شؤون إسبانيةآخر الأخبارسياسة

إذاعة «كادينا سير» الإسبانية: مأساة عائلة يونس بعد رفض المغرب استلام جثمان ابنها ودفنه في سبتة بغيابها

لم تنتهِ مأساة هذا الشاب المغربي عندما ابتلعه البحر، بل امتدت حتى إلى حق أسرته في دفنه قرب بيتها. وبع أسابيع من الانتظار والركض بين الإدارات، أُجبرت أم مكلومة على وداع ابنها من الجهة الأخرى للحدود.

قصة مأساوية

لم تطلب أسرة يونس سوى استعادة جثمان ابنها ودفنه في مقبرة قريبة من منزلها. لكن الأبواب أُغلقت أمامها، وانتهى المطاف بالشاب المغربي مدفوناً في مدينة سبتة، بعيداً عن أمه وأقاربه.

كان يونس إيهـوف Younes Ihouf واحداً من ضحايا مأساة 30 يوليو/تموز 2026، عندما حاول عشرات الآلاف الوصول من المغرب إلى سبتة في واحدة من أخطر موجات العبور التي شهدتها الحدود الإسبانية المغربية.

وبحسب التقرير الذي نشرته إذاعة Cadena SER، كان يونس، البالغ 19 عاماً وفق الإذاعة، أصغر ثلاثة أشقاء حاولوا السباحة معاً نحو المدينة الإسبانية. نجا شقيقه وشقيقته، بينما فقد يونس حياته في المياه.

سبتة
سبتة

رفض المغرب استعادة جثمان يونس

كانت الأسرة تعتقد أن أصعب ما يمكن أن تواجهه هو تأكيد وفاة ابنها. لكن بعد التعرف على جثمانه، بدأت مأساة أخرى تمثلت في محاولة إعادته إلى المغرب.

أرادت العائلة دفنه في إحدى مقابر مدينة الفنيدق، على بعد بضعة شوارع فقط من منزلها. ووفق روايتها لـCadena SER، أكملت الأسرة الإجراءات المطلوبة في سبتة، وحاولت الحصول على التراخيص اللازمة من الجانب المغربي، لكنها ظلت تنتقل بين الإدارات دون نتيجة.

وقال شقيق يونس للإذاعة إن الأسرة أُبلغت بأن تعطيل الملف جاء من الرباط، بينما جرى الحديث تارة عن نقص في الوثائق وتارة أخرى عن مشكلة مرتبطة بإجراءات الجمارك.

هذه رواية الأسرة كما نقلتها الإذاعة، ولم نعثر على بيان رسمي مغربي يشرح بصورة مفصلة أسباب رفض إدخال الجثمان أو يرد على اتهامات العائلة.

لكن واقعة الرفض لم تعد مقتصرة على شهادة الأسرة وحدها. فقد أكد تقرير لاحق نشرته صحيفة El Faro de Ceuta حول دفن الضحايا الذين رفض المغرب استقبال جثامينهم أن جثمان يونس كان ضمن جثامين تسعة ضحايا جرى التعرف عليهم بالكامل، ثم دُفنوا في سبتة يوم 27 أغسطس/آب 2026.

سبتة
سبتة

أم تودّع ابنها من خلف الحدود

بقيت والدة يونس في المغرب، محاصرة بحزنها وعجزها عن الوقوف أمام قبر ابنها. أما شقيقاه الناجيان، فقالت الإذاعة إنهما ظلا في سبتة في حالة نفسية صعبة، يحملان شعوراً بالذنب لأن شقيقهما الأصغر رافقهما في الرحلة.

وازدادت معاناة الأسرة بعدما حاول أشخاص استغلال ألمها. فقد قالت الأم إن وسطاء طلبوا أموالاً مقابل المساعدة في استرجاع الجثمان، ووصل المبلغ المطلوب في إحدى الحالات إلى 8 آلاف يورو.

كما جمعت الأسرة نحو 1,500 يورو لتغطية تكاليف شركة نقل الموتى، لكن الجثمان لم يُسمح له بالعبور إلى المغرب.

وفي حالة أخرى وثقتها El Faro de Ceuta، وصل نعش أحد الضحايا بالفعل إلى المعبر الحدودي داخل سيارة جنائزية، قبل أن تمنع السلطات المغربية دخوله. وهي واقعة تكشف أن الأزمة لم تكن مجرد تأخير بسيط في ملف إداري، بل رفضاً فعلياً لعبور جثامين مواطنين مغاربة جرى التعرف عليهم.

دفن يونس في مقبرة سيدي مبارك

دُفن يونس في مقبرة سيدي مبارك الإسلامية Sidi Embarek في سبتة، إلى جانب ضحايا آخرين. وأكدت الصحيفة المحلية أن جميع الضحايا التسعة المرتبطين بمأساة معبر تاراخال جرى التعرف عليهم من خلال البصمات أو عينات الحمض النووي.

وكانت السلطات الإسبانية قد احتفظت بالجثامين التي تم التعرف عليها إلى آخر مراحل الدفن، أملاً في أن تتمكن الأسر من استعادتها. لكن مرور الوقت واستمرار رفض عمليات الإعادة جعلا الدفن العاجل ضرورياً من الناحية الصحية.

وسبق أن تناولنا تفاصيل دفن عشرات المهاجرين المغاربة في سبتة وفق الشعائر الإسلامية، وبينهم أشخاص لم تكن هوياتهم قد تحددت بعد.

أما يونس، فقد كان له اسم وأسرة وبيت ينتظر عودته. ومع ذلك، لم يكن التعرف الكامل عليه كافياً ليعود جثمانه إلى بلده.

سبتة
سبتة

مأساة تكشف تقصيراً تجاه المواطنين المغاربة

أكدت وكالة Reuters في تقرير مستقل أن السلطات الإسبانية استخدمت البصمات وتحاليل الحمض النووي لمطابقة الجثامين مع بيانات أقارب المفقودين، وأن العائلات المغربية واجهت صعوبات قانونية وعملية للوصول إلى سبتة وتقديم العينات.

كما أفادت الوكالة بأن 82 شخصاً لقوا حتفهم في الجانب الإسباني عقب أحداث 30 يوليو، إضافة إلى وفيات أعلنت في الجانب المغربي. ويمكن الاطلاع أيضاً على الحصيلة السابقة لمأساة سبتة وتوزع الجثامين بين الجانبين، مع الانتباه إلى أن الأرقام المنشورة حينها كانت مؤقتة.

قصة يونس لا تثبت وحدها وجود سياسة مغربية عامة لـ«التخلي عن الموتى»، لكنها توثق حالة واضحة عجزت فيها أسرة مغربية عن استعادة ابنها رغم تحديد هويته واستكمال الإجراءات في الجانب الإسباني.

إنها صورة مؤلمة لتقصير إداري وإنساني تجاه مواطنين مغاربة: شباب ماتوا وهم يبحثون عن مستقبل، ثم حُرمت عائلاتهم حتى من احتضان جثامينهم ودفنهم في وطنهم.

إسبانيا بالعربي.

زر الذهاب إلى الأعلى