كانت تنتظرها حياة جديدة خلف الحدود.. من هي موهبة كرة القدم المغربية التي ابتلعها بحر سبتة وهي بعمر 20 سنة؟
لم تكن فاتن بن عمر العزيزي تبحث عن الشهرة، فقد بدأت بالفعل تشق طريقها داخل ملاعب كرة القدم النسائية المغربية. ولم تكن رحلتها نحو سبتة مغامرة سياحية عابرة، بل محاولة يائسة للعثور على مستقبل مختلف خلف الحدود.
غير أن البحر كان أسرع من أحلامها.
فقدت لاعبة كرة القدم المغربية الشابة حياتها أثناء محاولتها الوصول سباحة إلى مدينة سبتة، لتتحول صورتها من لاعبة تحمل آمالاً رياضية كبيرة إلى وجه من وجوه المأساة التي شهدتها الحدود بين المغرب وإسبانيا.
كانت فاتن تبلغ من العمر 20 عاماً، ولعبت ضمن صفوف نادي المغرب أتلتيكو تطوان، كما شاركت في البطولة الجهوية لكرة القدم النسائية. وتنتمي إلى عائلة مرتبطة بالرياضة المحلية، إذ إن قريبها عبد الصمد العزيزي سبق له اللعب في عدد من أندية المنطقة، من بينها اتحاد مرتيل.
حلم انتهى قبل أن يبدأ
أكد نادي المغرب أتلتيكو تطوان وفاة لاعبة فريقه في بيان مؤثر، موضحاً أن حلمها «انتهى قبل أن يبدأ».
وقال النادي إن فاتن لم تكن تبحث عن الشهرة أو المغامرة، وإنما كانت تريد حياة أفضل ومستقبلاً اعتقدت أنه ينتظرها في الجانب الآخر من الحدود.
أرادت، بحسب ناديها، فتح «باب جديد» في حياتها، لكن رحلتها انتهت قبل أن تصل إلى وجهتها، بعدما فقدت حياتها خلال محاولة بلوغ سبتة سباحة.
وأعلنت كذلك النقابة المغربية للاعبي كرة القدم المحترفين وفاة اللاعبة، وقدمت تعازيها إلى أسرتها وأصدقائها وزميلاتها، داعية لها بالرحمة ولعائلتها بالصبر.
وتفيد المعلومات التي نشرتها وسائل إعلام محلية بأن فاتن واجهت صعوبات داخل المياه أثناء عبور المنطقة البحرية الفاصلة بين الفنيدق وسبتة، وفقدت حياتها قبل أن تتمكن من الوصول إلى اليابسة أو الحصول على المساعدة. وأكدت وسائل إعلام رياضية إسبانية، من بينها Mundo Deportivo، خبر وفاتها نقلاً عن ناديها.

لاعبة كرة قدم تختار البحر
تفتح قصة فاتن سؤالاً مؤلماً يتجاوز ظروف غرقها: ما الذي يدفع لاعبة شابة بدأت بالفعل مسيرة رياضية إلى ترك فريقها وأسرتها، والمخاطرة بحياتها سباحة للوصول إلى إسبانيا؟
كانت فاتن تملك موهبة، وفريقاً، وحلماً كروياً بدأ يتشكل. ومع ذلك، لم تر في مسيرتها داخل المغرب ضماناً كافياً لمستقبلها، فاختارت طريقاً تعلم أنه قد ينتهي بالموت.
لا توجد معلومات مؤكدة حول خطتها بعد الوصول إلى سبتة، ولا عن الفرص التي كانت تنتظرها في إسبانيا. لكن بيان ناديها يكشف أنها كانت ترى خلف الحدود فرصة لبناء حياة أفضل.
وهنا تكمن قسوة القصة: لم تدفعها الرغبة في خوض مغامرة، بل الاعتقاد بأن مستقبلها الحقيقي لا يوجد في المكان الذي نشأت ولعبت فيه.
واحدة من عشرات الضحايا
وقعت وفاة فاتن ضمن أزمة حدودية غير مسبوقة، بعدما حاول عشرات الآلاف الوصول من المغرب إلى سبتة عبر البحر أو محيط معبر تاراخال.
وأعلنت السلطات الإسبانية في 2 أغسطس ارتفاع عدد الوفيات المسجلة إلى 72 شخصاً، فيما استمرت عمليات البحث عن المفقودين والتعرف على الجثث. وفي المقابل، أعلنت السلطات المغربية لاحقاً تسجيل 11 وفاة في أراضيها، بينما كانت وسائل إعلام محلية قد تحدثت عن حصيلة أكبر.
وتجمع معظم الروايات على أن عدداً كبيراً من الضحايا ماتوا غرقاً، بعدما امتلأت المياه بمئات الأشخاص الذين حاولوا السباحة في الوقت نفسه والوصول إلى الصخور المحيطة بالحاجز الحدودي.
كما ربطت السلطات المغربية التدفق الجماعي بالمعلومات المضللة المنتشرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وبنشاط شبكات تهريب البشر، وبسوء تفسير قرار قضائي إسباني يتعلق بمنع الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر، وفق ملخص الأزمة الذي نشرته RTVE.
لكن هذه التفسيرات لا تجيب وحدها عن السؤال الأساسي: كيف تمكن آلاف المواطنين، وبينهم قاصرون ورياضيون، من الوصول إلى منطقة حدودية حساسة وإلقاء أنفسهم في البحر من دون منع الكارثة قبل وقوعها؟

كرة القدم المغربية في حداد
أثارت وفاة فاتن حالة من الحزن داخل الأوساط الرياضية المغربية، ليس فقط لأنها كانت لاعبة شابة، بل لأن قصتها كشفت أن الهجرة الخطرة لم تعد مرتبطة حصراً بالعاطلين أو بمن لا يملكون أي مسار مهني.
كانت فاتن تمارس كرة القدم وتحمل طموحات رياضية، ومع ذلك رأت في البحر طريقاً نحو فرصة لم تجدها في بلدها.
ولخص ناديها المأساة بالحديث عن الثمن الباهظ الذي يدفعه الشباب بسبب الهجرة غير النظامية، التي تحول الأحلام إلى كوابيس والفرح إلى دموع.
غادرت فاتن الملعب بحثاً عن مستقبل آخر، لكن اسمها عاد إلى جمهور كرة القدم في خبر وفاة. لم تصل إلى سبتة، ولم يُفتح الباب الجديد الذي كانت تبحث عنه.
وبقيت قصتها شاهداً على جيل من الشباب لا يخاطر بحياته لأنه لا يملك أحلاماً، بل لأنه لم يعد يرى طريقاً آمناً لتحقيقها.
إسبانيا بالعربي.
