أدخلها قاعدة سرية للناتو: فضيحة تجسس تهدد مسيرة ضابط إسباني مع امرأة روسية

تحولت علاقة عاطفية بدأت عبر تطبيق Tinder إلى قضية أمنية داخل أحد أهم مقار حلف شمال الأطلسي في بريطانيا، بعدما أثارت صلة ضابط كبير في البحرية الإسبانية بامرأة بريطانية-بولندية مولودة في روسيا مخاوف لدى أجهزة الأمن من احتمال ارتباطها بالاستخبارات الروسية. الضابط فقد صلاحية الوصول إلى قاعدة
Northwood وعاد إلى إسبانيا في 2025، فيما تنفي المرأة بشكل قاطع أن تكون جاسوسة روسية، ولم تثبت التحقيقات المعلنة أنها تعمل لحساب موسكو.
أثارت علاقة عاطفية بين ضابط كبير في البحرية الإسبانية وامرأة مولودة في روسيا إنذاراً أمنياً داخل حلف الناتو، بعدما كان الضابط يؤدي مهامه في القيادة البحرية للحلف (MARCOM) في قاعدة Northwood، شمال غرب لندن.
وبحسب ما كشفته صحيفة The Telegraph ونقلته وسائل إعلام إسبانية، بدأت العلاقة في أواخر عام 2024 بعد تعارف الطرفين عبر تطبيق المواعدة Tinder، قبل أن تتحول لاحقاً إلى ملف أمني أدى إلى سحب التصريح الأمني من الضابط ومنعه من دخول القاعدة، ثم إنهاء مهمته وعودته إلى إسبانيا خلال صيف 2025. وقد أكدت مصادر من البحرية الإسبانية لوكالة EFE وقوع الحادث وعودة الضابط، من دون الكشف عن مهمته الحالية.

من هي المرأة التي أثارت الشبهات؟
المرأة المعنية تدعى جانينا وايت، وتبلغ 49 عاماً، وتحمل الجنسيتين البريطانية والبولندية، فيما ولدت في روسيا خلال الحقبة السوفياتية.
وبحسب الرواية التي نشرتها الصحيفة البريطانية، أثارت خلفيتها ووجودها في محيط ضابط يعمل في موقع حساس مخاوف أمنية، خصوصاً بعد دخولها إلى قاعدة Northwood في ديسمبر 2024 بصفة مرافقة للضابط لحضور مناسبة بمناسبة أعياد الميلاد.
لكن وجودها داخل القاعدة لم يكن، وفق المعلومات المنشورة، دليلاً بحد ذاته على حصولها على معلومات سرية أو وصولها إلى منشآت مصنفة. وتؤكد وايت أنها لم تدخل المناطق الحساسة وأن الاتهامات الموجهة إليها لا تستند إلى إثبات بأنها عميلة روسية.
التحقيقات بدأت في 2025 وانتهت بإبعاد الضابط
خلال النصف الأول من عام 2025، بدأت مخاوف أمنية بشأن علاقة الضابط بالمرأة، وفق الوثائق القضائية التي استند إليها التقرير البريطاني.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الناتو والسلطات الإسبانية أجريا إجراءات أمنية منفصلة، وانتهت الإجراءات الإسبانية إلى تعليق التصريح الأمني الوطني للضابط.
وفي 19 يونيو 2025، أُبلغ قائد قاعدة Northwood بالملف، ليتم بعد ذلك سحب بطاقة دخول الضابط ومنعه من الوصول إلى المنشأة أثناء استمرار التحقيقات. وفي 29 يوليو 2025، أُبلغ بأن مهمته في MARCOM قد انتهت، فعاد إلى إسبانيا.
وأكدت البحرية الإسبانية لوكالة EFE وقوع ما وصفته بـ«حادث محدد»، لكنها لم تكشف عن الوجهة الحالية للضابط أو وضعه المهني الراهن. أما متحدث باسم القيادة البحرية للحلف فقال إن MARCOM لا يعلق على المسائل المتعلقة بأفراده، مؤكداً في الوقت نفسه التزام الناتو بحماية موظفيه وتأمين المعلومات المصنفة والحفاظ على الثقة والأمن داخل الحلف.
محاولة دخول القاعدة بعد سحب التصريح
لم تنته القضية بمجرد عودة الضابط إلى إسبانيا.
فبحسب الرواية المستندة إلى الوثائق القضائية، حاول الضابط ووايت وشخص ثالث دخول قاعدة Northwood في أغسطس 2025، رغم أن تصريح الضابط كان قد عُلّق.
وقالت وايت إن الهدف كان استعادة بعض الممتلكات، بينما رفض أمن القاعدة السماح لهم بالدخول، واستُدعيت الشرطة بعد ذلك. وغادر الثلاثة الموقع من دون توقيفهم، وفق المعلومات المنشورة.
وتكشف الواقعة مدى حساسية الإجراءات الأمنية المحيطة بالقاعدة، التي تضم القيادة البحرية للحلف الأطلسي (MARCOM) وتؤدي دوراً مركزياً في العمليات البحرية للناتو.
لا دليل معلن على أن المرأة جاسوسة روسية
رغم استخدام بعض العناوين الإعلامية وصف «الجاسوسة الروسية»، فإن المعطيات المتاحة لا تسمح بتقديم ذلك كحقيقة مثبتة.
