة قصرا للقشتاليين يتصرفون فيه كما أرادوا، غيّروا فيه وبنوا لهم أبنية داخله، ومحمد بن الأحمر آخر ملوك غرناطة -الذي باع الدين والضمير والرعية من أجل البقاء ملكاً في القصر- لم يعد له فيه شبر واحد.. وهاجر إلى تونس وظل بلا عمل ولا احترام ولا هيبة.. وشوهد أبناؤه وأحفاده بعد ذلك بسنين طويلة يشحذون في الشوارع.. فسحقاً لمن ائتمنه الله على مالٍ أو جاهٍ فعبدهما من دون الله… الذي جمع مالاً وعدّده.. يحسبُ أن ماله أخلده.. كلا ليُنبذنّ في الحطمة.. وما أدراك ما الحطمة..

أراغون تعلن عن مساعدة بقيمة 215 ألف يورو لتأهيل سكنات العمال المؤقتين في الزراعة

الدرس الثامن: مال قارون

الذين قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون، وفُتنوا بأمواله وشعروا أنه يملك الدنيا كلها، مع أنه استخدم ماله في المعصية والفساد والترف، لما رأوا نهاية قارون حمدوا الله على أن منّ عليهم وأنقذهم بأن لم يكن لهم مثل مال قارون!! فأيّة أمنية هشة ساذجة هذه؟ هذا وقد رأوا نهايته في الدنيا، فكيف لو رأوا نهايته في الآخرة؟!

ومثلهم من تمنى لو كان له مثل مال ابن الأحمر، وملكه ورفاهيته وقصره الذي يضرب المثل بجماله، عرف سذاجة أمنيته عندما رأى ابن الأحمر يفرّ ذليلا مشرداً..

كل هذه الثروة العظيمة الفاتنة تذهب هباء إلا ما تتزوده منها للآخرة… في الحديث الصحيح أن آل النبي صلى الله عليه وسلم ذبحوا شاة فأبقوا لهم جزءا منها وتصدقوا بأكثرها، فسأل النبي عائشة رضي الله عنها “ما بقي منها؟” فقالت “ما بقي إلا كتفُها” أي بقي جزء صغير منها والباقي تصدقوا به.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم القولة العظيمة “بل بقـيَ كلُّها إلا كتفها”.. أي أن ما تصدقتم به هو ما سيبقى لكم، وستجدونه يوم القيامة باقياً، وأما ما سنأكله الآن فهو ذاهب بلا رجعة.. ففكّر يا من أنعم الله عليك كم بقي من ثروتك؟ وفكّر يا من تتمنى مال قارونٍ من طغاة هذا العصر الذين نسوا الله والآخرة وتباهوا بالترف والرفاهية وضيعوا مال الله الذي ائتمنوا عليه، هل أنت متأكد من هذه الأمنية؟

ينقلون المسافرين بطريقة سرية.. الشرطة تحقق مع 40 سائق سيارة غير أجرة غير شرعية

الدرس التاسع: ابن الخليفة

لم يشأ الحكم المستنصر أن يُخرج الخلافة من سلالته، فولى ابنه الصغير غير المؤهل “هشام بن الحكم” ولاية العهد ولم يعطها لشخص مؤهل من المسلمين أو حتى من إخوته… لو كان يعلم ما سيحل بابنه بسبب ذلك وبالبؤس والتشرد الذي سيعيشه بقية حياته والتعاسة التي ستلاحقه لاعتزل الخلافة كلها وفرّ بجلده وبابنه.

فعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.. ولا يُنال المجد والسعادة بمعصية الله، فلا تحاول فالأمر لا يستحق. ارتكب الحَكَمُ معصية كبيرة نال إثمها ولم ينل متعتها وضيّع ابنه وساهم في تضييع البلاد بهذا الخطأ الفادح.

الدرس العاشر: لن نُغلب اليوم من قلة

في كل المعارك التي انتصر فيها المسلمون عبر تاريخهم تقريبا كانوا أقل عدداً بأضعاف من عدوهم (سكان الصحراء عموما أقل من سكان الأراضي الزراعية) ولكنهم في العموم قاتلوا فيها بعقيدة وإيمان وإخلاص وأعدوا ما استطاعوا من قوة. أما المعارك التي هُزموا فيها، وهنا المفارقة، فقد قاربوا العدو عدداً في الكثير منها، فاغترّوا بعددهم وتوكلوا على أنفسهم فضعفوا وهزموا. وهذه المفارقة التي بدأت في غزوة حُنين وخلّدها القرآن وتكررت عدة مرات في التاريخ (بما فيه تاريخ الأندلس) فيها درس للأجيال.

طلب إعانة الحد الأدنى من الدخل الحيوي 2022: إليك الطريقة الصحيحة

فأرضية صلبة مبنية على الإيمان بالله والقتال للحق وطلب الجنة ليست كأرضية هشة مبنية على الأصحاب أو الجماعة أو المال والجاه الذي نصيبه.. ومن يعدّ الشهادة مكرمة وشرفاً ومكسباً له ليس كمن يفرّ منها خوفاً.

فإن انتصرت أقوام أخرى بالبطش أو بالترف أو بالسلاح أو بالعدد، فعلينا نحن أن نذكر قول عمر رضي الله عنه: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام،

فإذا ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.

لا يمكن لنا نحن -وقد نزلت الرسالة الخاتمة فينا وائتمننا الله على تبليغها- أن ينصرنا الله بالدنيا والمال والقصور، أو بسفك الدماء والبطش والظلم، أو بتكديس السلاح وتكثير العدد فقط، إذا ابتعدنا عن أهم وأعظم وأثمن ما لدينا: رسالة الإسلام وإقامة الحق والعدل.. فقد آمنّا وعرفنا حق اليقين أن النصر من الله، فلنلزم طريقه.

اللهم كما قسمت لنا أن نرى أطلال المسلمين في هذه الأرض

وقسمت لنا أن نعيش في هذا الزمان

فاقسم لنا أن نساهم فيه في نهضة المسلمين

آمين.

​​ المصدر: الجزيرة/ موقع إسبانيا بالعربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

قد يعجبك ايضا
زر الذهاب إلى الأعلى