وايت تنفي تماماً ارتباطها بالاستخبارات الروسية، وتقول إنها تعرضت لمعاملة غير عادلة بسبب أصولها الروسية. كما تؤكد التقارير التي تناولت القضية أنها لم تُعتقل، ولم تثبت التحقيقات المنشورة أنها كانت تعمل لصالح الحكومة الروسية أو أجهزة الاستخبارات التابعة لها.
وهذا التفصيل مهم، لأن القضية حتى الآن تتعلق بشبهات ومخاوف أمنية وإجراءات اتخذت بحق الضابط، وليس بحكم قضائي يثبت أن وايت كانت عميلاً روسياً.
وايت تتحدث عن لقاء مع شخص من الاستخبارات الروسية
في تصريحات نقلتها The Telegraph، قالت وايت إنها التقت خلال زيارة إلى سان بطرسبورغ بشخص قدم نفسه لها على أنه من جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وإنه سألها عن عمل شريكها السابق وعن التحقيق الأمني الذي كان يجري بشأنهما.
وبحسب روايتها، استمر اللقاء نحو ساعتين، لكنها قالت إنها لم تكشف معلومات حساسة، مؤكدة أن علاقتها بالضابط لم تكن تتضمن الحديث عن طبيعة عمله.
هذه الرواية صادرة عن وايت نفسها ولم يتم تقديمها في المصادر التي تمت مراجعتها كدليل مستقل على وجود تعاون بينها وبين أجهزة الاستخبارات الروسية.
قاعدة Northwood وموقعها الحساس داخل الناتو
تكتسب القضية أهمية خاصة بسبب طبيعة الموقع الذي كان يعمل فيه الضابط.
فـMARCOM في Northwood هي القيادة البحرية لحلف الناتو، وتتعامل مع التخطيط والقيادة العملياتية في المجال البحري. وتوضح وثائق الناتو أن مقر القيادة يقع في Northwood، فيما تُظهر وثائق وزارة الدفاع البريطانية وجود وظائف عسكرية مرتبطة بالقيادة البحرية للناتو في الموقع نفسه.
وبحسب التقارير التي تناولت القضية، كانت المهام التي ترتبط بمقر MARCOM تشمل مراقبة الأنشطة البحرية الروسية، بما في ذلك الغواصات والسفن الحربية الروسية في المياه المحيطة بالمملكة المتحدة، إضافة إلى متابعة ناقلات مرتبطة بما يعرف بـ«أسطول الظل» الروسي.
لهذا السبب، يمكن لعلاقات الموظفين العسكريين والأشخاص المحيطين بهم أن تخضع لتدقيق أمني شديد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواقع تتعامل مع معلومات مصنفة.
القضية تبرز مخاطر العلاقات الشخصية في المواقع العسكرية الحساسة
ولا تعني هذه القضية أن استخدام تطبيقات المواعدة يمثل بحد ذاته مخالفة أمنية أو أن العلاقة العاطفية كانت دليلاً على التجسس.
لكنها توضح كيف يمكن لعلاقة شخصية أن تتحول إلى مسألة أمنية عندما يكون أحد طرفيها مسؤولاً عسكرياً يعمل في موقع شديد الحساسية، خصوصاً إذا ظهرت مخاوف بشأن خلفية الطرف الآخر أو اتصالاته المحتملة.
كما أن إجراءات التصريح الأمني في مؤسسات الناتو لا تقتصر على الكفاءة المهنية، بل ترتبط أيضاً بتقييم المخاطر الأمنية المحيطة بالأفراد الذين يتعاملون مع المعلومات المصنفة. وتوضح الناتو أن الحصول على التصريح الأمني يتطلب إجراءات تحقق تجريها السلطات الوطنية المختصة، وقد تستغرق العملية أشهراً بحسب الحالة.
الناتو والبحرية الإسبانية يتحفظان عن تفاصيل الملف
حتى الآن، لا توجد معلومات رسمية منشورة تكشف تفاصيل التحقيقات الأمنية كاملة أو تحدد ما إذا كان الضابط قد ارتكب مخالفة أمنية محددة.
البحرية الإسبانية أكدت لـEFE وقوع الحادث وعودة الضابط إلى إسبانيا، لكنها لم تكشف عن منصبه الحالي. وفي المقابل، اكتفت قيادة MARCOM بالتأكيد على أهمية حماية المعلومات المصنفة وأمن أفراد الحلف، من دون التعليق على الملف الشخصي للضابط.
لذلك، فإن توصيف القضية باعتبارها فضيحة تجسس مثبتة سيكون مبالغاً فيه استناداً إلى الأدلة المتاحة. الأدق هو الحديث عن تحقيق أمني وشبهات مرتبطة بعلاقة ضابط إسباني بامرأة وُضعت تحت الاشتباه في احتمال وجود صلات لها بالاستخبارات الروسية، من دون إثبات علني لهذه التهمة حتى الآن.
الخلاصة
تكشف قضية الضابط الإسباني في Northwood عن المستوى العالي من الحساسية الأمنية داخل المنشآت التابعة لحلف الناتو، لكنها في الوقت نفسه تستدعي التمييز بين الاشتباه الأمني والإدانة بالتجسس.
فالضابط فقد تصريحه الأمني ووصلت مهمته في بريطانيا إلى نهايتها وعاد إلى إسبانيا، بينما تواصل المرأة المعنية نفي أي علاقة لها بالتجسس الروسي. وبحسب المعلومات المتاحة حتى 15 سبتمبر 2026، لا يوجد حكم قضائي أو دليل معلن يثبت أنها كانت تعمل لصالح موسكو.
إسبانيا بالعربي.

